آل مبارك وحرب استنزاف المؤسسة القضائية د. سعد الدين إبراهيم
4/07
في الظروف الطبيعية، تبتهج أي جماعة مهنية، حينما يطالب المجتمع، وتستجيب السلطة المعنية، برفع سن المعاش أو التقاعد. فهذا اعتراف بالتقدير للعاملين في المهنة، والاعتزاز بالدور الذي يقومون به، والرغبة في مزيد من الاستفادة المجتمعية من عطائهم ومهاراتهم وخبراتهم المتراكمة. لذلك لم يستوعب الرأي العام المصري سر مقاومة أغلبية القضاة المصريين، ممثلون في ناديهم العتيد، لمشروع القانون الذي اقترحته السلطة التنفيذية، ممثلة في وزارة العدل والذي يقضي برفع سن الإحالة على المعاش إلى سن السبعين بدلاً من الثامنة والستين. وحقيقة الأمر أن جمهرة القضاة، رأوا في هذا التعديل لقانون سلطتهم، وبلا موافقة الجمعية العمومية لناديهم، تدخلاً سافراً في الشأن القضائي الذي يحرصون أشد الحرص على صيانة استقلاله. ثم أنهم اشتموا من الهرولة في استصدار التعديل، خدمة عدد محدود من القضاة، الذين تعتبرهم السلطة التنفيذية من الموالين لها. وهو أمر يتنافى مع "روح القوانين"، منذ أصّل لذلك الفيلسوف الفرنسي "تشالز مونتيسكيو" في كتابة الأشهر بنفس العنوان (والذي صدر عام 1748)، وفحواه أن القاعدة القانونية الصحيحة، ينبغي أن تتصف بالتجرد والعمومية والموضوعية. أي أن لا يصدر التشريع لخدمة مصلحة شخصية، أو لحفنة من الأفراد، أو لمجرد ظرف طارئ.
ويعتقد القضاة، وبحق أن ما يفعله آل مبارك بهذا التعديل، هو حلقة في سلسلة متصلة من حرب الاستنزاف التي يشنونها على استقلال السلطة القضائية، التي ما تزال هي السلطة الوحيدة الباقية التي تقف في وجه استبدادهم وفسادهم. فقد طوعوا السلطتين الأخرتين (التنفيذية والتشريعية) تماماً لكي تفعلا كل ما يريده أو يأمر به آل مبارك. واستقلال القضاء في أي بلد هو عنوان استقلالها الوطني، وبطاقة عضويتها في المجتمع الدولي ككيان مكتمل السيادة.
لقد كانت أعظم مفاخر العصر الليبرالي في مصر (1923-1952) هو تبلور ونمو المؤسسة القضائية المستقلة. وقد كان دستور 1923 أعظم دساتير مصر على الإطلاق، خلال المأتي سنة الأخيرة. وقد كرّس هذا الدستور الفذ استقلال القضاء، وتوّج ذلك بإنشاء محكمة النقض، كمحكمة عليا، ومرجعية أخيرة في كل المنازعات، سواء بين الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين، أو بينهم وبين الحكومة والدولة.
حتى حينما تعقدت الحياة المصرية المعاصرة، واستلزمت محاكم متخصصة، مثل مجلس الدولةوالقضاء الإداري، فإن نفس تقاليد العصر الليبرالي في استقلال القضاء ظلت هي السائدة. واحترمت الحكومات المتعاقبة خلال ذلك العصر هذا الاستقلال، وحرصت على تنفيذ أحكام القضاء. ونادراً ما حدث انتهاك لحرية أو حقوق الإنسان. حتى أن حوادث تعذيب الإخوان المسلمين في السجون في أواخر العصر الليبرالي (1949-1950)، والتي ارتبطت "بالعسكري الأسود"، كانت من نفحات وزارة الداخلية، بعد أن اغتال أحد الإخوان، رئيس الوزراء وقتها، محمود فهميالنقراشي باشا، في مدخل مبناها بلاظوغلي. مما اعتبرته أجهزة تلك الوزارة امتهاناً لهيبتها، فدخلت في عملية ثأر مع تلك الجماعة، ما زالت مستمرة إلى اليوم. أي حتى تلك البقعة السوداء في أواخر العصر الليبرالي، لم يكن للمؤسسة القضائية شأن بها.
وظل استقلال القضاء ونزاهته محل ثقة المصريين منذ العصر الليبرالي والشعب ينتفض مع القضاة، وفي كل مرة تحاول أي حكومة أن تنال من هذا الاستقلال.
وكانت آخر المشاهد الدرامية لهذا الترابط الشعبي مع القضاة، أثناء "المحاكمة التأديبية" للمستشارين الجليلين هشام البسطويسي ومحمود مكي عام 2006، بعد أن كشفا عن وقائع التزوير في الانتخابات البرلمانية في أواخر عام 2005. وهو المشهد الذي تحول معه قلب القاهرة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية. فقد انتشر حوالي عشرين ألف مسلح من قوات الأمن المركزي، حول المربع العمراني، الذي يقع فيه مبنى محكمة النقض، حيث كانت تجرى المحاكمة. ولكن أعداداً أكبر من جماهير الشعب المصري، من القاهرة وخارجها فرضوا كردوناً حصارياً أوسع، أحاط بقوات الأمن المركزي، ومبنى المحكمة العريقة. ولم يكن واضحاً في اليومين الرهيبين اللذان تكرر فيهما نفس المشهد، من يحاصر من، أو كيف يمكن أن يتطور هذا الحصار المتبادل؟
وفي لحظة حكمة نادرة، لم نتعودها من آل مبارك، تراجعت الحكومة، وصدر قرار يحفظ وجهها من ناحية، بتوجيه لفت فقط نظر لأحد المستشارين، ولكن الأهم أنه أنهى حالة الحصار المتبادل التي كانت تنذر بمواجهة دموية في قلب العاصمة. وهو الأمر الذي لم يحدث منذ حريق القاهرة، في 26 يناير 1952، وكان مقدمة لثورة الجيش بعد ذلك بستة شهور، ومنذ المظاهرات العارمة في فبراير 1954، تأييداً للرئيس محمد نجيب والديمقراطية والدستور. وانتهت المواجهة الأخير (2006) بسلام مؤقت. ولكن حرب الخنادق والاستنزاف استمرت بين آل مبارك، ووزير عدلهم وحزبهم الوطني من ناحية، وجمهرة القضاة من ناحية أخرى. وتستخدم الحكومة في حرب الاستنزاف هذه كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بما في ذلك "الخديعة" و "المباغتة".
وقد تجلت الخديعة في المعركة الأخيرة، وهي تعديل قانون السلطة القضائية، لرفع سن تقاعد القضاة، بأن تظاهر كل رموز النظام بأنهم لن يقدموا مشروع التعديل في الفصل التشريعي الحالي (الذي ينتهي في آخر يونيه من كل عام). وأنهم سينتظرون إلى أن ينتهي القضاة أنفسهم من إبداء الرأي وإدخال ما يرونه من تعديلات، وإلى أن يقره مجلس الشورى (الأكثر حكمة ووقاراً). وجاءت التأكيدات على لسان د. فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب، والذي يتحكم في جدول الأعمال، وما يُنظر في كل فصل تشريعي، بل وفي كل جلسة من جلسات المجلس. كما جاءت نفس التأكيدات من د. زكريا عزمي، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وعضو مجلس الشعب، ولجنة السياسات، وأكثر المسئولين قرباً من آل مبارك. كما أقسم د. عبد الأحد جمال الدين، زعيم الأغلبية المفترضة للحزب الوطني في المجلس، على أن مشروع القانون لن يقدم في المستقبل المنظور. ولكن الذي حدث يوم الأحد 22/4/2007 كان شيئاً غير مسبوقاً في تاريخ الحياة البرلمانية في مصر والعالم. وقد اعترفت صحيفة الأهرام (الحكومية) نفسها بذلك. وها أنا أنقل عنها، تحت عنوان اختارته هي، هو "أطول يوم في التاريخ" (25/4/2007).
"يبدو أن يوم 22 من أبريل كان يوماً "مبروكاً"، امتدت ساعاته إلى أكثر من 24 ساعة. ففيه أرسل الدكتور أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب خطاباً حول التعديلات في قانون السلطة القضائية. ووزير العدل بدوره طلب من الهيئات القضائية في اليوم نفسه أن تتعقد الجمعيات العمومية لاستطلاع رأي أعضائها. فعقدت الجمعيات العمومية للهيئات القضائية اجتماعاتها العاجلة في اليوم نفسه، وأرسلت خطابات عاجلة لوزير العدل تخبره بالموافقة في نفس اليوم. ونتيجة لهذه الموافقات أرسل السيد وزير العدل خطاباً للدكتور احمد فتحي سرور في اليوم نفسه بخطوة موافقة الهيئات القضائية على المشروع، فأحاله الدكتور فتحي سرور نفس اليوم أيضاً للمجلس. هكذا أصبح يوم 22/4/2007 أطول يوم في التاريخ. هذا ما كشف عنه تقرير اللجنة والتاريخ المدون عليه. وهذا ما قاله النائب المستقل أحمد ناصر.
وهكذا خدع وكذب وباغت أساطين الحزب الوطني في مجلس الشعب المستقلين والإخوان من النواب والقضاة والشعب المصري. وقد أصبح ذلك هو أسلوب آل مبارك في التعامل مع خصومهم السياسيين. وهم يعتبرون ذلك مهارة وشطارة! ولا بد أن ورائها "غرفة عمليات"، ربما تفوق غرفة العمليات التي أدارت حرب أكتوبر. فما عرفناه عن تلك الحرب والإنجاز الرفيع لقواتنا المسلحة كان مرجعها التكتم والسرية، والتمويه والخداع، ثم المباغتة والتنسيق الدقيق بين فروع القوات المسلحة. ولا بد أن شيئاً مماثلاً قد أعد له ونفذ بدقة في حالة تعديل قانون السلطة القضائية. إذ لا بد أن فتحي سرور أعد وأرسل في كتمان شديد رسالته إلى وزير العدل. ولا بد أن هذا الأخير قد أعد وأرسل في كتمان شديد نفس الرسالة لرؤساء الهيئات القضائية، المعينين أصلاً من السلطة التنفيذية، ليكونوا في مواقعهم (القتالية) في ساعة الصفر المتفق عليها، وأن يكونوا قد حشدوا ما يكفي من حد أدنى لنصاب قانوني لجمعياتهم العمومية. ولا بد أن الأنصار الموالين للحكومة كانوا هم أيضاً جاهزين في مواقعهم (القتالية) حتى يصوتوا "بنعم" على التعديلات، ويرسلونها للوزير قبل نهاية يوم العمل. وقام الوزير بدوره بإرسال الردود بنفس الطريقة التي استلم بها رسالة فتحي سرور.
إنها عملية أشبة "بالاختطاف". والمختطفون هنا هم أعوان آل مبارك. أما الضحية المختطفة فهي القانون، واستقلال القضاء، وإرادة الأمة. ومن الواضح أن آل مبارك لا يستحون. وكما يقول المثل المأثورة "إذا لم تستح، فأفعل ما شئت". فلا حول ولا قوة إلا بالله.