مقالات د. سعد الدين إبراهيم

"موزة" القطرية: من القبيلية إلى الكونية

            الشيخة موزة بنت ناصر المسند، هي قرينة أمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. ومناسبة هذا المقال هي أن هذه المرأة الخليجية، قامت بزيارة قصيرة لمصر، للمشاركة في تدشين مبادرة للجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهي افتتاح "مركز جيرهارت للتكافل الإنساني والمشاركة المدنية". وألقت الشيخة موزة الكلمة الرئيسية في حفل التدشين مساء الاثنين، السادس من مارس 2006، بقاعة إيوارت  الشهيرة، التي امتلأت بمصريين وعرب وأجانب، من الجنسين ومن كل الأعمار. واستمع الجميع إلى كلمتها باهتمام وانبهار. لقد كان حب استطلاعهم عن الشيخة موزة، بقدر اهتمامهم بموضوع المناسبة، أي تدشين المركز الجديد. ولم يخب ظن المئات الذين جاءوا للمشاركة في هذا الحدث المزدوج فرؤية الشيخة موزة والاستماع إليها، كان بالنسبة للقاهريين حدثاً فريداً، وفكرة "مركز جيرهارت للتكافل الإنساني..." هي أيضاً فكرة فريدة، على الأقل بالشكل الذي أخبرنا به القائمون عليه، وهو تشجيع العمل التنموي من خلال الأوقاف الأهلية والمشاركة التطوعية.

            نبدأ بالشيخة موزة. كان انبهار القاهريون ـ مصريون وأجانب ـ بهذه السيدة انبهار بالشكل وبالموضوع. فمن أحاديثهم وهم يغادرون قاعة إيوارت ـ بعد الاحتفال ـ ثم في الأيام التالية، كانت عبارات التعجب تختلط بعبارات الإعجاب: كيف لامرأة خليجية عربية مسلمة أن تكون بهذه الجرأة والفصاحة والحداثة، فضلاً عن إجادتها للعربية والإنجليزية (فقد ألقت كلمتها بالعربية، وأجابت الأسئلة بالإنجليزية. كذلك ظهرت الشيخة موزة أمام الجمهور القاهري في زى أنيق محتشم. فقد كانت سافرة الوجه، وإن غطت جزءاً من رأسها بغلالة رقيقة. وأشاد الذين رأوها واستمعوا إليها "برشاقتها وأناقتها رغم أنها أنجبت خمسة أطفال، وفي رواية أخرى سبعة أطفال!".

            كذلك أمطرني طلابي خلال الأيام التالية بعشرات الأسئلة عن الشيخة، وعن دولة قطر، وعن أمير قطر، وعن قناة الجزيرة، وخاصة أن المواد (المساقات) التي أقوم بتدريسها هذا العام تسمح بذلك (المجتمع العربي، والشرق الأوسط، والحركات الاجتماعية).

            لقد كان الانبهار بالشيخة موزة هو بقدر الصورة النمطية لعرب وبلدان الخليج. وهي صورة نمطية أسهم في تكوينها عرب الشمال، وخاصة من بلاد الشام، وعلى الأخص القوميون العرب منهم، المتحمسون للوحدة العربية. فمن وجهة نظر هؤلاء، وهو ما انعكس في كتاباتهم منذ ستينيات القرن الماضي أن بلدان الخليج لا تعدوا أن تكون "قبائل يحمل كل منها علماً، وتسمى نفسها دولاً". وشاعت في تلك الحقبة تعبيرات مثل "الدولة القبيلية"، ودول الجيب" (أي أن كل منها يمكن وضعه في جيب السترة أو البذلة). ثم حين ظهر النفط، وارتفعت أسعاره بعد حرب أكتوبر (1973)، انتشر أيضاً استخدام مصطلح "الدولة الريعية". وحقيقة الأمر أن هذه الأوصاف والمصطلحات كان كل منها ينطوي على بعض الحقيقة، في بعض الأزمنة، في بعض الأمكنة بامتداد الخليج، وعلى شواطئه العربية.

            من ذلك، مثلاُ، أن البلدان الست، التي يتكون منها مجلس التعاون الخليجي (الذي تأسس عام 1981) قد بدأ كل منها مسيرته في القرون الثلاثة الأخيرة، حول قبيلة أو عشيرة، استطاعت أن تهمين بالقوة أو التفاوض أو التصاهر على ما حولها من قبائل. ثم دخلت معظمها (باستثناء السعودية) في معاهدات دفاعية ـ تصالحية مع القوة الأوربية البحرية، التي استعمرت الهند والصين، وما بينهما (الهند الصينية ـ وجنوب أسيا). وكان يهم هذه الدول الأوربية تأمين الطرق البرية والبحرية المؤدية لهذه المستعمرات. ومن هنا تصالحها، أي مهادنتها، لبلدان الخليج مقابل إعانات سنوية للأسر الحاكمة، والاعتراف بشرعيتها. فلم يكن بتلك البلدان (أو المشيخات) إي ثروات تذكر، تغري الأوروبيين باستغلالها، ومن ثم باحتلالها. فالثروات النفطية لم تظهر، ولم تستغل، إلا في أواسط القرن العشرين. إن تعبير "الدولة القبيلية" كان له ما يبرره، إذن، في وقت من الأوقات. فكل الأسر الحاكمة في بلدان مجلس التعاون الخليجي بدأت كقبائل. ولكن هكذا كانت الأسر الحاكمة طوال التاريخ إلى أن ظهر الشكل الجمهوري في نهاية القرن الثامن عشر بعد الثورتين الأمريكية (1776) والفرنسية (1789). فقد بدأت الإمبراطورية العثمانية بقبيلة آل عثمان، التي أتت من أواسط أسيا في القرن الخامس عشر. وكذلك كان الحال في الإمبراطورية النمساوية (قبيلة الهابسبرج) والفرنسية (البربون) والبريطانية (آل ستيورات). أي أن البداية القبيلية كانت الشكل الأكثر شيوعاً في التاريخ. ولكن القوميون العرب المشارقة كانوا يمعنون في التركيز على الأصل القبلي لبلدان الخليج للتشهير ونزع "الشرعية" عنها، اعتقاداً منهم أن ذلك سيعجّل بزوالها، لتحقيق "وحدة عربية اندماجية". وهو ما ثبت بعد ذلك انه تصور ساذج، لم يتحقق  منه شيء على الإطلاق.  

            أما الضفة الأخرى التي ألصقت ببلدان الخليج، ومنها قطر، فهو أنها "دولة ريعية" (Renter states) ومعناها أنها بلدان تعتمد في بقائها وحياتها ورفاهيتها على "ريع" (أو إيجار) مصدر من مصادر الثروة الطبيعية ـ مثل النفط من آبار البترول أو الغاز الطبيعي من حقوله تحت الأرض أو في أعماق البحر. ومصطلح "الدولة الريعية" شاع استخدامه منذ الطفرة في أسعار النفط في سبعينات القرن العشرين. ومرة أخرى فقد كان المصطلح، رغم دقته العلمية، إلا أنه يستخدم بواسطة كثير من المثقفين العرب على سبيل السخرية والاستهزاء من المجتمعات والحكومات في البلدان الخليجية النفطية.

            ولكن ما علاقة هذا كله بالشيخة موزة، وتدشينها لمركز جيرهارت للتكافل الإنساني والمشاركة المدنية؟

            أولاً، تزوجت الشيخة موزة في أواخر السبعينات من ولي عهد قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأنجبت معظم أطفالها منه، وهي ما زالت طالبة. حيث درست علم الاجتماع في جامعة قطر.

            ثانياً، لأن زوجها، ولي العهد كان قد تلقى بدوره دراساته في أرقى المعاهد العسكرية والجامعية الأوروبية، فإنه وأبناء جيله انفتحوا على العالم، وكانوا يحلمون بتطوير بلدهم الصغير في سكانه، والغني بثرواته من النفط والغاز. ولكن الأمير الوالد، حاكم البلاد الشيخ خليفة آل ثاني كان يرفض كل جديد، وهو ما أدى بهؤلاء الشباب، تحت قيادة الابن حمد، بانقلاب سلمي ضد الوالد، عام 1995. ومنذ ذلك الوقت أصبحت الشيخة موزة هي السيدة الأولى لدولة قطر، والشريكة الأهم للشيخ حمد، الأمير الجديد للبلاد. ومع وزير خارجية نابه، ولا يقل جرأة أو انفتاحاً، وهو الشيخ حمد بن جاسم، ونخبة شابة ذات تعليم عصري، قفزوا بقطر إلى أعلى عليين، في الخليج والوطن العربي والعالم. وأصبحت قناة الجزيرة في عالم الإعلام هي أحد رموز هذه القفزة.

            ثالثاً، كان دور الشيخة موزة في هذه القفزة هي العمل المخطط والدءوب، لتطوير المجتمع من تكويناته القبيلية ـ البدوية المحافظة على تكوينات عصرية متوائمة مع القرن الحادي والعشرين. وكان التحدي أمامها هو أن تفعل ذلك دون التضحية بأعز ما يملك القطريون من أصالة دينهم ولغتهم وتراثهم وتقاليدهم النبيلة. وفي هذا التحدي استحضرت الشيخة كل ما كانت قد تعلمته في علم الاجتماع، وكل ما خبرته علمياً من أسفار وتجارب حول العالم. وشأن بقية النخبة الحاكمة القطرية، لم تتردد الشيخة في الاستعانة بآراء العلماء والحكماء والخبراء من كل العالم وفي شتى الميادين. وأدركت منذ البداية أن مفاتيح تطوير مجتمعها هي المرأة والأسرة والتعليم. فنشطت في كل من هذه المجالات على حدة لعدة سنوات في البداية، ثم جمعت بينها في مؤسسة واحدة في السنوات الخمس الأخيرة ـ وهي "مؤسسة قطر" وهي مؤسسة أهلية غير حكومية، تعتمد على التبرعات الخاصة، التي تشكل وقفية يستخدم عائدها السنوي، في الإنفاق على أوجه نشاطاتها. وراقت الفكرة للشيخ حمد، أمير البلاد، فتبرع للمؤسسة بأحد آبار البترول. وضمن ما استحدثته مؤسسة قطر هو "مدينة علمية" تضم كل فروع العلوم والتكنولوجيا الحديثة. وهي نموذج لما كان يحلم به د. أحمد زويل (صاحب نوبل) ود. فاروق الباز (عالم الفضاء)، وحاولاه دون جدوى في مصر. ولكنهما وجدا من احتضنت ونفذت الفكرة، كما كان يتمنيان. لقد أصبحت المدينة العلمية هذه أحد مراكز التميز العالمية (A world Center of Excellence)، والتي تتطلع الشيخة موزة والقائمون عليها أن تكون في مصاف معهد ماسوشيتس للتكنولوجيا، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (حيث أحمد زويل). وكجزء من هذا التطلع والطموح دعت مؤسسة قطر كل مراكز التميز العالمية لافتتاح فروع مشتركة لها مع مؤسسة قطر، ضمن المدينة العلمية على الأرض القطرية. وقد اشترطت مؤسسة قطر نفس معايير القبول والاختبارات والمناهج التي تأخذ بها مراكز التميز الشريكة في بلدانها الأصلية. وقد فتحت المدينة العلمية أبوابها لبقية شباب الخليج والوطن العربي والعالم الإسلامي، ومجاناً، ماداموا يستوفون شروط القبول. باختصار، تطمح الشيخة موزة والكتيبة التي تعمل معها على أن تعبر قطر إلى الآفاق الكونية للقرن الحادي والعشرين.

            بسبب هذه المآثر الريادية للشيخة موزة بنت ناصر المسند، دعتها الجامعة الأمريكية لتدشين مركز جيرهارت للتكافل الإنساني والمشاركة المدنية. فهو يهدف إلى نفس أهداف مؤسسة قطر. ولنفس هذه المآثر، دعاها كوفي أنان، أمين عام الأمم المتحدة، لتكون ضمن عشرين شخصية عالمية لقيادة مبادرة كونية "لتحالف الحضارات". وهي المرأة العربية الوحيدة ضمن تلك الكوكبة المبهرة. وكان مما ردده من استمعوا إليها في القاهرة "ليت العالم العربي كان فيه عشر موزات". وبالمناسبة تعني "موزة" في اللغة العربية اللؤلؤة الكبيرة!.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية