حينما يكتب من هو مثلي بشكل دوري في الصحافة، فهو عادة ما تحكمه فلسفة واعية أو غير معلنة، وهو عادة ما يكتب بأسلوب يختلف فيه عن الآخرين. وهو نادراً ما يستطيع التنبؤ بردود أفعال القراء أو السلطات الحاكمة.
والشاهد على ذلك مؤخراً، مقالتين نشرا في "المصري اليوم"، وعدة صحف عربية أخرى عن رحلتي إلى فيتنام في خرف عام 2007. كانت المقالة الأولى بعنوان "البحث عن مستقبل للعراق في فيتنام" (27/10/2007)، والثانية بعنوان "من فيتنام ... للجزائر... للعراق" (3/11/2007). وقد نشرا المقالان أيضاً على عدة مواقع إلكترونية، عربية (إيلاف) وأجنبية (ميمري... MEMRI). كذلك نشرت ردود الفعل الواسعة على هذه المواقع وسأكتفي هنا بالرد والتعليق على ما جاء من ردود فعل من ثلاثة فقط من الأخوة العراقيين، هم: د. عبد الخالق حسين، أستاذ جامعي وناشط سياسي عراقي، أ. كاظم حبيب، كاتب صحفي معروف، وأ. هوشنج بركة، كاتب وشاعر كردي معروف.
وقد قام كل منهم، مستقلاً، باستعراض فقرات المقال فقرة، فقرة، والرد عليها بإسهاب. أما المشترك بين الأخوة العراقيين، فهو: 1ـ لغة الحسرة وخيبة الأمل في كاتب يحملون له (على حد قولهم) احتراماً كبيراً. 2ـ عدم جواز المقارنة بين نضال الفيتناميين والجزائريين، والذي كان جزءاً من حركات التحرير العالمية في زمانه، وما يجرى في العراق الآن من إرهاب وقتل عشوائي، ونسف مفردات البنية الأساسية، من جسور وخطوط أنابيب ومدارس ومستشفيات، وإثارة الفتنة الطائفية بنسف المساجد والأضرحة والعتبات المقدسة.
وهذا كله صحيح، ويضفي على الصراع في العراق "طابعاً قبيحاً، لا يبدو أن حروب وحركات التحرير، قد عرفته" في الخمسينات والستينات. ونتوقف هنا مع الأخوة العراقيين العاتبين، وربما معهم قراء آخرين. لقد وضعنا عبارة "طابعاً قبيحاً لا يبدو أن حروب وحركات التحرير قد عرفته" لأن واقع الأمر والتاريخ التفصيلي المسجل لهذه الحركات، يشير إلى أنها اتبعت وسائل إرهابية طالت "مدنيين" غير مقاتلين في كل من فيتنام والجزائر. من ذلك الهجوم المعروف "بهجوم رأس السنة البوذية" (Tet Offensive) في يناير 1965، وكذلك سلسلة تفجيرات المقاهي التي كان يرتادها الأوربيون المدنيون في مدن الجزائر ووهران وقسطنطينية في العامين الأخيرين للثورة الجزائرية، وهو ما وثقه فيلم "معركة الجزائر" (Battle Algzir).
طبعاً يقال أن تلك الأعمال الإرهابية كانت رداً على فظائع ارتكبتها قوات الاحتلال ضد الأهالي العزّل. وهو أيضاً صحيح. وخلاصة القول هنا هو أن الفوارق بين العراق من ناحية وكلا من فيتنام والجزائر من ناحية أخرى هي فروق في "الدرجة" وليست في "النوع". وفروق "الدرجة" هي ما يفرضها السياق التاريخي والحضاري عادة.
الشيء الآخر الذي يفوت القراء المعاصرين هو أنهم يقرأون عن حركات تحرير قد انتصرت بالفعل. وكالعادة، حينما يكتب المنتصر التاريخ فإنه يعمد إلى تنظيف وتعقيم ما يخصه، حيث يظهر كصاحب حق، حارب في سبيله ببسالة ونُبل وشرف. وعلى العكس من ذلك، يظهر العدو كظالم، خسيس وجبان. وربما لهذا النمط المتكرر في النظر إلى فرقاء أي صراع، خلص المراقبون المحايدون إلى أن "الإرهابي" عند طرف هو "فدائي" عند الطرف الآخر. فمناحم بيجين وأنور السادات، اتهما وحوكما وأدينا بتهمة الإرهاب. في مرحلة من حياتهما، ثم حصلا على جائزة نوبل للسلام في مرحلة تالية.
أما في الحالة العراقية فإن الوضع أكثر تعقيداً. فساحة الصراع لا تضم فريقين فقط، كما كان الحال في الجزائر، مثلاً، حيث كان هناك مقاتلوا جبهة التحرير في مواجهة قوات الاحتلال الفرنسية، وهو ما جعل خطوط المعارك واضحة فاصلة. أما في العراق فإلى جانب الطرف الأجنبي الدخيل. والذي يسميه البعض "غازياً" أو "محتلاً"، ويسميه البعض "محرراً" مثلما ذهب د. عبد الخالق حسين والشاعر هوشنج بركة. وفي المقابل هناك من يقاومونه. وهؤلاء المقاومون ينقسمون بدورهم إلى ثلاث فرقاء على الأقل، لكل منهم أجندته الخاصة. فهناك فلول البعثيين القدامى، أنصار صدام حسين، الذين يقاومون، من أجل استعادة السلطة التي فقدوها بين 19 مارس و9 إبريل 2007. وهناك الذين اكتشفوا متعة السلطة بعد طول حرمان، ويرمز لهم مقتدى الصدر، ومن على شاكلته وتدعمهم إيران. وهناك ثالثاً، فلول تنظيم القاعدة، الهاربون من أفغانستان، والمتعطشون إلى الانتقام من أمريكا. ويمثل العراق لهم ساحة قتال مثلى لحرب استنزاف طويلة. وهناك إلى جانب الأطراف الأربعة المتصارعة هؤلاء، طرف خامس هو أكراد العراق، الذين هم أنفسهم فريقان: الحزب الديمقراطي، الذي يقوده السيد/ مسعود البرزاني، رئيس إقليم كردستان حالياً، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي يتزعمه السيد/ جلال الطالباني، رئيس الجمهورية الحالي لعموم العراق. أي أنه توجد في العراق الآن سبع قوى متنافسة على السلطة، وتأخذ مواقف مختلفة من الطرف الأمريكي المحتل لبلدهم العراق. فالقوى الكردية عموماً، وبعض القوى العراقية الشيعية، لا تناصب هذا الاحتلال العداء، ولا ترفع السلاح، في وجهة. وقد انضم إليهم مؤخراً العديد من القبائل العراقية، ذات الأغلبيات السُنية، في جنوب وغرب العراق. وهؤلاء لا فقط يهادنون قوات الاحتلال، بل أصبحوا يساعدونها في محاربة فلول القاعدة والبعثيين. وهو ما أدى في الربع الأخير من عام 2007 إلى انخفاض العمليات الإرهابية إلى أربعين في المائة مما كانت عليه قبل عام (خريف 2006).
إن الذي فعلته في الفقرات الثلاثة الأخيرة من هذا المقال هو تسجيل لوقائع، أي معلومات. وفي ذلك نسمي الأشياء بأسمائها. فالوجود الأمريكي في العراق، أسميه أنا "احتلالاً"، وهكذا تسميه الأمم المتحدة، بل والولايات المتحدة نفسها. وقد سجلت أيضاً مواقف الفرقاء العراقيين من هذا الاحتلال، وهي مواقف متباينة، ومتغيرة بمرور الوقت. من ذلك أن القبائل العراقية في غرب وجنوب العراق كانت متحالفة مع فلول البعثيين والقاعدة في مقاتلة قوات الاحتلال، ثم تغير موقف هذه القبائل لأسباب عدة، لا يتسع المقام للدخول في تفاصيلها.
إن تسجيل أو وصف الواقع شيء، وتحليله شيء ثاني، وتفسيره شيء ثالث، وإصدار أحكام قيمية بشأنه شيء رابع. ومن يقرأ مقالاتي عن فيتنام، بل ما اكتب في موضوعات وحول قضايا أخرى، سيلاحظون نفس المنهج: معلومات ووقائع أولاً، ثم تحليل، ثم تفسير، ثم أخيراً إصدار حكم قيمي ـ أي مع أو ضد.
وقد كان استخدام فيتنام في هذا كله كخط مرجعي للتحليل، وذلك لاقتناعي أن المجتمعات التي تتعرض لصراعات ممتدة، تنهض في النهاية وتندفع على مسار التقدم بوتيرة أسرع من جيرانها. كما لو كانت تعوض سنوات الصراع. وهذا ما أتوقعه للعراق حينما تصمت المدافع.
ولكن الأخوة العراقيون الثلاثة، الذين ذكرتهم في صدر هذا المقال، قد وجهوا عتاباً قوياً لهذا الكاتب، لأنني لم أبدأ بحكم قيمي. وربما هم معذورين في ذلك، فحين يكون الإرهاب صوب منزلك أو محل عملك، فلا وقت لديك للتقرير والتحليل والتفسير. فقط لديك لحظة أو لحظات قصيرة للاستغاثة وطلب النجدة. وكما يذهب المثل الشائع "إن من يده في الماء، ليس كمن يده في النار". وحينما كتبت مقالاتي عن فيتنام والجزائر والعراق، كانت يداي في الماء. أما الزملاء عبد الخالق حسين، وكاظم حبيب، وهوشنج بركة فإن أيديهم كانت وما تزال في النار. فلا تثريب عليهم، وعتابهم مقبول، وكان الله في عون العراق وعونهم.