مقالات د. سعد الدين إبراهيم

نسخة سهلة الطباعة

الامريكي القبيح ولبنان مجدداَ
د/ سعد الدين إبراهيم

ما كان للعربدة الإسرائيلية في لبنان أن تستمر لأكثر من أسبوعين إلا بدعم أمريكي مباشر، إن لم يكن أيضاً بتحريض غير مباشر. وقد تجلى ذلك في رفض الولايات المتحدة للإجماع الدولي بضرورة وقف إطلاق النار منذ اليوم الخامس للاشتباك بين إسرائيل ومقاتلي حزب الله، وتبادل القذف بين الجانبين. ولأن إسرائيل هي الأقوى ـ جواً وبراً وبحراً ـ ولأنها لم تميز بين مقاتلي حزب الله والمدنيين، فقد أوقعت مئات من القتلى وآلاف الجرحى وشردت أكثر من مليون لبناني من قراهم ومدنهم. وكانت المشاهد التي رآها، والتقارير التي سمعها أكثر من مليار من سكان العالم على شاشات التليفزيون، من المأساوية بحيث تحركت المظاهرات الصاخبة احتجاجاً على ما يحدث في لبنان في كل العواصم الغربية ـ من لندن وباريس وروما وبرلين. إلى واشنطون ومونتريال وطوكيو. وقد شاركت شخصياً في مظاهرة لندن يوم السبت 22 يونيو، التي استمرت أربع ساعات، بدأت مسيرتها من ضفاف نهر التيمز، مروراً بمبنى البرلمان في وستمينسر، وانتهاء بمنتزه هايدبارك الشهير، وحيث ألقى عدد من أعضاء مجلس العموم والشخصيات العامة كلمات التضامن مع الشعبيين اللبناني والفلسطيني، والتنديد بكل من الرئيس الأمريكي جورج بوش والبريطاني توني بلير.

وكان واضحاً من الهتافات والنداءات واللافتات أن التركيز كان على جورج بوش، وإشارة هنا وهناك لتوني بلير، بينما ندرت الإشارة إلى أيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي، رغم أنه هو الذي أعلن الحرب وأمر بالغارات من الجو والبحر والبر. كما أن صور جورج بوش هي التي أحرقت أو ديست على الأرض، أو مرغت في الوحل بعد أن أمطرت الدنيا لعدة دقائق أثناء المظاهرة، ثم سمعت متظاهراً يهتف بسقوط "الأمريكي القبيح"، وردد المتظاهرون الآخرون نفس الهتاف. ومع دوي هتاف
 سقوط الأمريكي القبيح، عادت بي الذاكرة من منتزه هايدبارك ونحن مع آلاف العرب والإنجليز في حماية البوليس البريطاني، أربعة وعشرين عاماً وأسبوعين إلى ساحة الجامع الأزهر، حيث خرجنا، بعد صلاة الجمعة، في مظاهرة احتجاجية للتنديد بالاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في يونيه 1982. ولم تكد المظاهرة تتحرك خمسين متراً، حتى دهمتها قوات الأمن المركزي المصرية، من ثلاث جهات، وأعملت فينا عصيها ضرباً مبرحاً، بلا شفقة أو رحمة بالشيوخ من المتظاهرين. وأذكر من بين هؤلاء على الأرض في ذلك اليوم من شهر يونيه عام 1982، المرحوم فتحي رضوان، والمهندس إبراهيم شكري. كنت في ذلك الوقت الأصغر عمراً، والأقوى بنية، فساعدت الشيخين على النهوض، وتوسلت لجنود الأمن المركزي أن يكفوا عن إيذاء كبار السن من أمثال آبائهم وأجدادهم. ودفعت بالشيخين إلى أقرب باب مفتوح في ميدان الأزهر، حماية لهما من قسوة جنود الأمن المركزي الذين لا يفهمون إلا تنفيذ الأوامر.

وأذكر أن صاحب المحل الذي لجأنا إليه، وأظنه كان ترزياً أو مكوجياً، سارع بإحضار كرسيين لإجلاس الشيخين وكوبين من الماء المثلج لهما، حيث كان اليوم حاراً والرجلان يتصببان عرقاً. وما أن التقط الشيخان أنفاسهما، حتى انفجر أحدهما، وهو الأستاذ فتحي رضوان باكياً، وبصوت مسموع. 

وليس هناك ما هو أكثر إيلاماً من رؤية شيخ عجوز يبكي. وتصورت في البداية أن مصاباً جسدياً وقع له نتيجة الضرب أو الوقوع على الأرض، مما يستدعي الإسعاف أو استدعاء طبيب. ولكن الرجل أشاح بيده أن جسمه بخير، وهو فقط يبكي من شدة الألم النفسي. وما زلت أذكر كلماته والتي ظلت تتردد في أسماعي كما لو كانت وقت كتابة هذه السطور. قال فتحي رضوان: "لقد جاوزت الثمانين من عمري... قضيت نصفها الأول في عهد الاحتلال الإنجليزي، والعهد الملكي، وقضيت نصفها الثاني في عهد عبد الناصر والسادات. وهذه السنة الأولى في عهد مبارك. وقد خرجت في عشرات المظاهرات في تلك العهود المتعاقبة... ولكني لم أهان ولم أذل كما حدث لي اليوم... ولماذا؟ لو كنا نتظاهر ضد مبارك لفهمت... ولكنا فقط نتظاهر ضد إسرائيل التي تقتل شعبين عربيين في لبنان، وليس لهما من مغيث بين عشرين نظاماً عربياً حاكماً... وأكبرهم هنا في مصر... لا يستأسد إلا على مواطنيه العزلاء، حتى لو كانوا شيوخاً مثلي وإبراهيم شكري... حتى جنود الاحتلال الإنجليزي الذين طالما تظاهرت ضدهم وهتفت بسقوطهم وقذفناهم بالحجارة، ونحن صبية وشباب أقوياء، لم يعاملونا بمثل هذه القسوة والبشاعة... إن هذا ما يبكيني يا ابني". طيبت خاطر الشيخين، وأخذت رقمي هاتفيهما مع وعد بمواصلة متابعة ما يحدث على الساحة اللبنانية خصوصاً والعربية عموماً. وانفض  جمعنا، كل إلى حاله.

فوجأنا يوم الأحد التالي بمظاهرتين حاشدتين. أولهما في تل أبيب، وكان قوامها نصف مليون إسرائيلي يحتجون على حكومتهم الإسرائيلية بسبب غزوها للجارة المسالمة لبنان. شاهدنا، كما شاهد غيرنا في العالم كله على شاشات التليفزيون تلك المظاهرة تجوب تل أبيب في حراسة البوليس الإسرائيلي، الذي كان يوقف لها المرور عند تقاطع الشوارع الرئيسية. وفي أول اتصال بالأستاذ فتحي رضوان، بادرني بالسؤال عما كنت قد شاهدت صور تلك المظاهرات، فقلت نعم. فسألني عما إذا كنت قد شاهدت مظاهرة الجزائر، التي وقعت مساء نفس اليوم. ولم أكن قد فعلت. فقال الشيخ مداعباً: "فاتك نصف عمرك... فقد كانت مظاهرة مليونية، أي ضعف حجم مظاهرة تل أبيب... فعلقت بفرحة ساذجة "هذا رائع... أخيراً سمح نظام عربي حاكم لجماهير شعبه بالتعبير عن التضامن مع الشعبين اللبناني والفلسطيني" فقال الشيخ متسائلاً أو مستنكفاً: "لماذا أنت دائماً حسن الظن؟ إن مظاهرة الجزائر لم تكن لا ضد إسرائيل ولا ضد أمريكا... لقد كانت ضد بلجيكا.. أو بتعبير أدق ضد الحكم البلجيكي في مباراة خسرتها الجزائر في المونديال... (مونديال 1982 ).

كان صيف 1982 سلسلة متصلة من المآسي والأحزان. فبعد اجتياح جنوب لبنان، وإجبار مقاتلي منظمة التحرير على الانسحاب من قواعدهم في الشريط الحدودي، ومنطقة العرقوب التي كانوا يشنون منها هجماتهم على شمال إسرائيل، قررت هذه الأخيرة أن تتعقبهم في كل مواقعهم الأخرى، بما في ذلك العاصمة اللبنانية بيروت. فقصفوها من الجو والبحر. ثم حاصروها، ودكوا مواقع منظمة التحرير لمدة 88 يوماً متعاقبة. وهنا شعر اللبنانيون، أو على الأقل الأعلى صوتاً بينهم، أن احتضانهم للمقاومة الفلسطينية طوال الخمسة عشر سنة السابقة قد جلب على لبنان هجمات إسرائيلية انتقامية، وصلت إلى ذروتها بالاجتياح وحصار بيروت. وبدأت  قيادة منظمة التحرير تشعر بأن القوى العربية الإسلامية السنية تضيق بها ذرعاً. وفي نفس الوقت رفضت الولايات المتحدة كل نداءات وقف إطلاق النار، إلا إذا استجابت لبنان وطلبت مغادرة المقاتلين الفلسطينيين من أراضيها، وإلا إذا رضخت منظمة التحرير وانسحبت من لبنان. وسعىالرئيس رونالد ريجان لتدبير السفن والناقلات لإخراج المقاتلين إلى بلدان عربية أخرى، والتي وافقت على استضافتهم مؤقتاً، وهي تونس واليمن الجنوبية والجزائر والسودان. وكان مشهد رحيل الفدائيين، وهم على البواخر مبحرين من بيروت عنواناً لهزيمة عربية جديدة، لا تقل عن الخروج الفلسطيني الأول عام 1948، وهزيمة 1967، والخروج من عمان فيما سمي بأيلول الأسود عام 1970 .

ولم يكن هذا الخروج الفلسطيني هو آخر مآسي الصيف الحزين. ففي خلال أيام من خروج المقاتلين بسلاحهم من المخيمات الفلسطينية في ضواحي بيروت فإذا بمخيمين منها هما "صبرا" و"شاتيلا" يتم محاصرتهما بتواطؤ بين القوات الإسرائيلية التي كانت قد سيطرت على بيروت بالفعل، والميلشيات المارونية لحزب الكتائب اليميني، التي أعملت في سكانه العزّل مذبحة مروعة تجاوز عدد ضحاياها عدة آلاف من النساء والأطفال والشيوخ. وكان شعار المذبحة "لا للغرباء ... فليخرج الغرباء... والإبادة للغرباء". وكان أريل شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي، هو مهندس الاجتياح، وهو الموحي لحزب الكتائب وراعي هذه المذبحة. وكان ضمن المخطط أن تتم المذبحة بالسلاح الأبيض وفي تكتم إعلامي شديد ولكن صحفية يسارية إسرائيلية اكتشفت وأذاعت تفاصيل ما حدث في صبرا وشاتيلا. وثارت ثائرة الرأي العام الإسرائيلي، ثم الرأي العام العالمي. وأضطر الكنيست الإسرائيلي أن يكوّن لجنة تحقيق استقصت ما حدث، وطالبت بعزل أريل شارون، وعدم إسناد أي
  نصب عام له لعشر سنوات على الأقل.

في كل مسلسل صيف 1982، ظل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان راعياً ومسانداً لإسرائيل بالمال والسلاح والحماية الدبلوماسية. فاستخدمت أمريكا حق الفيتو في مجلس الأمن عدة مرات لمنع قرار بوقف إطلاق النار في بداية الغزو، ثم مرة أخرى لمنع إدانة الغزو، وثالثة لمنع صدور قرار بانسحاب قوات الغزو، ثم أخيراً لمنع قرار بإدانة إسرائيل لدورها في مذبحة صبرا وشاتيلا، حتى بعد أن أقرت لجنة تحقيق إسرائيلية هذه المسئولية وأدانت أريل شارون عن دوره المتواطئ فيها، على نحو ما أشرنا، أعلاه لذلك كتبنا في حينه (1982) سلسلة مقالات نشرتها الأهرام والجمهورية بعنوان "الأمريكي القبيح" في إشارة صريحة للرئيس الأمريكي رونالد ريجان. لذلك حينما رأيت في مظاهرة لندن من يحمل لافتة عليها صورة الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش، وتحتها عبارة "الأمريكي القبيح". تذكرت كل ما حدث قبل 24 عاماً. ويكاد بوش يقلد ريجان في كل شيء. فهو الذي يشجع ويرعى ويساند إسرائيل، بالمال والسلاح والقنابل الذكية الموجهة بأشعة الليزر. وكما حمى ريجان إسرائيل من قرارات مجلس الأمن عام 1982 إلى أن حققت أغراضها باقتلاع المقاومة الفلسطينية من لبنان، فكذلك يفعل بوش، على أمل تحقيق هدف مشابه، وهو اقتلاع مقاتلي حزب الله اللبناني من الجنوب المتاخم لإسرائيل وتجريده من سلاح المقاومة. فما أشبه اليوم بالبارحة. ولكن ما يقرب من ربع قرن يفصل بين المشهدين. وكما يقول الفيلسوف الألماني هيجل، أن التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا بدى كذلك، فاحذروا، لأنه في المرة الأولى يكون حقيقة وفي المرة الثانية يكون وهم كاذب". وهنا مأساة من هو أقبح من الأمريكي القبيح. فإلى مقال قادم

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية