Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

فسطاط العسكر والتطرف في شبه القارة الهندية
د. سعد الدين إبراهيم

أغسطس 2007


تحتفل شبه القارة الهندية هذا العام (2007) بالعيد الستين لاستقلالها بعد تحررها من استعمار بريطاني، استمر قرابة ثلاثمائة عام. ولكن مع هذا الاستقلال ولدت دولتين اقتسمتا شبه القارة، هما الهند ذات الأغلبية الهندوكية، وباكستان، ذات الأغلبية المسلمة، وبدأت الدولتان مسيرتهما المستقلة، من نفس النقطة تقريباً، بمتوسط دخل فردي لا يتجاوز مائة دولار سنوياً في عام 1947، وبنظام حكم ديمقراطي تعددي، على الطراز البريطاني. وكان شأنهما في ذلك شأن بلدان أخرى من التي حصلت على استقلالها في فترة ما بين الحربين (مثل مصر والعراق)، أو بعد الحرب العالمية الثانية.
وكان المسلمون في الهند يمثلون ثلث السكان تقريباً. وقبل الاحتلال البريطاني، أي أواخر القرن السابع عشر تقريباً، كانوا هم الذين يحكمون شبه القارة منذ فتحها ملوك المغول في القرن الثالث عشر، من عاصمتهم "أجرا"، حيث الأثر الإسلامي العظيم الذي يُعرف باسم "تاج محل"، وهو أحد عجائب الدنيا السبع. وحينما اقترب أجل الاستقلال، قررت النخبة المسلمة في الهند، أنه مع تبني الديمقراطية التي كانت الحركة الهندية الوطنية تطالب بها من خلال "حزب المؤتمر"، الذي أسسه غاندي على طراز "حزب الوفد" في مصر، فإنهم سيكونون أقلية سياسية، ولن يحكموا الهند، كما كان الحال في زمن سابق. فقرروا أن يطالبوا بتقسيم شبة القارة الهندية، لكي تكون لهم دولتهم المستقلة ذات الأغلبية المسلمة. ورغم اعتراض غاندي، بل وتوسله لزعماء المسلمين، وعلى رأسهم محمد علي جناح، أن يظلوا شركاء في نفس الوطن، مع كل ضمانات حقوقهم السياسية والمدنية والدينية، بما في ذلك منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إلا أن زعماء المسلمين أصروا على أن يكون لهم "فسطاطهم" المستقل. لما كان غاندي ديمقراطي العقل والقلب واللسان فقد قبل وهو يبكي. وربما كانت تلك هي المرة الوحيدة التي رآه فيها الناس وهو يبكي. كما أثار قبوله لقرار تقسيم الهند حنق القوميين الهنود المتشددين، فاغتاله أحدهم.
المهم، أرسى غاندي وخليفته نهرو، دعائم الهند الحديثة، لا كدولة دينية، ولكن كمجتمع ديمقراطي تعددي مدني. بل وتعمد حزب المؤتمر أن يكون رئيس الجمهورية دائماً من أحد أقليات الهند. ولأن عدة ملايين من المسلمين الهنود رفضوا ترك مواطنهم وبيوتهم في الهند والهجرة إلى ما سُمي باكستان، فإن حزب المؤتمر اختار أول رئيس جمهورية بعد الاستقلال من هؤلاء المسلمين.
واجهت الدولتان الجديدتان منذ البداية كل ما تواجهه الدول الحديثة الاستقلال: بناء المؤسسات، وتكريس هوية قومية، وبناء ثقافة ترسخ هذه الهوية وتنسج استمرارية بين الماضي والحاضر والمستقبل، وإنجاز مشروع تنموي يرفع من مستوى حياة المواطنين مادياً ومعنوياً، ويجعلهم يعتزون بالدولة الجديدة. ولكن إلى جانب هذه التحديات العامة ترك الاستعمار البريطاني في شبه القارة الهندية مشكلة معلقة للدولتين الجديدتين، وهي مشكلة كشمير، وهي منطقة حدودية على خط التقسيم، وإن كان الجانب الهندي منها تقطنه أغلبية مسلمة، والمنطقة خلابة الجمال على أحد جوانب جبال الهملايا، أعلى جبال العالم. ومنذ الاستقلال وإلى اليوم بعد مرور ستين عاماً، ما يزال النزاع على كشمير قائماً. ومثله مثل الصراع العربي الإسرائيلي، والصراع التركي اليوناني على قبرص، والصراع بين شمال وجنوب أيرلندا، وشمال وجنوب السودان، كانت البداية أو خميرة الصراع بريطانية النشأة. ونتج عنها صراعات مسلحة ممتدة. وفي حالة النزاع بين الهند وباكستان انفجرت بالفعل ثلاث حروب إلى تاريخه.
ولكن مسيرة البلدان منذ الاستقلال والانفصال كانت مختلفة جوهرياً. فقد كرّست الهند نظامها الديمقراطي التعددي المدني، واستطاعت أن تنجز قفزات تنموية هائلة، وضعتها على أعتاب نادي القوى الأعظم في العالم، فإن باكستان تخبطت بين الديمقراطية والديكتاتورية، وبين الحكم المدني والحكم العسكري، وأدى غلبة الخطاب الديني، والمزايدة فيه، إلى سلسلة من الانشقاقات والتشققات التي لم تكن لتخطر على بال محمد علي جناح والنخبة المسلمة التي أصرّت على تأسيس باكستان كدولة منفصلة ذات أغلبية مسلمة.
كان الشقاء الأول هو للمسلمين الذين استهواهم الخطاب الديني فتركوا مواطنهم الأصلية في جنوب ووسط وشمال الهند، وهاجروا إلى حيث مناطق التركز الإسلامي في البنغال بشرق الهند، والبنجاب بغرب الهند، وأصبح البنغال يسمى باكستان الشرقية، والبنجاب يسمى باكستان الغربية، وبينهما تقع الهند بمساحتها الأكبر وبسكانها الأكثر. وقد استمر هذا الوضع قرابة ربع قرن، شهدت فيه باكستان، بجزئيها الشرقي والغربي، ديكتاتوريتين عسكريتين، وحربين مع الهند. وكانت المشكلة أنه بدعوى مسألة الأمن القومي الباكستاني، أصبح للعسكر الكلمة الأولى في شئون البلاد. وكانت معظم القيادات العسكرية والإدارية في عموم باكستان من البنجاب، أي الفسطاط الغربي من باكستان. كذلك تركزت معظم المشروعات التنموية في هذه الأخيرة، مما أشعر أهل البنغال أنهم رغم إسلامهم وانتمائهم لدولة مسلمة، إلا أنهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثالثة في شبه القارة الهندية. فلا هم مواطنون هنود في دولة ديمقراطية، ولا هم باكستانيون متساوون في حقوق المواطنة مع مسلمي البنجاب  في غرب باكستان. فثاروا بقيادة أحد أعلامهم، وهو الشيخ مجيب الرحمن، وطالبوا بالانفصال والاستقلال "بفسطاطهم" عن البنجاب، أي باكستان. ووقعت حرب ثالثة بين الفسطاطين المسمين، ساعدت فيها الهند "الفسطاط الشرقي"، وهُزمت باكستان للمرة الثالثة. وكان لا بد أن يقود تمرد الفسطاط البنغالي رجل دين، مخافة أن يُتهم ذلك الفسطاط بالكفر أو العمالة لأعداء الدين!.
وهكذا كما أصر الزعيم المسلم محمد علي جناح، من قسمة الهند إلى فسطاطين منفصلين، أتى بعده بربع قرن زعيم مسلم آخر، هو الشيخ مجيب الرحمن، ليصر ومعه معظم أهل البنغال على قسمة باكستان نفسها إلى فسطاطين، أحدهما سيسمى بنجلاديش، وسيظل الفسطاط الآخر يحمل اسم باكستان. وظلت هذه الأخيرة غارقة في المزايدات الدينية وتطبيق الشريعة، وفي ذهن البعض منهم أن الشريعة هي الطريق للانتصار في الصراع على كشمير. ولكن تطبيق الشريعة في نظرهم يقتضي التوسع في استحداث مدارس دينية متشددة على طريقة المذهب الوهابي. ورأت المؤسسة الدينية السعودية في ذلك فرصتها الذهبية في نشر مذهبها الذي ظل حبيس الجزيرة العربية طيلة القرون الثلاثة السابقة. فنشطت في تشجيع افتتاح هذه المدارس وتزويدها بالمعلمين والكتب والحوافز المالية، التي ساعدت عليها الطفرة النفطية في منتصف سبعينات القرن العشرين. ثم عندما احتل الاتحاد السوفييتي أفغانستان في أوائل الثمانينات، شجّعت المؤسستين الدينية والعسكرية في باكستان آلاف الأفغان على الالتحاق بتلك المدارس الدينية، وأضافت، إلى تعليمهم الوهابي المتشدد، تدريباً عسكرياً لمقاومة الاحتلال السوفييتي. وخرج الاتحاد السوفييتي بعد عشر سنوات، ولكن بقي هؤلاء المقاومين من طلبة المدارس الدينية، الذين سيعرفهم العالم من ذلك الحين باسم "طالبان"، والذين سيحتويهم المنشق السعودي أسامة بن لادن ونائبه المصري أيمن الظواهري، في تنظيم سمياه "القاعدة"، والذي تمرس بقسمة العالم أجمع إلى "فسطاطين"، أحدهما مسلم تحت إمرتهما، والآخر صليبي صهيوني تحت إمرة أمريكا، وبدأوا حرباً لا تنتهي.
ولكي يكتمل تخبط باكستان بخطابها الديني الملتبس، فإن مؤسستها السُنية ـ الوهابية المتشددة، شنت حملة شعواء على مسلمي باكستان من الشيعة والأحمدية والبهائية، وأنصار أي فرق إسلامية أخرى، بصفتهم من الفرق الضالة. ولا يمر أسبوع الآن في باكستان إلا وهناك مواجهات وتفجيرات يذهب ضحيتها عشرات سواء من "فسطاط الضالين" أو "فسطاط الناجين"!.
إن محنة باكستان في عيد ميلادها الستين، أن فسطاطها، ظل ينقسم و يتشرزم،  ويتخلف. بينما الفسطاط الهندي ينطلق في سلاسة نسبية. ورغم أن سكانه قد تجاوزوا المليار، وفيهم من المسلمين الآن مثل ما في باكستان (150 مليون)، إلا أن متوسط الدخل الفردي في الهند يفوق مثيله في باكستان بحوالي ألف دولار (3930 مقارنة بـ 3000)، ومعدل النمو الاقتصادي السنوي يفوق مثيله بأربع نقاط مئوية (9.0% مقارنة بـ 5.0%).
إن هذه الفروق هي نتاج التطرف الديني والديكتاتورية العسكرية في باكستان. وقد يتحمل أي مجتمع أحدهما لعدة سنوات، أما أن يصاب بلد بالبلاءين معاً كما هو الحال في باكستان، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية