Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

إذا دخل العسكريون قرية أفسدوها
د. سعد الدين إبراهيم

أغسطس 2007

            أثار مقالي السابق "فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة  الهندية" (المصري اليوم 18/8/2007) استنكار بعض القراء، واستحسان البعض، وهذا أمر معتاد في مقالات الرأي. ولكن الجديد بالنسبة لكثيرين ممن كتبوا إليّ كانت هناك استفهامات وتساؤلات عن دور العسكريين في السلطة في بلدان العالم الثالث عموماً، والإسلامية منها، مثل باكستان، خصوصاً. كما ذهب بعض من عبّروا عن ردود أفعالهم يستفسرون عما إذا كان مقالي ينطوي على إسقاطات بالنسبة لبلداننا العربية، التي يحكمها عسكريون بأزيائهم الرسمية علانية، أو يتسترون خلف أزياء مدنية، ولكنهم عسكريون في التفكير والتدبير، ويعتمدون على المؤسسة العسكرية، قضاءً أو رضاءً، للبقاء في السلطة.
والطريف أن نفس المقال قد ترجم إلى الإنجليزية، ووردت بشأنه ملاحظات استحسان من قراء هنود، واستنكاف وعتاب من قراء باكستانيون، يعمل بعضهم ممثلين لباكستان في الخارج. وكان عتاب الآخرين هو أنني بدوت كما لو أنني انتصرت للهند على باكستان، "فكيف أفعل ذلك وأنا مسلم؟". وكانت إجابتي وما تزال هي أنني أفسر لماذا تقدم الهنود وتأخر الباكستانيون، خلال الستين عاماً الأولى من الاستقلال رغم أنهما بدأتا من نفس النقطة عام 1947. وكان التفسير الأساسي هو أن الهند أخذت وتمسكت بالديمقراطية، طوال تلك الفترة باستثناء عامين فرضت فيهما الأحكام العسكرية، بسبب تمرد مسلح واسع النطاق قام به منشقون من طائفة السيخ (1975-1977) بينما حدث العكس في باكستان، حيث غابت أو تقطعت الديمقراطية خلال معظم سنوات استقلالها.
هل يعني ما كتبناه في المقارنة بين البلدين، أن الهند هي ديمقراطية بلا مشكلات؟ الإجابة هي قطعاً "لا". لقد بدأت الهند بمشكلات أكثر عدداً وتعقيداً، من جارتها باكستان. من ذلك أن الهند هي بلد الطوائف الدينية ـ الطبقية المُغلقة، والتي تبدأ بطائفة "البراهما" في قمة الهرم، وتنتهي بطائفة "المنبوذين" في قاع الهرم. ومن يولد من الهندوس في أي من هذه الطوائف يظل فيها إلى أن يموت، وكذلك أبنائه وأحفاده، ولا يتزوجون من خارجها، مهما أنجزوا من تعليم وثروة وشهرة. كذلك حفلت الهند بعشرات الأقليات الدينية واللغوية والعرقية، بجانب الأغلبية الهندوسية (65%). كما بدأت الهند مسيرتها بعد الاستقلال ونصف سكانها (الذين كانوا ستمائة مليون) تحت خط الفقر، وثلاثة أرباعهم أميّون. كذلك شهدت صراعات مسلحة خارجية مع الجيران (الصين وباكستان)، وداخلية بين الأغلبية الهندوسية وأقليات أخرى في مقدمتها المسلمين والسيخ. وفي هذه كلها كانت الأمور أسوأ بكثير منها في باكستان. ومع ذلك نجحت الهند في السيطرة على معظم هذه المشكلات، وحل بعضها، والتخفيف من بعضها، وإدارة بعضها الثالث ومنعه من التدهور أو الانفجار. من ذلك مثلاً أنها قلّصت نسبة من هم تحت خط الفقر إلى الربع (25%)، كما استحدثت نظاماً فيدرالياً، سمح لكثير من الأقليات بحكم نفسها، وسياسة لغوية ثلاثية تسمح لكل هندي أن يتعلم ثلاث لغات، هي لغة الأم (المحلية)، والهندية (لغة الأغلبية)، والإنجليزية. وأخذت الهند بالعلمانية، حيث فصلت بين الدين والدولة. فلا يوجد نص دستوري يتحدث عن دين بعينه للدولة ولكن الدستور الهندي الذي أقر عام 1950 ينص على حرية المعتقدات والعبادات، ويعترف بالتعددية الدينية والثقافية. وتعتبر المحكمة الدستورية العليا، والمفوضية الوطنية للانتخابات، واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، والبرلمان الهندي هي المؤسسات الأربع الأكثر أهمية وقداسة واستقلالا في الهند. وهي المسئولة عن الاستقرار السياسي والاجتماعي في الهند، خلال الستين سنة الأخيرة.
وكان من أهم ملامح وركائز التجربة الهندية هي السيطرة المدنية المطلقة على المؤسسة العسكرية. هذا رغم أن القوات المسلحة الهندية هي الثانية في العالم من حيث حجمها، بعد الصين، وبالرغم من مشكلات حدودية مزمنة مع جاراتها، الصين (بسبب إقليم التبت) وباكستان (بسبب إقليم كشمير) وبهذه السيطرة المدنية الكاملة على المؤسسة العسكرية، تحاشت كثيراً من الأمراض المزمنة لبلدان العالم الثالث، حين يتدخل العسكريون في شئون السياسية والاقتصاد والاجتماع والدين، فيفسدونها، ويُفسدون هم أنفسهم.
فهم يُفسدون السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين لأنهم يحاولون إدارة هذه الشئون بالأوامر والنواهي، والضبط والربط، كما تدربوا في الأكاديميات العسكرية. ولكن هذه الشئون الإنسانية بطبيعتها لا تقبل الإدارة بالأوامر، ولكن بالإقناع أو التراضي أو التفاوض والمساومة. أما هم فيفسدون، لأن الشئون التي يحاولون إدارتها بالأوامر لا تستجيب لهم كما يتوقعون أو كما تعودوا في مؤسستهم الأم، فيستبدون أكثر وأكثر، ثم يكتشفون أنهم يمكنهم الاستمرار والاستغلال والإثراء. فتزيد الأمور سوءاً.
وفي غضون عملية الفساد والإفساد هذه، يفقد العسكريون قدرات ومهارات وواجبات حرفتهم الأصلية ـ وهي الاستعداد الدائم لحماية التراب الوطني، والذود عن الحدود، أو الإسهام في مواجهة النكبات الطبيعية أو الإنسانية. لذلك نادراً ما تكسب الأنظمة العسكرية الحاكمة حروباً لبلدانها. بل نكاد نجزم أن القاعدة هي هزيمة هذه الأنظمة في كل حروبها. فالأنظمة العربية التي هُزمت في عام 1967 كانت أنظمة عسكرية. كذلك هُزم النظام العسكري الحاكم في الأرجنتين في حرب الفوكلاند (مع بريطانيا) منذ ربع قرن. وهُزم نظام القذافي في كل مغامراته العسكرية خارج حدود ليبيا، وأبرزها في تشاد. وهُزم النظام العراقي في كل حروبه (مع إيران والكويت والأكراد)، وهُزم النظام السوداني في حروبه الداخلية مع الجنوب والغرب والشرق.
وعودة إلى الهند وباكستان، فإن هذه الأخيرة بسبب السيطرة العسكرية على شئون الدولة والمجتمع فإنها هُزمت في كل الحروب التي خاضتها. ولم تحافظ على وحدة وسيادة ترابها الوطني. فقد فقدت نصفها الشرقي، الذي انفصل وأصبح بنجلاديش عام 1972. وها هي لا تملك السيطرة على جزء مما تبقى من باكستان، ونقصد به الشريط الحدودي الممتد بمحاذاة حدودها مع أفغانستان، وتعرف باسم إقليم وزيرستان. فهناك يسيطر مقاتلو طالبان وتنظيم القاعدة، الذي يقوده المنشق السعودي أسامة بن لادن، ونائبه المنشق المصري أيمن الظواهري. ولطالبان والقاعدة أنصار كثيرون في باكستان، منذ الحكم العسكري السابق للجنرال ضياء الحق، الذي حكم باكستان ثمانية عشر عاماً، من 1970 إلى 1988.
لقد حكم العسكريون باكستان نصف تاريخها، وكانوا السبب في معظم هزائمها ومشكلاتها. ومن ذلك أن الجنرال ضياء الحق، لكي يبرر استيلائه على السلطة، رفع شعار العودة للشريعة وتطبيق الحدود. وهو نفس ما كان قد فعله اللواء جعفر نميري في السودان من قبل، وما فعله الفريق عمر البشير من بعده. وفي تلك الأثناء وقع الغزو السوفييتي لأفغانستان. وأرادت أمريكا والسعودية مقاومة السوفييت، فلجأتا إلى ضياء الحق وعقدتا صفقة معه، بمقتضاها يسمح بدخول المتطوعين، الذين سمو بالمجاهدين، من الحدود الباكستانية إلى أفغانستان عن طريق إقليم وزيرستان. ومع انتهاء الاحتلال السوفييتي (1990) فقدت أمريكا اهتمامها بأفغانستان وباكستان، إلى أن وقعت تفجيرات نيويورك وواشنطون في 11 سبتمبر 2001، على يد بقايا المجاهدين من طالبان والقاعدة، الذين كانت أمريكا وباكستان هما اللتان دربتهما وسلحتهما قبل عشرين سنة.
المهم لموضوعنا هو أن عسكرياً آخر هو الجنرال بارفيز مشرّف استولى على السلطة في انقلاب على حكومة منتخبة ديمقراطياً، وهي حكومة نواز شريف، عام 1999. ولم تحتاجه الولايات المتحدة إلا بعد تفجيرات 2001، فطلبت منه الانقلاب عن القاعدة وطالبان كجزء من حربها الجديدة على الإرهاب، وكما رحًب جنرالات باكستان السابقين بأداء أي خدمة للولايات المتحدة، مقابل السلاح والمساعدات من ناحية، ودعم النظام العسكري الحاكم من ناحية أخرى، اندفع مشرّف في نفس الاتجاه. وفي ذلك استعدى على نظامه نقمة الإسلاميين المتشددين، فحاولوا اغتياله مرتين في السنوات الأربع الأخيرة. ثم حدثت معهم في الأسابيع الأخيرة مواجهة دموية بشعة في المسجد الأحمر في قلب العاصمة إسلام أباد نفسها، وراح ضحيتها أكثر من مائة قتيل من المتشددين وقوات الأمن الباكستانية.
ويبدو أن سنوات الانغماس في السياسة قد أنست الجنرال مشرّف أحد أساسيات إدارة الحروب، وهي تحاشي فتح جبهتين في نفس الوقت. فبينما هو غارق في معاركه مع الإسلاميين المتشددين، من صناعة أحد أسلافه، إذ به يفتح جبهة أخرى مع المؤسسة القضائية الباكستانية. وفي أحد قراراته الرعناء عزل رئيس المحكمة الدستورية العليا، وهو ما أدى إلى احتجاجات واسعة النطاق، ثم صدور حكم من المحكمة الإدارية العليا ببطلان هذا القرار الجمهوري للجنرال مشرّف.
إن الانتخابات البرلمانية في باكستان على الأبواب، في شهر سبتمبر. ثم تتلوها في أوائل العام القادم انتخابات رئاسية، يريد الجنرال مشرّف أن يخوضها ليظل رئيساً لفترة أخرى. ولذلك هو يحتاج دعماً من أحد القيادات السياسية النسائية الهامة في باكستان، وهي رئيسة الوزراء السابقة بنازيز بوتو. ولأنه نفاها هي وزوجها إلى خارج باكستان، وحزبها الآن هو الأكثر شعبية، وترجح كل استقصاءات الرأي العام أنه سيفوز، فقد أبتلع الجنرال مشرّف حذائه، وطلب مقابلتها سراً، وهو ما حدث في الإمارات، في أوائل هذا الشهر، ليعرض عليها العودة، ورئاسة الوزراء في مقابل تأييده لفترة رئاسية أخرى. فاشترطت عليه أن يخلع زيه العسكري ويتقاعد من الجيش، أي أن يقلع عن صفته العسكرية. إن بنازير بوتو تؤمن بأن العسكر إذا دخلوا بلداً، من باب السياسة، فإنهم يُفسدوها. وهكذا صدقت امرأة وخاب رجل.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية