هذه هي المرة الثانية خلال أقل من عام، التي أكتب فيها عن القضاء
والقضاة في مصر المحروسة فهم لأول مرة ه خلال مائة وسبع سنوات، هي
عمر المؤسسة القضائية في ظل النظام القانوني الحديث، الذي يخرج فيه
القضاة عن صمتهم التقليدي، ليقولوا علناً للرأي العام والمجتمع أنه
قد نفذ صبرهم حيال النظام الحاكم، أي السلطة التنفيذية. وهم حينما
يفعلون ذلك فهم في الواقع يستغيثون بكل من يهمهم الأمر من شعبهم
الطيب ومن قواه الحية، للتضامن معهم في سعيهم لاستعادة استقلالهم،
الذي جارت عليه السلطة التنفيذية على امتداد نصف قرن، أي منذ بداية
الحكم التسلطي في خمسينات القرن الماضي. وهذا المقال بدوره هو نداء
لدعم القضاة، الذين أعلنوا من خلال ناديهم أنهم سيقومون بوقفة
احتجاجية يوم 9 مارس الجاري.
فما هو جوهر ما يطالب به القضاة؟
باختصار يطالبون بالاستقلال التام للسلطة القضائية فعلياً لا اسمياً.
فالدستور الحالي، كما كل الدساتير المصرية منذ 1923 ينص على الفصل
بين السلطات الثلاث ـ التنفيذية والتشريعية والقضائية ـ وعلى حكم
القانون.
ولكن واقع الحال هو أن السلطة التنفيذية تغولت، أي توحشت، وانتعلت
السلطة التشريعية، بشكل يكاد يكون تاماً فأصبح مجلس الشعب، أي
السلطة التشريعية مجرد تابع ذليل للسلطة التنفيذية، حيث تنازل لها،
ممثلة في رئيس الجمهورية، عن معظم سلطاته وفوّضه حقوقاً ما كان
يحلم بها ولا يتمتع بها رئيس جمهورية آخر في العالم، ومنها حق
إصدار القوانين وتوقيع المعاهدات والاتفاقيات، وعقد الصفقات مع
أطراف أجنبية، بدون الرجوع إلى المجلس أو الخضوع للمراقبة أو
المحاسبة. وأصبح مجلس الشعب مجرد "بصمجي" على أي قوانين تريدها
الرئاسة. ومن أخطر الأمثلة على ذلك التفويض في عقد صفقات السلاح.
وبما أن مصر تشتري هذا السلاح من دول غربية ديمقراطية، فإن الطرف
الأجنبي يعرف تفاصيل ما يتعاقد عليه، ومن حق أي مواطن أن يطلب
معرفة هذه التفاصيل بحكم القانون الذي ينص على الشفافية وحق
المواطنين في المعرفة، وطبعاً يخضع كل ذلك لأجهزة الرقابة في بلدهم،
وعلى رأسها برلمانات تلك البلدان الديمقراطية. أما نحن مواطنوا مصر
المحروسة فلا نعلم شيئاً عن تفاصيل هذه الصفقات، بدعوى الحفاظ على
"أسرار" قد يؤدي تسربها إلى الإضرار "بالأمن القومي" وبينما تمتلئ
الصحافة الأجنبية بكل أسرار هذه الصفقات، إلا أنها محجوبة عن
المصريين أنفسهم. وهكذا أصبحت صفقات السلاح وصفقات نقله أحد أبواب
الفساد الذي تسللت منه مليارات الدولارات طوال الربع قرن الذي حكم
فيه آل مبارك، حيث لا رقيب ولا حسيب.
وكذلك حاولت نفس السلطة التنفيذية أن تخترق وتسيطر وتفسد وتهمين
على السلطة القضائية. ولما كانت هذه الأخيرة تملك من البداية
حصانات داخلية، بحكم تراث وتقاليد عريقين، فقد التفت السلطة
التنفيذية على ذلك بخلق أنظمة قضائية موازية ـ مثل القضاء العسكري
والقضاء الاستثنائي وقضاء "الطوارئ"، وقضاء "القيم"، والقضاء "الاشتراكي"،
وهي أنظمة لا تخضع محاكمها لمعايير المحاكمات العادلة المعترف بها
تاريخياً ودولياً. وأجزلت السلطة التنفيذية لقضاة ونيابة هذه
المحاكم الموازية العطاء والمكافآت، وجعلت لها اختصاصات من يريد
النظام الحاكم التنكيل بهم أو التستر عليهم بشكل تبدو عليه "شرعية
قانونية مصطنعة". كذلك استخدمت السلطة التنفيذية أسلوب "الانتدابات"
للتفرقة والتمايز بين القضاة. فمن تصطفيهم لأعمال ومهام خارج منصة
القضاء، كمستشارين للوزراء والشركات، والإعارة للخارج، يحصلون عادة
على أضعاف ما يحصل عليه زملائهم الذين يبقون على المنصة من مزايا
عينية ومخصصات مالية. وكذلك يتم اختيار المحافظين من بينهم دورياً.
ولأن القضاة بشر في النهاية، فإن أطراف كتلتهم الصلبة استجابت
للغواية والإغراء اللذان يتمان بشكل "رسمي محترم"!.
كما كان من آليات الالتفاف والاختراق خلق هيئات موازية لما كان
يحفظ للقضاة استقلالهم ووقارهم وكرامتهم. فقد كان لهم "مجلس القضاء
الأعلى" الذي ينظم شئونهم الإدارية ـ من ترقيات وتنقلات وتفتيش على
الأداء. فتم استحداث "المجلس الأعلى للهيئات القضائية"، الذي ضم
هيئات أخرى مثل مجلس الدولة، والقضاء الإداري، وقضايا الحكومة،
ويرأسه رئيس الجمهورية. وكان الغرض إضعاف وتمييع الاستقلال المعنوي
لمجلس "القضاء الأعلى" الذي يرأسه كبير القضاة الطبيعيين، وهو رئيس
محكمة النقض، أي قاضي القضاة، والذي يتغير بالتقاعد أو الاستقالة
أو الوفاة. أما المجلس الأعلى للهيئات القضائية فظل يرأسه حسني
مبارك منذ استحداثه.
ومنذ أواخر الثمانينات والقضاة، من خلال ناديهم المستقل والذي لم
يتم اختراقه بعد، يجاهدون من أجل استعادة الاستقلال الكامل للسلطة
القضائية، بتنقيتها من كل ما علق بجسمها وكتلتها الصلبة من شوائب.
فأعدوا مشروع قانون يحقق لهم ولمصر ذلك. وعرض المشروع في شفافية
وعلانية تامة على جمهرة القضاة من كل الأجيال، من شبابهم وكهولهم
وشيوخهم، للتداول والنقاش. وصوتت عليه الجمعيات العمومية لأنديتهم
في كل المحافظات، ثم أقرته جمعيتهم العمومية منذ ما يقرب من خمسة
عشر عاماً. ووعد وزير العدل (وهو جزء من السلطة التنفيذية) أن يحيل
مشروع القانون إلى مجلس الشعب آنذاك. وتغير وزير العدل، كما تغير
مجلس الشعب ثلاث مرات، وما زال مشروع قانون استقلال السلطة
القضائية، الذي أعده وأقره القضاة أنفسهم، حبيس أدراج وزير العدل.
ولما اشتدت صيحات القضاة على غير عادتهم، وسمعها الرأي العام
ومنظمات المجتمع المدني، وعد الرئيس محمد حسني مبارك، أثناء حملة
إعادة انتخابه الخامسة، في سبتمبر 2005، أن يحقق للقضاة ما يطالبون
به من استعادة الاستقلال الكامل.
ولكن يبدو أن وعد مبارك للقضاة، مثل وعده للصحفيين، ومثل بقية
وعوده للشعب يتم نسيانها أو تمييعها أو الحنث بها، أو حتى عقاب
رموز ما أعطيت لهم هذه الوعود. وقد رأينا ورأى العالم معنا ثلاثة
أمثلة في الشهر الماضي (فبراير 2006) لهذا الحنث والتراجع الهجوم
المضاد والمباغت. المثال الأول حول دعم مسيرة التحول الديمقراطي،
تراجع الرئيس فيها بتمرير قانون لتأجيل الانتخابات المحلية، التي
كان مقرر لها أبريل 2006، لمدة سنتين، أي إلى أبريل 2008. والوعد
الثاني، والذي قطعه الرجل على نفسه في عيد الصحفيين منذ سنتين (23
فبراير 2004) بإلغاء عقوبة حبس الصحفيين، ولم يعتمد القانون الخاص
بذلك، بل وفي نفس الذكرى الثانية للوعد المباركي، قضت أحد المحاكم
بحبس واحد من ألمع الصحفيين الشبان، وهو عبد الناصر الزهيري،
بالحبس سنة في جنحة سب وقذف في حق وزير الإسكان السابق محمد
إبراهيم سليمان. أما المثال الثالث فهو الخاص بالقضاة. فبدلاً من
الوفاء بالوعد الذي قطعه على نفسه بتحقيق استقلال القضاء، فإذا به
يحيل أربعة من كبار قضاة محكمة النقض إلى التحقيق أمام النائب
العام بتهمة لا يصدق أحد في بر مصر أن مثل هؤلاء العمالقة يمكن أن
يتعمدوا ارتكابها. ولكنه الترويع والتنكيل والسلام.
ولأن موضوع مقالنا ينصبّ على محنة القضاة والقضاء في مصر المحروسة،
فلا بد من الإشارة إلى ما يبيته نظام آل مبارك. فقد ادعى وزير عدله
أن التلكؤ في إقرار قانون استقلال السلطة القضائية هو أن هناك
مشروع قانوني آخر لذلك الغرض، وتتكتم عليه الحكومة، إلى أن يحال
إلى مجلس الشعب. أما لماذا التكتم والسرية في شأن عام، حول أحد
مؤسسات المجتمع والدولة التي من أهم خصائصها الشفافية والعلانية،
فالله وحده وربما وزير العدل يعلمان. وقال الوزير في تبرير هذا
التكتيم إلى أن الأمر في يد مجلس القضاء الأعلى، وكأنه بذلك يريد
الوقيعة بين هذا الأخير ونادي القضاة. وقد تنبه لذلك المستشار
زكريا عبد العزيز، رئيس نادي القضاة. فكتب لزميله المستشار فتحي
خليفة، رئيس محكمة النقض ورئيس مجلس القضاء الأعلى، يرجوه أن يرسل
أو ينشر على الملأ مشروع القانون الذي تنوي الحكومة إرساله إلى
مجلس الشعب كبديل لمشروع نادي القضاة، وحتى لا تحدث أزمة تعرقل
الهدف المبتغى، الذي يتطلع إليه القضاة ومعهم الشعب كله، الذي
يعتبر القضاء ضمير الأمة.
إنني مدين للمستشار فتحي خليفة ولمحكمة النقض بالحرية التي مكنتني
من كتابة هذا المقال. ففي مثل هذا الوقت من ثلاثة أعوام أصدرت تلك
المحكمة الموقرة برئاسته حكماً ببراءتي وبراءة سبع وعشرون من
زملائي الباحثين في مركز ابن خلدون من كل ما وجهه إلينا نظام مبارك
من اتهامات ملفقة.
ويعتبر كثير من خبراء القانون داخل مصر وفي الخارج أن هذا الحكم
وحيثياته المستفيضة (35 صفحة) كان أحد العلامات الفارقة في تاريخ
القضاء المصري. فبقدر ما كان تبرئة لي ولزملائي في مركز ابن خلدون،
فقد كان إدانة صريحة للسلطة التنفيذية ولمؤسسة الرئاسة على تغولها
على السلطتين التشريعية والقضائية. لقد كانت حيثيات الحكم قطعة من
الأدب القانوني الرفيع، الذي أعاد للقضاء المصري بعضاً من مجده
التليد، وأحيي في النفوس ذكرى عمالقته من عبد العزيز فهمي إلى وجدي
عبد الصمد إلى يحي الرفاعي.
لذلك أتوجه إلى المستشار فتحي خليفة بهذا النداء لكي يستجيب لنداء
زميله المستشار زكريا عبد العزيز، لكي يتبادلا الرأي، ويتداولا في
شأن المشروعين، لعل وعسى أن يصلا إلى صيغة توفيقية تحقق المراد
لقضاء مصر، وتعيد الاطمئنان والسكينة لقلوب الأمة. وما خاب من
استشار، يا حضرتي المستشارين الجليلين.