مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الدستورالمحكمة العليا والقوات المسلحة
السبت 9/9/2006

الدستور هو القانون الأساسي، الذي يعطي المواطنين ضمانات للحفاظ علي حرياتهم وحقوقهم الأساسية. كما أنه يرتب وينظم وظائف المؤسسات العامة، والعلاقات بين السلطات الثلاث ـ القضائية والتشريعية والتنفيذية. وهذه جميعاً أمور مستقرة في البلدان المتحضرة، وبديهية في البلدان الأكثر تقدماً. وبما أن مصر أقل تقدماً فإن الإطار الدستوري للدولة والمجتمع ما زال مشوهاً، وما زال معظم المواطنين قلقين علي حاضرهم ومستقبلهم.

وآية ذلك الجدل المحتدم بين أحزاب المعارضة وقوي المجتمع المدني من ناحية، والحزب الوطني الحاكم من ناحية أخري. فالحديث والتصريحات الرسمية حول تعديلات لمواد بعينها وليس مواد أخري، مع عدم الإفصاح عن مضمون التعديلات فيما قرر الحزب الوطني تعديله، في سرية وغُرف مغلقة، قد أشاع مزيداً من القلق، وضاعف من مخاوف المصريين حول المستقبل.

وهناك فئات ذات مخاوف خاصة أكثر من غيرها حول هذا المستقبل. وأخص منها بالذكر في هذا المقال نساء مصر وأقباطها، ومثقفيها ومبدعيها. وقد تضاعفت مخاوف هذه الفئات بسبب تصاعد التيار الديني المتشدد، والذي يرمز له الإخوان المسلمون في السنوات الأخيرة. أما النظام الحاكم فإنه مشغول بإثارة فزع هذه الفئات في الداخل، وكذلك القوي الخارجية. أو أنه مشغول بالتضييق علي هؤلاء الإخوان، وملاحقتهم، واعتقالهم وراء القضبان. ورغم ذلك فإن هذا التيار الديني يزداد قوة بمرور السنين، مع تفاقم الاستبداد والفساد في مصر المحروسة.
وفي أحد اللقاءات الأسبوعية المفتوحة لرواق مركز ابن خلدون، مساء الثلاثاء ٥/٩/٢٠٠٦، عبّر الكاتب الصحفي القدير حمدي رزق، نائب رئيس تحرير مجلة المصور، عن هذه المخاوف، خاصة في ضوء ما كشفت عنه تصريحات منسوبة لمرشد الإخوان المسلمين، السيد مهدي عاكف، أثناء الأزمة اللبنانية الأخيرة (يوليو - أغسطس ٢٠٠٦). وكان الرجل قد صّرح «بأن الإخوان مستعدون لإرسال عشرة آلاف مقاتل للتطوع، دعماً لمحاربي حزب الله ضد إسرائيل».
وهو ما يعني في نظره:

* أولاً، تكريس «الأممية» (الدولية)، أي انتشار تنظيم الإخوان في أمم وبلدان عديدة، خارج مصر. بل وقيل إن فرع الإخوان في لبنان، وهو «الجماعة الإسلامية»، قد حارب بالفعل في صفوف حزب الله. ونسب الكاتب حمدي رزق إلي أحد القيادات الإخوانية المصرية أن لهم فروعاً في ٧٥ دولة.

* ثانياً، إن الإخوان المسلمين قد أحيوا بالفعل قسم «التربية البدنية»، و«التنظيم الخاص»، وهو الجناح السري المسلح للجماعة. وأن ذلك يتم من خلال المعسكرات الكشفية.

* ثالثاً، إن غرس عقيدة وممارسة السمع والطاعة للمرشد العام، ومن خلاله لهيكل قيادي متسلسل، يجعل من الإخوان تنظيماً عسكرياً موازياً للقوات المسلحة. ولكنه أكثر تسييساً، وامتثالاً لقيادة الإخوان، المعروفة باسم «مكتب الإرشاد».

* رابعاً، إن «مكتب الإرشاد»، يعمل في سرية تامة، ويدير شؤون الجماعة بأسلوب صارم، يبز «اللينينية» التي سادت الأحزاب الشيوعية في القرن الماضي، ومكنتهم رغم عددهم القليل نسبياً، من السيطرة علي السلطة وقلب نظام الحكم في روسيا القيصرية (١٩١٧).


* خامساً، إن الذين ينعون وينتقدون استمرار حسني مبارك رئيساً لمصر، طوال ربع قرن، عليهم أن يدركوا أن الإخوان يتبعون نفس الممارسة، أي احتكار القيادة مدي الحياة. فكما أنه لا يوجد رئيس مصري سابق، لا يوجد «مرشد عام سابق» علي قيد الحياة.

* سادساً، إن هناك خطة مشابهة لتلك التي اتبعها «اللينينيون البلاشفة» في روسيا القيصرية للانقضاض علي السلطة، وهي الخطة التي كشفت عنها قضية «سلسبيل»، حيث فصلت المراحل، والخطوات، والسبل، التي تتيح لهم السيطرة التدريجية علي شؤون المجتمع والدولة، بداية بالتنظيمات النقابية والمهنية، وهو ما يعرف بتعبير «التمكين».

* سابعاً، ضمن هذه السبل والخطوات، ممارسة إصدار «الفتاوي» التي تجيز القتل وسفك الدماء. ومن ذلك ما صّرح به المرشد العام نفسه، بأنه «لولا أن الرؤساء العرب كانوا موحدين لأمر باغتيالهم». وتساءل حمدي رزق عن الصفة التي يصدر بها المرشد هذه الفتاوي والأحكام، وكيف للناس أن تأمن علي حياتها في مصر، لو كانوا من غير المسلمين أو من غير المتدينين، وكيف أن ذلك قد أطلق العنان لفتاوي مماثلة من آخرين مثل الشيخ صفوت حجازي، بقتل اليهود الذين يزورون مصر، حتي لو كان للسياحة.

وأتساءل: ألم تكن مثل هذه الفتاوي هي التي أدت إلي المحاولة الآثمة لاغتيال الأديب الكبير نجيب محفوظ، عام ١٩٩٢.
* ثامناً، أن تفاقم سطوة الجماعة قد تجلي، ليس فقط فيما حصلوا عليه من مقاعد في الانتخابات التشريعية الأخيرة (٨٨ مقعداً)، ولكن أيضاً في مظاهر ثقافية وسلوكية عامة، أدت إلي زيادة الاستقطاب بين المسلمين والأقباط، وجعلت الأقباط يعتصمون بالكنيسة، ولا يشعرون بالأمان إلا في كنفها، وعادوا للأسماء القبطية القديمة، والرموز الدينية علي سياراتهم وفي مكاتبهم ومنازلهم، وهي كلها أمور بدأ بها الإخوان علي الجانب المسلم.

* تاسعاً، إن الاستقطاب الإسلامي ـ المسيحي في داخل مصر يهدد الوحدة الوطنية والشعور المشترك بالانتماء، وينتكس بمشروع الدولة المصرية الحديثة، التي بدأ تشييدها علي يد محمد علي، قبل مائتي عام، والتي جسدتها ثورة ١٩١٩، وشعارها الخالد «الدين لله والوطن للجميع». بل إن حالة الاستقطاب هذه زعزعت التماسك المجتمعي، حيث بدأت فئات عرقية أخري، مثل أبناء النوبة، وأبناء سيناء تطالب بحقوق مكبوتة منذ عقود طويلة.

* عاشراً، إن التنظيم الهرمي ـ العسكري ـ الصارم لجماعة الإخوان المسلمين، لا مكان فيه للمرأة. فلا يوجد لهن أي تمثيل في مكتب الإرشاد، علي امتداد ثمانين عاماً، هي عمر الجماعة.

طبعاً، أشاعت محاضرة حمدي رزق شعوراً بالخوف بين المشاركين في رواق مركز ابن خلدون، وأثارت مناقشات حامية. ولكن رجل الأعمال المهندس حسن الصواف طرح سؤالاً مبكراً، وهو: «حتي علي فرض أن ما ذهب إليه السيد المحاضر هو صحيح تماماً، فما العمل؟ هل المطلوب هو الإبادة الجماعية للإخوان المسلمين، الذين يقال إن عددهم تجاوز المليون، أو كبت أصواتهم، وحرمانهم من حقوقهم الإنسانية، ووضعهم في السجون إلي الأبد؟».


وقد خفض هذا السؤال من سخونة الجدل، و حوّل دفة المناقشات إلي مقترحات أكثر إيجابية. بل وظهر أن بعضها قد خرج إلي النور فعلاً، مثل البلاغ الذي تقدم به «مركز الحوار الإنساني»، للنائب العام ضد السيد مهدي عاكف، للتحقيق معه في تهديده أمام المئات في نقابة المحامين مساء ١٩/٨/٢٠٠٦ بقتل رؤساء الدول العربية لموقفهم المخزي من الحرب في جنوب لبنان.

ولكن الأهم في المدي الأبعد هو الاقتراح الذي أيده معظم الحاضرون بالمطالبة بنص دستوري جديد، وواضح، وقاطع الدلالة يؤكد:
١ـ الطبيعة المدنية للدولة والمجتمع في مصر، والمساواة الكاملة في حقوق المواطنة لكل من يعيش علي أرضها.

٢ـ أن يوكل إلي المحكمة العليا في البلاد والقوات المسلحة المصرية، صيانة وحماية هذه الطبيعة المدنية للمجتمع والدولة.

٣ـ إنه لإعمال هذهالمادة المقترحة خصوصاً ونصوص الدستور عموماً، لابد أن تنص التعديلات الدستورية المقترحة علي الاستقلال الكامل للقضاة، وإشرافه الكلي الشامل علي الانتخابات العامة في مصر.

٤ـ في ضوء (١،٢،٣) أعلاه، يسمح بحرية تكوين الأحزاب السياسية بلا قيود، وفقط بالإخطار للجهات الرسمية المعنية.

وظهر من أجواء النقاش الذي أثاره حمدي رزق أن المشاركين لا يريدون سفك دماء الإخوان المسلمين، ولا حرمانهم من حقوقهم الإنسانية. ولكنهم بنفس القدر لا يريدون للإخوان أن يسفكوا دماء غيرهم أو يحرموهم من حقوقهم. ومن هنا جاء اقتراح المطالبة المزدوجة بحماية من القضاء والقوات المسلحة. فالمحكمة العليا هي التي تقرر ما إذا كان هناك تهديد للطبيعة المدنية للدولة، وبناء علي ذلك يكون من واجب القوات المسلحة التدخل لحماية الدستور، مثلما تتدخل لحماية التراب الوطني، في حالة عدوان خارجي.

وقيل، ضمن ما قيل في هذا الصدد، إن هذا التقليد معمول به في تركيا، وبنص دستوري. وقد تعهدت، كما تعهد حمدي رزق الذي يزاملني بعموده اليومي علي نفس الصفحة في «المصري اليوم»، علي أن نطرح هذا المقترح للنقاش العام، بمناسبة الحديث عن الإصلاح السياسي والدستوري، وقرب انعقاد المؤتمر العام للحزب الوطني الحاكم.
والله أعلم، وهو علي كل شيء قدير.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية