Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الابتزازات الفرعونية في مسألة السفارة الأمريكية
د. سعد الدين إبراهيم

4/07

          دارت في الأسبوعين الماضيين معركة متكررة للابتزاز والمزايدة بين الدولة المصرية ومن يتحدثون باسم نظامها الحاكم من ناحية، والإخوان المسلمين من ناحية أخرى. أما موضوع المعركة هذه المرة فهو لقاء تم في منزل السفير الأمريكي بالقاهرة، على شرف وفد من الكونجرس الأمريكي برئاسة  النائب روبرت هوير، وحضر اللقاء عدد من نواب مجلس الشعب المصري، ورسميون مصريون وقيادات من المجتمع المدني.
ولأن وفد الكونجرس الأمريكي يضم أعضاء من الحزب الجمهوري الحاكم والحزب الديمقراطي المعارض، فقد حرص السفير فرانسيس رتشاردوني أن يدعو ممثلين من كل أطياف الحياة السياسية المصرية، وفي مقدمتهم أعضاء من مجلس الشعب المنتخبين، من أقطاب الحزب الوطني الحاكم في مصر، وكذلك أعضاء من المعارضة الوفدية ومن الإخوان المسلمين. وهو أمر طبيعي في أي بلد ديمقراطي فعلاً، أو يدعي الديمقراطية. ومجلس الشعب المصري، وهو أحد السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية). ولأنه السلطة الوحيدة المنتخبة مباشرة من الشعب، فهو يضم ما سمحت به ممارسات التزوير من معارضين، بما فيهم الإخوان المسلمين. فالذين دعاهم السفير الأمريكي، إذن، هم من ممثلي الشعب المصري، وهم جزء من سلطة مصرية رسمية، هي السلطة التشريعية. ولكن سلطة مصرية أخرى، وهي السلطة التنفيذية، التي يرأسها رئيس الجمهورية ـ وتضم المباحث، والمخابرات، والجيش، وبقية الأجهزة الحكومية ـ لا تحب جزءاً من السلطة التشريعية، وهو الجزء الإخواني (88 عضواً من 455)، فهي تريد للجميع، بما فيهم السفير الأمريكي بالقاهرة، أن يكره هذا الجزء ويقاطعه ويحاصره، كما تفعل هي معه.
إن هذه الممارسة من جانب حكومتنا المصرية، ذات جذور "فرعونية". فمن كان يغضب منه الفرعون، وكان هو "الملك الإله" (God King )، فلا بد أن يلعنه كل الكهنة والأعوان والجنود، ويتم نفيه من الوادي الأخضر، أي من "الجنة"، إلى "النار"، أي إلى الصحاري المقفرة، أو خارج الحدود ـ أي الحكم عليه بالإبادة، وهو ما يساوي في الزمن المعاصر الإعدام المادي أو المعنوي، أو السجن المؤبد. ولأن آل مبارك يهيئون أنفسهم لأن يكونوا فراعنة مصر، في القرن الحادي والعشرين، فهم يتصرفون مع المعارضين بنفس الطريقة الفرعونية المستبدة. والذين يراجعون ويدققون، قوائم وأعداد من تم إعدامهم أو سجنهم أو تعذيبهم أو اختفائهم أو هربهم خارج الحدود (نفياً أو هجرة قسرية)، فإنه سيفاجئ أن الأعداد في عهد مبارك (1981-2006)، تفوق تلك التي وقعت في عهدي السادات وعبد الناصر مجتمعين (1952-1981). بل هي تفوق ما وقع خلال المائتي عام الأخيرة من التاريخ ـ أي منذ بداية حكم أسرة محمد علي (1805).
وقد نال الإخوان المسلمين، ومن خرج من عبائتهم من جماعات إسلامية أخرى، خلال عهد آل مبارك القسط الأكبر من غضب فراعنة مصر الجُدد. ويشارك "كهنتهم" ـ أي صحافتهم وحزبهم الوطني، وأجهزتهم الأمنية ـ في صب اللعنات على هؤلاء الإخوان، والسباق إلى التنكيل بهم، وإبادتهم مادياً ومالياً ومعنوياً. فبعد أن نجح آل مبارك وكهنتهم في تدجين أو إخضاع أو إسكات أو حصار القوى السياسية الأخرى، فإنه يتفرغ الآن لإبادة آخر "العُصاة". وآل مبارك يريدون من الجميع بما فيهم السفارة الأمريكية في القاهرة ـ أن يتمثلوا ويطيعوا، هذه الإرادة، وخاصة أنها اكتملت مع التعديلات الدستورية، التي تم اصطناعها في 26 مارس2007. والذي أثار الفراعنة الجُدد وكهنتهم، هو أن السفير الأمريكي رتشاردوني، تصرف بنشاز، وغُرد خارج أسراب كهنة النظام، رغم أن حكومته محسوبة في قائمة أصدقاء وأحباء وحلفاء آل مبارك. لذلك نال الرجل بعض ما نال الإخوان من غضب الفراعنة والكهنة، حتى لو كان غضباً مكتوماً.
ولكن الغريب هو أن قوى سياسية مصرية أخرى ليست جزءاً من نظام آل مبارك تشارك كهنة النظام في محاولات التنكيل والإبادة المعنوية، لكل من يعصى الفراعنة الجدد. وأصبح الاتصال أو الحوار مع الأمريكيين أو الأجانب عموماً من مبررات هذه الإبادة المعنوية. فهذه الاتصالات والحوارات هي ضمن احتكارات الآلهة أو الفراعنة الجُدد.
لذلك رأينا أصواتاً يسارية وليبرالية تشارك كهنة النظام في الهجوم على نواب الإخوان المسلمين الذين حضروا حفل استقبال السفارة الأمريكية، أسوة بغيرهم من مسئولين من مصريين آخرين، للحديث مع نواب أمريكيين. وكأن هذه الأصوات تقول "نعم"، الاتصال والحوار هو احتكار حكومي مباركي فقط. ولآل مبارك، دون غيرهم، أن يتصلوا، ويتحاوروا، ويعقدوا ما طاب لهم من اتفاقات أو صفقات. فهذا مشروع لهم فقط، وحرام على غيرهم. فإذا مارس هذا الغير حقه الإنساني في الاتصال والتحاور، فإن الشكوك تثار فوراً حول "وطنيتهم"، إلى أن تصل على درجة الإيهام أو الاتهام الصريح "بالخيانة".   
والأغرب من ذلك، في نظري، أن ينزلق أو يستدرج بعض القضاة إلى هذه الممارسة. وأنا أخص القضاة بالذكر، لأنهم يمثلون في نظر معظم المصريين، آخر قلاع مقاومة الطغاة. من ذلك أننا قرأنا مؤخراً تصريحات للمستشار مقبل شاكر، وهو رئيس محكمة النقض والمجلس الأعلى للقضاء، ينتقد فيها زملائه في نادي القضاة، لأنهم كانوا على وشك الالتقاء، بوفد من منظمة حقوقية أمريكية، هي مرصد حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش). هذا رغم أن هذه منظمة غير حكومية، بل وهي دائمة النقد لحكومتها الأمريكية. وقد أدى هذا الهجوم في حينه، إلى اعتذار نادي القضاة عن لقاء وفد المنظمة. ثم بعد ذلك بسنة واحدة فقط، شارك نفس المستشار مقبل شاكر، في نفس حفل الاستقبال بالسفارة الأمريكية، والتقى بنفس الوفد النيابي الأمريكي الذي التقى به بعض نواب الإخوان المسلمين.
وطبعاً، لم يفوّت رئيس نادي القضاة، المستشار زكريا عبد العزيز، الفرصة لتذكير الرأي العام بما كان قد فعله المستشار مقبل شاكر قبل عام. وكأنه بلغة القانون يقول "أنك قمت بإدانتنا لمجرد النيّة على فعل، وها أنت قد ارتكبت ما هو أكبر من نفس الفعل ـ حيث أن هيومان رايتس ووتش منظمة أهلية، بينما وفد الكونجرس والسفارة الأمريكية هما ممثلين رسميين لدولة أجنبية"!
ونحن نقول للمستشارين المحترمين ـ مقبل شاكر وزكريا عبد العزيز ـ انه لم يكن ثمة جريمة في لقاء وفد الكونجرس بالسفارة الأمريكية. ونحن نبرأ بالمستشارين الموقرين من أن يُستدرجا إلى هذه الممارسة الفرعونية ـ الاستبدادية، الذميمة. فالقضاة أحرار في أن يلتقوا بمن يريدون لقاءهم، والاستماع إليهم. فمن أهم واجباتهم هو الاستماع إلى الجميع، قبل المداولة، وإصدار الأحكام. أن هذا حق وواجب.
وما هو حق وواجب للقضاة، هو حق وواجب لكل مواطن، سواء كان إخوانياً مؤمناً أو ماركسياً ملحداً، وسواء كان من يلتقون به "بلغارياً" أو "أمريكياً" أو "هندياً". فهذا شانهم ما دام يتم بإرادتهم الحرة. ولا ينبغي لا لزكريا عبد العزيز أو مقبل شاكر أو رفعت السعيد أو النائب الإخواني سعد الكتاتني أن يعتذر، أو يبرر، أو حتى يفسر ما يقوم به كحق إنساني، أو كواجب سياسي.
وربما تكون هذه مناسبة لكي يعلن الجميع عن الإقلاع عن هذه الممارسة الذميمة، التي يستخدمها الفراعنة الطغاة مع من يعارضهم أو يعصاهم. فلا ينبغي لنفس ضحايا الاستبداد ـ من اليمين والوسط واليسار ـ أن يتحولوا إلى أدوات ابتزاز وإرهاب في يد الفراعنة الطغاة ضد بعضهم البعض. لقد كان للفراعنة القدامى، رغم استبدادهم ـ مآثر شتى، تركوا لنا كثيراً منها، نفخر به ونقتات في مصر من عائداته السياحية. أما الفراعنة الطغاة الجُدد، فهم استبدوا وفسدوا واستأثروا، بلا مآثر أو فضائل، نفخر بها في الخارج أو نقتات منها في الداخل.
فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية