مقالات د. سعد الدين إبراهيم

كاريزما عمرو خالد وخطاب إسلامي جديد

            تحدث الداعية الإسلامي الشاب عمرو خالد لطلبة الجامعة الأمريكية في قاعة الاحتفالات الكبرى، يوم الاثنين 27/3/2006، لأكثر من ساعة، ثم أجاب على أسئلتهم لأكثر من ساعة أخرى. وكان المشهد من بدايته إلى نهايته مهرجاناً شبابياً مفعماً بالحرارة والبهجة والحماس، حتى أن مضمون الرسالة نفسها بدى ثانوياً. إذ أن اللقاء نفسه كان هو الأهم بالنسبة للمتحدث الشاب والمستمعين الشباب. ولولا مضمون الرسالة وما أعرفه عن المتحدث، لقلت أن المشهد كان أشبه بحفلات فريق "البيتلز" في عقدي الستينات والسبعينات. فقد كان حماس وضجيج وصخب الجمهور الذي يصاحب ظهورهم على المسرح أمر غير مسبوق في تاريخ حفلات الموسيقى والطرب في الغرب إلى تاريخه، وإن كان قد أصبح بعد ذلك أمراً معتاداً مع فرق مشابهة في الغرب. ولكن في شرقنا العربي، فإن هذا النوع من الاستقبال الصاخب ظل غير معهود، على حد علمي. وحتى إذا كان شبابنا قد أخذوه عن الغرب  في السنوات الأخيرة، فإن ذلك ظل مقصوراً على حفلات الموسيقى والغناء، وليس في المحاضرات العامة، وخاصة إذا كانت في الجامعات.

            لقد بدى على عمرو خالد الدهشة والفرحة لما قوبل به من حفاوة في الجامعة الأمريكية، التي كان يتحدث فيها للمرة الأولى، وربما يدخلها للمرة الأولى في حياته أيضاً، كما قال في بداية كلمته. فالجامعة الأمريكية ليست أحد قلاع الإيمان الإسلامي، فالذين أسسوها عام 1920 كانوا مبشرين مسيحيون بروتستانت. وكذلك لم يُعرف عن أغلبية طلبة وطالبات الجامعة أن لديهم نزعات دينية. بل إن العكس هو الصحيح. فهذه الجامعة بمناهج تعليمها، وانفتاحها على العالم الخارجي عموماً وعلى الغرب وأمريكا خصوصاً، تعطي طلابها جرعات كبيرة من التفكير النقدي الدنيوي، الذي يخضع أمور الأديان كلها، وكذلك الفكر الميتافيزيقي للمسائلة والشك، واللذان ينتهيان عند معظم الشباب إما برفض الدين أو تحجيمه في أضيق حدود الحياة.

            ولكن الشاهد أن شيئاً تغير في السنوات الأخيرة، حتى في الجامعة الأمريكية، التي قمت بالتدريس فيها لمدة ربع قرن، قبل أن أغيب عنها لعدة سنوات، استضافتني فيها محاكم وسجون حسني مبارك. وأذكر أنه بعد حكم البراءة الذي صدر في حقي وزملائي الخلدونيين من محكمة النقض، أنني توجهت لجامعتي وطلابي وكتبي. ولاحظت لأول مرة أن عدداً ملحوظاً من طالبات الجامعة قد تحجبن. ولما سألت بعضهن ممن كنت أعرفهن جيداً، متى ولماذا تحجبن، سمعت اسم عمرو خالد لأول مرة. وتكرر هذا الأمر عدة مرات. وعلمت منهن وقتها أنهن رأيناه أو استمعنا إليه من خلال التليفزيون. ثم رأيت صوره في الصحف والمجلات، ثم اختفت أخباره وصوره من وسائل إعلام الدولة، وسمعت كما سمع آخرون أنه قد هرب من مصر، بعد أن ضيّقت عليه الأجهزة الأمنية الخناق. وانتشرت الشائعات وتنوعت حول هذا الاختفاء المريب.

            وبعد حوالي عام ونصف من عودتي للحرية، وتجدد أسفاري إلى خارج مصر، كنت أشارك في مؤتمر دولي في خريف عام 2004 واتصل بي في غرفتي بالفندق شاب قدم نفسه على أنه سكرتير السيد/ عمرو خالد، وان الرجل مقيم في نفس الفندق، حيث جاء لنفس المؤتمر، وأنه يرغب في مقابلتي والتعرف بي. ورحبت على الفور، والتقينا على الإفطار صباح اليوم التالي. وكان الرجل بشوشاً، لم تفارق وجهه الابتسامة طوال حديثنا الذي أمتد لحوالي ساعتين، ثم استكملناه في مساء اليوم التالي بعد جلسات المؤتمر، وقبل سفري. وفي هذين اللقاءين تبادلنا الذكريات والخواطر حول مصر والإسلام والديمقراطية والمجتمع المدني والشباب والأجهزة الأمنية في مصر المحروسة. وعرفت منه قصة مغادرته مصر إلى بريطانيا، حيث قرر الإقامة والدراسة إلى أن تنصلح الأحوال، أو بمعنى أدق إلى أن تتركه الأجهزة الأمنية وشأنه.

            فقد حكى أنه بدأ طريق الدعوة الإيمانية في أواخر سنوات دراسته بكلية التجارة بجامعة القاهرة. ولأن كثيرين استحسنوا منهجه وأسلوبه، فقد شجعوه على الاستمرار في الدعوة، بعد تخرجه وممارسته لمهنة المحاسبة. وحيث تضاعف الاستحسان والإقبال على محافل الدعوة، انتقل بنشاطه إلى أحد المساجد الكبرى، في حي الدقي بالجيزة على مقربة من مسكنه ومكتبه. وتوافد المريدون على ذلك المسجد (أسد الفرات). ولاحظت الأجهزة الأمنية أن المريدين يأتون من أحياء أخرى إلى الدقي، ومعظمهم في سيارات توحي بأنهم من طبقات ميسورة. وبدأ الإقبال على دروس عمرو خالد، طبقاً لهذه الأجهزة، يتسبب في "اختناقات مروية" بأحياء الدقي والمهندسين والجيزة، القريبة من مسجد أسد الفرات. لذلك طلبت منه هذه الأجهزة أن ينقل مكان نشاطه إلى خارج القاهرة الكبرى، وحدّودا له "مدينة 6 أكتوبر"، وهي أحد المدن الجديدة، على مسافة 50-70 كيلومتر من القاهرة. وتقبل عمرو خالد اقتراح (أوامر) الأجهزة الأمنية. فكل ما كان يهمه هو أن يواصل الدعوة في أي مكان. ولدهشته وامتعاض الأجهزة الأمنية، وجد المريدون طريقهم إلى مدينة 6 أكتوبر (مسجد الحصري)، هذه المرة وبأعداد تقارب أو تفوق مثيلتها في أسد الفرات!

            وعند هذا الحد، أبلغت نفس الأجهزة عمرو خالد أنه من الأفضل له ولمصر أن يتفرغ لمهنته الأصلية (أي المحاسبة)، وأن هذه الأجهزة تتعهد له بأن يكون لمكتبة حسابات ما لا يقل عن عشر شركات كبري، تضمن له أتعاباً لا تقل عن عدة ملايين من الجنيهات سنوياً. يقول عمرو خالد أنه عند سماع الرسالة الأخيرة أدرك أن دوره كداعية ليس مرحباً أو مرغوباً فيه من أصحاب السلطة والسلطان. وحيث كان مقرراً أن يذهب إلى الإسكندرية، وفاء للقاء بمريديه هناك، غيّر الرجل طريقه، متجهاً إلى لندن، حيث كانت لديه تأشيرة دخول، وحيث له أقارب ومعارف. وبعد أن ركب الطائرة اتصل بمريديه في الإسكندرية للاعتذار عن اللقاء الذي كان قد وعد به، على أمل أن يفي به في وقت لاحق بإذن الله.

            اتفقنا بعد هذا الحديث الممتد أن نظل على اتصال في المستقبل، حيث هناك الكثير الذي يمكن التعاون فيه. ولكن تدافع المشاغل والأحداث لم تمكنا من ذلك ولم أسمع منه إلا بمكالمة هاتفية منذ شهرين، من أمام السفارة الدانمركية في لندن، وكان بصحبة صديق مشترك هو رجل الأعمال صلاح خليل، أحد أمناء مركز ابن خلدون. وكانت هذه المكالمة المفاجأة، هي بسبب محاولة عمرو خالد احتواء غضب المسلمين الذين بدأوا في التجمهر للاحتجاج على الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول، ونشرتها احد الصحف الدانمركية (يولاندز بوسطن). وتشاورنا في الأمر. ونجح عمرو خالد مع آخرين في المحافظة على سلمية المظاهرة أمام السفارة. ثم بدأ مبادرة جريئة، بتكوين وفد من شباب المسلمين من عدة أقطار، وذهب إلى العاصمة الدانمركية كوبنهاجن في أوائل شهر مارس (2006)، حيث تحاوروا مع نظراء لهم من منظمات الشبيبة الدانمركية، بهدف نقل وجهات نظر ومشاعر المسلمين الغاضبة، لامتهان رموز وقيم دينهم. وسمع شباب المسلمين من مضيفيهم الكثير أيضاً عن القيم التي يقدسها الدانمركيون خصوصاً والغربيون عموماً، وفي الصدارة منها "الحرية"، بما فيها حرية التعبير (قولاً، أو كتابة، أو رسماً، أو تظاهراً). ولكن الجانبان اتفقا على أهمية استمرار التواصل والتحاور، واحترام قيم ومقدسات كل جانب. ويتسق مع روح كوبنهاجن هذه، ما قاله عمرو خالد في حديثه بالجامعة.

            لقد كان مضمون حديث عمرو خالد إلى طلبة الجامعة الأمريكية هو ثلاث رسائل أولها عن أهمية أن يكون لكل إنسان هدف أو رسالة في الحياة، تكون بمثابة البوصلة الهادية في مسيرته. والرسالة الثانية عن أهمية تجديد انتماء كل إنسان لجذوره في وطنه وثقافته ودينه. أما الرسالة الثالثة فهي أن يتمسك كل إنسان بالأمل في المستقبل. وكان تعبير عمرو خالد عن كل رسالة، بسيطاً في كلماته، ولكنه قوياً في شحناته الوجدانية. وكان استقبال الألف  طالب الذين اكتظت بهم قاعة إيوارت الشهيرة لكل رسالة مدوياً كما لو كانت كشفاً عظيماً. رغم أنها قد لا تبدو كذلك لقارئ هذا المقال. ولكن عظمة الرسالة هو في إشعاعها، حيث هيئ للجميع أن أضواء خاطفة كانت تغمر القاعة مع انطلاق  كلماتها، وهو ما جعل استقباله آنياً وسلساً، وإلى القلوب قبل العقول. وهذه موهبة ربانية، أطلق عليها عالم الاجتماع الألماني  ماكس فيبر، مصطلح "الكاريزما". ومما لا شك فيه أن عمرو خالد هو قيادة كاريزمية، تحمل لشبابنا خطاباً إسلامياً جديداً، يتجاوز الخطاب التقليدي الجامد، وكذلك يسمو على الخطاب الدموي المتعصب.

            وهناك ما هو أكثر لكاريزما هذا الداعية الشاب. فقد قرن الدعوة الإيمانية بالعمل التنموي، وخاصة من خلال برنامج "صناع الحياة"، والذي استقطب بالفعل عدة ملايين من الشباب المسلم في كل أنحاء العالم. وله موقع على الشبكة الدولية(www.amrkhaled.net) . وبذلك استوعب دعوة عمرو خالد طاقات هذه الملايين قبل أن يستقطبها دعاة الكراهية والغضب، باسم الإسلام، فلوثوا سمعة المسلمين، وشوهوا صورة هذا الدين السماوي العظيم.

والله أعلم.

 

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية