مقالات د. سعد الدين إبراهيم

كأنك يا أبو زيد "سيوة" ما غزوت!

            الواحة المقصودة هنا هي واحة "سيوة"، جنة الصحراء الغربية. وأبو زيد  المقصود هنا هو د. محمود أبو زيد، وزير الري. والإفساد هنا هو الإخلال "بالتوازن البيئي"، الذي حفظ للواحة أحلى مياه الأرض، وأخصب تينها وزيتونها ونخيلها، منذ دبت الحياة الإنسانية على ظهر الأرض.

            فكيف حدث ذلك؟

            بداية لا بد من تعريف القارئ بواحة سيوة، التي تقع في عمق الصحراء الغربية، على بعد ثلاثمائة كيلومتر من شاطئ البحر الأبيض المتوسط، جنوب غرب مرسى مطروح، وعلى بعد خمسين كيلومتر من الحدود المصرية ـ الليبية، وبموازاة واحة جغبوب على الجانب الليبي.

            مساحة الواحة حوالي 20 كيلومتر مربع، يعيش عليها في الوقت الحاضر خمسة وعشرون ألف إنساناً، في عدة قرى، ينتمون إلى إحدى عشر قبيلة، لهم جميعاً لغتهم السيوية المشتركة، والتي هي أحد فروع "الأمازيغية"، لغة "البربر"، المنتشرون غرب مصر، جنوب ليبيا وتونس والجزائر، والمغرب، وموريتانيا.

            ورغم هذه الصلة اللغوية بأمازيغ شمال أفريقيا، إلا أن السيويين ظلوا في عزلة ثقافية واجتماعية عن كل التجمعات البشرية المحيطة، حيث كانت الصحراوات القاحلة من حول الواحة بمثابة حاجز طبيعي يحميهم من ناحية ويعزلهم من ناحية أخرى. لذلك كانت مغامرة اقتحام حواجز الرمال هذه مغامرة أسطورية لم يحاولها إلا قلائل من البشر من غير أبناء سيوة. لذلك يعرف أبناء الواحة بالاسم كل من نجح في هذه المغامرة، ما بين ألف سنة قبل الميلاد، أحد فراعنة الأسرة الثلاثين، إلى الإسكندر الأكبر، الدكتور أحمد فخري، وأبو الجيولوجيين المصريين والعرب الدكتور رشدي سعيد، إلى حامي البيئة د. منير نعمة الله.

            ويذكر السيويون في هذا التاريخ الشفوي الطويل كل من أحسن وكل من أساء إلى واحتهم وإليهم. فهم يذكرون، مثلاً، أن محمد علي باشا الكبير، في عشرينات القرن التاسع عشر، هو الذي ضم سيوة إلى مصر، وأحل الأمن والنظام فيها، بعد ثلاثين عاماً من الفوضى والعنف الذي عصف بسلامها وأمنها في أعقاب رحيل أقوى حكامها المحليين وهو "عبد الله الباغي".

            وهم يذكرون أيضاً أحد الضباط الأحرار، المقدم احمد جمال الدين المسيري، الذي أرسله عبد الناصر إلى سيوة عام 1954، ففتح المدارس، وزود الواحة الأولى لأول مرة بالكهرباء، التي أطلق عليها السيويون "نور المسيري". وكانت المدارس هذه هي التي علّمت السيويين اللغة العربية، التي لم يكونوا يعرفون منها إلا كلمات الصلاة، أو ما يحفظه بعضهم من آيات القرآن الكريم. ومنذ ذلك الوقت واللغة العربية هي اللغة الثانية، بعد السيوية الشفوية لأبناء الواحة. فمع "نور المسيري"، جاء الراديو لـ صوت العرب، ثم دار سينما رأوا فيها الأفلام لأول مرة.

            يذكر السيويون أيضاً باعتزاز وحب الرئيس الراحل أنور السادات الذي كان أول وآخر مسئول مصري كبير، منذ الملك احمد فؤاد، يزور سيوة. ويذكرون للرئيس السادات، أنه هو الذي خصص عشرة منح سنوية في كل جامعة مصرية لأبناء سيوة، للدراسة في أي فرع يختارونه، وهو الذي خصص أيضاً إسعافاً جوياً لنقل المرضى إلى مرسى مطروح في حالات الطوارئ.

            ولا يكف أهل سيوة حالياً عن الإشادة بالدكتور المهندس منير نعمة الله، الذي استحدث لهم ولواحتهم نوعاً جديداً من السياحة البيئية (إيكوتورزم Ecotourism)، أو التي جلبت للواحة آلاف السياح من عشاق الصحراء من كل أنحاء العالم ـ من اليابان إلى كندا وأمريكا اللاتينية مروراً بأوروبا والولايات المتحدة.

            وسر إشادتهم بالدكتور نعمة الله هو أنه يحترم بيئة الواحة وتقاليد وأسلوب حياة وثقافة سيوة. ويعتبر حماية هذا التراث السيوي الأصيل هو أهم موارد الواحة بل هو يمثل أهم كنوزها. ولذلك أطلق على أكبر الفنادق التي أنشأها هناك اسم "كنوز". وهو يوجه السياح والزائرين إلى سيوة كيفية الاستمتاع بجوانب الحياة والرياضات الصحراوية والمائية في الواحة دون الإضرار بالبيئة أو تشويه الثقافة المحلية. والمدهش أن الجميع يلتزمون، بما في ذلك الوافدون من القاهرة، بكل ما يعيشونه من فوضى وتلوث ماء وهواء وضوضاء!. وقد فتحت هذه السياحة البيئية أبواب الرزق ووفرت فرص العمل للآلاف من أبناء وبنات سيوة.

            وكما لا يكف أبناء سيوة عن الإشادة بمن أحسن لواحتهم ـ من الإسكندر الأكبر إلى منير نعمة الله ـ فإنهم أيضاً يذكرون من أساء إلى واحتهم على مر التاريخ. وكان آخر هؤلاء هو وزارة الري والموارد المائية. فسبب حرص وزير الري ومسئولو وزارته على تعظيم الموارد المائية وتوسيع الرقعة الزراعية، فإنهم تحمسوا لحفر آبار جديدة في السنوات العشر الأخيرة. فقفز عدد آبار واحة سيوة من مائة بئر وعيون طبيعية إلى ألف بئر. وصحيح أن ذلك الجهد قد ضاعف كمية المياه خمس مرات، وتوسعت الرقعة الزراعية، ولكن الغريب أن العائد المحصولي لم يزد بنفس المعدل. بل في بعض أنحاء الواحة بدأ العائد المحصولي يتناقص. فلماذا؟

            نسي عباقرة وزارة الري، والذين على ما يبدو لم يستعينوا بعلماء وخبراء الجيولوجيا المشهود لهم مصرياً وعالمياً، مثل رشدي سعيد وفاروق الباز، قبل أن يندفعوا إلى حفر تلك الآبار الجديدة، فقد كان كل ما يهمهم أن يزيد عدد هذه الآبار سنة بعد أخرى ـ أي على طريقة البيروقراطية في إظهار معدلات إنجاز أكبر كل عام. وربما كان ذلك أمراً محموداً في أراضي صحراوية أخرى غير سيوة.

            أما سيوة نفسها فهي منخفض، أشبه بقدر صخري أو رخامي، أي أن جوانب القدر شبه صماء، لا تسمح مسامها بتسرب المياه إلى الأعماق أو تبخرها في الجو، بنفس معدلات ضخها من الآبار "الوزارية" الجديدة. والنتيجة هي أن صرف المياه "الوزارية" المتزايدة أصبح مشكلة. وعدم صرفها تسبب في زيادة ملوحة التربة، مما أدى إلى تناقص العائد المحصولي. وحينما اشتكى أهالي سيوة للمسئولين ولكل زائر مثلي، لجأت وزارة الري إلى حل بيروقراطي آخر، وهو جلب حوالي ألف طلمبة، لنزح مياه الصرف التي تتجمع (ولا تتصرف من تلقاء نفسها)، وتقذف بها في بحيرتين مالحتين قديمتين. وبدى ذلك كما لو كان حلاً للمشكلة في السنوات الثلاث الأولى من اللجوء إليه. ولكن البحيرتين القديمتين بدأتا تتسعان، وفاضتا على ما يجاورها من أراضي، حتى أن حجم مسطحاتيهما قد تضاعفا تدريجياً في نفس تلك السنوات الثلاث.

            وهكذا مع كل بئر جديد حفره الوزير محمود أبو زيد في السنوات العشر الأخيرة، اضطر نفس الوزير بعد سبع سنوات إلى جلب طلمبات عملاقة لنزف مياه الصرف العنيدة من الحقول الجديدة على البحيرات الطبيعية القديمة، فبدأت هذه الأخيرة تتسع وتلتهم أراضي زراعية قديمة. فكأنك، كما يقول المثل الفلكلوري الشائع "فكأنك يا أبو زيد ما غزوت"! وانطباق المثل حرفياً على وزير الري (أبو زيد) ربما يكون مصادفة، حيث التقى الواقع والمجاز.

            ولكني أعجب كيف لوزير نابه، وذو سمعة عالمية في شئون "الري"، أن يقع في هذه الهوة العميقة حينما يتعلق الأمر بشئون الصرف؟!.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية