مبارك والجيل المسخوط، وأوروبا المتحدة!
د. سعد الدين إبراهيم
4/07
تصادف وجودي في لندن يوم إعلان نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي جرت يوم 26/3/2007. وقد التقيت بمجموعة من الشباب المصريين الذين يدرسون ويعملون في أوروبا، ويضم أحد التنفيذيين في شركة شل، وهو أحمد، الذي قال أن جده عاش في عهد عبد الناصر، وأن أبيه عاش في عهد السادات. وكان لدى كل منهما ما يتحدثون عنه ويفخرون به ـ من تأميم القناة، لبناء السد العالي، لحرب أكتوبر، لمبادرة السلام. أما هو وأبناء جيله، الذين عاشوا معظم عمرهم في عهد الرئيس مبارك، فليس لديهم ما يتذكرونه أو يفخرون به. حتى حينما جال لهم أخيراً أن إنجازاً دستورياً على وشك أن يحدث، فإذا بالرئيس مبارك، ومساعدوه، يخيبون آمالهم، ويحبطونهم، ويجعلونهم يشعرون بالخزي والعار، فهم ـ المصريون ـ أصبحوا يتطلعون إلى موريتانيا، البلد الصحراوي المسكين، كنموذج للتحول الديمقراطي.
وبينما هز بقية الشباب رؤوسهم، اتفاقاً مع أحمد، قال آخر، واسمه أمير، الذي يعمل في شركة البترول البريطانية، لماذا لم يتحد العرب، كما فعل الأوربيون، رغم أن الجامعة العربية قد تأسست عام 1945، قبل توقيع اتفاقية روما باثني عشر عاماً (1957) وسأل أخر، هل تعثر العرب في سعيهم نحو الوحدة لغياب الدولة القائدة، وهي مصر، أم لغياب الديمقراطية؟
وشارك في الجدل شباب من مصر والعراق والكويت والسعودية وقطر. ولأنهم يعشون ويعملون في دول أوروبا الغربية، فقد كانوا دائمي المقارنة بين التجربة العربية والتجربة الأوروبية. قال أحدهم، وهو هاني، من العراق أن غياب الحريات الفردية هو السبب في الخيبة العربية الحالية. وأشار إلى أن والديه وجديه من ناحية أبيه وأمه تلقوا جميعاً تعليماً عصرياً، بين الحربين العالميتين (1920-1945) خلال الحقبة الليبرالية في تاريخ العراق الحديث، رغم أن العراق كان تحت الانتداب البريطاني وخلال نفس الحقبة كان شعور العراقيين بعروبتهم وعراقيتهم، أقوى عشرات المرات مما هو الآن، حيث تزايدت كراهية العراقيين لا فقط لعروبتهم، ولكن لكل منهم للآخر.
وتساءل مالك، وهو محامي سعودي في لندن، لماذا تتعثر الديمقراطية في بلادنا، مقارنة بكل بلدان العالم الأخرى ـ شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً؟ هل هناك شيء، في الثقافة العربية أو الديانة الإسلامية، التي تجعلنا أقل قبولاً للديمقراطية. وتطوعت رولا، صاحبة الأعمال الكويتية بالرد على السؤال من واقع الخبرة الكويتية ـ حيث هم عرب ومسلمون ـ ويتمتعون بالديمقراطية منذ الاستقلال، عام 1961، أي لما يزيد عن 45 عاماً، وأنها شخصياً، لم تعرف إلا الديمقراطية في الكويت منذ ولدت. ورد عليها كل من هاني (العراقي) ومالك (السعودي) بما معناه أنه ربما لنفس هذا السبب حاول جيران الكويت، خنق الديمقراطية في الكويت. ومع ذلك يظل السؤال قائماً لماذا توحد الأوروبيون، وظل العرب منقسمون، ولماذا تقدم الغربيون الأسيويون، وظل العرب متخلفون؟
وكان هؤلاء الشباب العرب يتطلعون إلىّ وكان لدي إجابات على أسئلتهم الحائرة. وكان رجاؤهم حينما صدمتهم بأنني لا أملك إجابات، وأن جيلي والجيل الذي سبقه مباشرة، أي أولئك الذين عاشوا وقادوا بلادهم، خلال الستين عاماً الأخيرة، هم سبب البلاء، ولذلك فإن أي إجابات يقدمونها يكون مشكوكاً في صلاحيتها أو صدقها أو جدواها. وأن على جيلهم أن يسعى لإجابة أسئلة زملائهم، خاصة الذين عاشوا وتعلموا واكتسبوا خبرات علمية من المجتمعات المتقدمة التي يعيشون فيها حالياً. وربما تكون البداية من معرفة كيف تغلبت أوروبا على انقساماتها، وحروبها الدينية التي استمرت ثلاثمائة عام، وحروبها القومية التي استمرت مائتي عام؟
وانتقل حديث الشباب العربي في لندن إلى الاجتهاد لاكتشاف أسرار أوروبا، التي تحتفل هذه الأيام بمرور الخمسينية الأولى على توقيع اتفاقية روما. قال أحدهم ولعله مصطفى، الذي يعمل الآن مذيعاً في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية (BBC )، متى سيصبح لدينا إعلام موضوعي؟ إنهم هنا يمعنون في الموضوعية للدرجة التي بدأت أنزعج معها. فحتى شاشات التليفزيون يقسمونها إلى نصفين للرأي والرأي الأخر في كل قضية. وليس هذا فقط للحكومة والمعارضة في الداخل، ولكن حتى للحكومة البريطانية وكل من هم ضدها في الخارج، مثلما يحدث الآن في أزمة البحارة البريطانيين، الذين أسرتهم إيران. فنحن نقدم وجهة النظر الإيرانية مثلما نقدم وجهة نظر توني بلير (رئيس الوزراء) ومارجريت بيكيت وزيرة الخارجية. فقلت له مداعباً أنك كمن يشكو من كثرة الأكسجين، أو ثقافة البيئة. فلماذا لا تتعود إلى حيث تعودت مثلما تعودت على الإعلام المتحيز والبيئة الملوثة؟ احمر وجه مصطفى خجلاً، ولم يعلق.
من جمع الشباب الذين التفوا في هذه الأمسية اللندنية كان أحد من شاركوا في عضوية لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم ويدعى صلاح، وهو رجل أعمال كان يدير شركة مملوكة لأسرته. وكان الأكثر صمتاً واستماعاً، إلى قرب نهاية اللقاء. ولكنه حينما تحدث في النهاية كان هو الأكثر وضوحاً وألماً وغضباً. قال صلاح أنه بعد ثلاث سنوات من العمل المضني في لجنة السياسات مع جمال مبارك، ونخبة من ألمع أبناء مصر، في كل التخصصات، وبعد أن تجول في بلدان شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية، التي أخذت بإصلاحات اقتصادية وسياسية واسعة النطاق، خلال العقدين الأخيرين، وأعد هو وزملاؤه في نفس اللجنة دراسات مستفيضة عن كيفية الإصلاح والتطور في مصر. ولكنه وزملاؤه ظلوا ينتظرون، وينتظرون، ولا شيء يحدث إلا تغييرات شكلية هنا وهناك، أو تعديلات وزارية لإرضاء أو إسكات هذا أو ذاك. واستمر نهب مصر، وتوزيع الثروات، وخلق ثروات طفيلية بين دائرة صغيرة من أقرب المقربين لجمال مبارك. وأتضح له أن كل ما فعلوه في السنوات الست الأخيرة، كان من أجل هدف واحد أوحد، وهو تهيئة الأرض والمناخ ـ لا من أجل إصلاح وتطوير مصر ـ ولكن للرئاسة المرتقبة لجمال مبارك. وهو شخصياً لم يكن ضد ذلك، لو أن إصلاحاً حقيقياً كان يحدث في نفس الوقت. ولكن الذي أتضح له ولعدد من زملاؤه أن إصلاح النظام الاقتصادي والتحول نحو الديمقراطية، هما آخر ما يحدث. ولذلك استقال هو وأشخاص مثل د. أسامة الغزالي حرب. وأثر هو أن يأتي إلى لندن لمزيد من الدراسة. واختار أسامة أن يُنشئ حزباً جديدا،ً بينما انسحب آخرون في صمت. لذلك لم يندهش صلاح من مهزلة الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية فهي جزء لا يتجزأ مما رآه قادماً.
وشهق أحمد، الذي بدأنا الحديث به، وقال إننا فعلاً "جيل مسخوط" لا حققنا أمجاد عبد الناصر في معارك التحرير، حتى لو هُزم في بعضها، ولا حققنا أمجاد أنور السادات وهو يسعى للانفتاح على العالم ويحقق السلام. فهل سنظل هكذا مساخيط من أجل "فرعون جديد". ورد صلاح، ليت الفرعون الجديد لديه شيء من صفات الفراعنة العظام الذين ما زلنا نعيش على بقايا أمجادهم. ولعل عظمة أوروبا المتحدة أنها لم تعتمد على فراعنة، ولكن على مؤسسات حقيقية يُشارك في بنائها وإدارتها كل المواطنون. لا حول ولا قوة إلا بالله.