Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

العرب بين ثقافة الفناء وثقافة الحياة في إيطاليا

12/07

د. سعد الدين  إبراهيم

في الأسابيع الثلاثة، من أواخر نوفمبر إلى منتصف ديسمبر، تجوّلت في سبع بلدان أوروبية وأمريكية (المجر، إيطاليا، بلجيكا، ألمانيا، اليونان، وكندا، والولايات المتحدة)، للمشاركة في مؤتمرات، أو إلقاء محاضرات. وصدق القول المأثور، "إن في الأسفار سبع فوائد". وهو ما يعني أنني في أسفاري إلى تلك البلدان السبعة قد جنيت تسعاً وأربعين فائدة! فما شاء الله، ورُب ضارة نافعة. فأولئك الذين أرادوا إخماد صوتي داخل مصر، ربما لم يدركوا، أن أرض الله واسعة، وأن سماواتها مفتوحة، وأن مياهها متدفقة، وأن أضوائها متلألأة!.
وفي كل هذه البلدان السبعة ـ كبيرها وصغيرها ـ التقيت مصريين وعرباً ـ لاجئين، أو يعملون، أو يدرسون، أو يعبثون. وأتوقف في هذا المقال في احد المحطات الهامة وهي إيطاليا، التي أصبحت ساحة حافلة بالحوار والجدل حول الشئون العربية والإسلامية والشرق أوسطية. وربما أكثر من أي شعب أوروبي آخر، يشعر الإيطاليون بعلاقة خاصة وحميمة مع العرب والمسلمين. وربما كان ذلك بسبب القرب الجغرافي، على الشاطئ المقابل للبحر المتوسط. وربما كان بسبب التداخل الحضاري، الذي بدأ مع الإمبراطورية الرومانية قبل ألفي عام، واستمر عبر الإمبراطوريات الإسلامية والأوروبية المتتالية خلال تلك القرون العشرين. وقد شاركت إيطاليا، شأن دول أوروبية أخرى في التجربة الاستعمارية الحديثة، وإن كانت أقصرهم جميعاً. فقد احتلت ليبيا والصومال، خلال فترة ما بين الحربين (1918-1939). ولم يترك هذا الاحتلال آثاراً تذكر، إيجاباً أو سلباً. بل على النقيض، انتقل مئات الألوف من الصوماليين واللبيبين والآثيوبيين إلى إيطاليا، واستقروا في مدنها، واندمجوا في المجرى الرئيسي للحياة فيها. وقد تكون من هؤلاء نواة بشرية شجعت غيرهم من الشباب العربي، الطامح أو الطامع أو اليائس، للهجرة إلى إيطاليا. 
وسنة بعد أخرى تضاعف عدد اليائسين بحثاً عن فرص للعمل والحرية على الشاطئ الآخر للبحر المتوسط. وظلت إيطاليا هي المقصد الأقرب والأفضل. وتدريجياً، ضيّقت أوروبا الخناق على الهجرة من الجنوب عموماً، ومن مصر "خصوصاً". وعرف العالم في السنوات الأخيرة ظاهرة "قوارب الموت". وهي تلك المراكب البدائية التي يستخدمها اليائسون من أي نقطة على الشاطئ الجنوبي إلى أي نقطة على الشاطئ الشمالي للبحر المتوسط. ولكن أغلب هذه القوارب البدائية تغرق بمن عليها من بشر، في عرض البحر، ليصبحوا غذاء لأسماك البحر المتوسط.
ومع ذلك صادفت في إيطاليا عشرات من المصريين والعرب، الذين كانوا قد هاجروا بصورة شرعية منذ عقدين أو ثلاثة، أو بصورة غير شرعية منذ سنوات قليلة، بعد نجاتهم من "قوارب الموت". وقد أحرز أولئك وهؤلاء أقساطاً متفاوتة من النجاح. ومن المهاجرين المبكرين الذين أبهروا المجتمع الإيطالي الصحفي المصري "مجدي علام"، والذي شق طريقه إلى أن أصبح رئيساً لتحرير كبريات الصحف اليومية وهي "كوراييرا دي لاسيرا". وهو أول إيطالي من أصل أجنبي يحرز هذا السبق. وأصبح المصري ـ الإيطالي مجدي علام، أحد النجوم اللامعة في الحياة الثقافية ـ الاجتماعية. وهو مشارك دائم في كل المنتديات العالمية التي تعقد في إيطاليا. لذلك كلما دُعيت أنا لمؤتمر في روما، فإنني أراه، وأستمع إليه، ويزداد إعجابي بوضوحه الفكري، وعقلانيته، وقدرته على تفسير ما يصعب على الإيطاليين استيعابه من أحداث مصرية وعربية وشرق أوسطية. ولا يُخفي الإيطاليون إعجابهم بمجدي علام. وحينما يصادفون أي زائر مصري إلى بلادهم، فإنهم يسارعون بسؤاله عما إذا كان يعرف مجدي علام. وطبعاً ينطبق على مجدي علام في مصر القول المأثور "لا كرامة لنبي في أهله"، أو "شاعر الحي لا يُطرب". إن الإيطاليين يشعرون مع مجدي علام، بنفس الفخر الذي يشعر به البريطانيون مع الجراح المصري الأشهر مجدي يعقوب، والذي يشعر به الأمريكيون مع العالم المصري، صاحب نوبل أحمد زويل. ففي هذه المجتمعات الديمقراطية المفتوحة تتفتح كل الزهور، حتى لو كانت بذورها وجذورها من بلدان أجنبية أخرى.
كذلك من المصريين الناجحين الذين صادفتهم في روما، جميل عادل سليمان، صاحب ومدير مطعم "الحديقة الرومانية" (ILGIRDINO ROMANO )، وهو من أشهر مطاعم العاصمة الإيطالية، وشريكه مدحت سليمان. وتعتبر الدعوة للغداء أو العشاء فيه تكريماً شديداً لأي ضيف من الخارج. لذلك يتعمد منظموا المؤتمرات أن يجعلوا العشاء الأخير للمشاركين في "الحديقة الرومانية". ولدى دخولنا المطعم الأنيق قابلني وجه مبتسم، بدى عليه أنه شرقي، وبادرني بالسؤال بلهجة مصرية، "هل حضرتك د. سعد الدين وهبه؟" فابتسمت وقلت له "البقية في حياتك، فقد انتقل سعد الدين وهبه إلى رحمة الله منذ أكثر من عشرة أعوام...!". فقال "عفواً... أقصد د. سعد الدين إبراهيم" فرددت بالإيجاب، وعبّر الرجل عن سعادته، وأنه كثيراً ما يراني على الفضائيات. المهم، إن جميل عادل سليمان، كان يعود إلى مائدتي، بين الأطباق المختلفة ليتحدث معي لدقائق... ومن هذه الأحاديث تجمعت تفصيلات قصة حياته. فهو خريج كلية الزراعة، وعمل في الحكومة لمدة سنة واحدة، شعر فيها بضيق شديد لضعف الراتب، والبيروقراطية وتسلط الرؤساء، وكان ذلك منذ ثلاثين عاماً. فغامر بالسفر إلى إيطاليا... وعمل في مطاعمها، بدءاً بأدنى الأعمال، وهو غسيل الصحون، إلى تنظيف الموائد، إلى الخدمة في المطبخ، إلى تعلم طهي الأطباق الإيطالية، إلى أن أصبح رئيساً للطهاة (شيف)، ثم شريكاً في مطعم، ثم صاحب هذا المطعم الشهير في قلب العاصمة الإيطالية. ويعمل مع جميل سليمان وشريكه مدحت سليمان  في الحديقة الرومانية أكثر من عشرين شخصاً، نصفهم من المصريين. وهو فخور بهم لجدهم واجتهادهم، وسرعة التقاطهم لمهارات العمل، وهو يساعدهم ويشجهم على أن يستقلوا بملكية أعمالهم الخاصة. ويقول جميل أن آخرين ساعدوه في حياته، وهو يفعل نفس الشيء للآخرين، كلما استطاع إلى ذلك سبيل. فهو "جميل ويرد جميل الآخرين!".
كان أحد المؤتمرين في روما عن "الإرهاب"... وهو أحد الموضوعات التي تكثر حولها المؤتمرات في السنوات العشر الأخيرة، وخاصة بعد تفجيرات مركز التجارة العالمي، في نيويورك (11 سبتمبر 2001). وقد شارك في المؤتمر كل مراكز الأبحاث الأوروبية الشهيرة... وقد خصص يوم كامل "للإرهاب ووسائل الاتصال الحديثة".
ومن ذلك الاستخدامات المبهرة "للمتطرفين الإسلاميين للإنترنت"، وخاصة تنظيم "القاعدة"، الذي يتزعمه المنشق السعودي أسامة بن لادن، ونائبه المنشق المصري أيمن الظواهري.
وكما لو كان ابن لادن يعلم موضوع وتوقيت ومكان المؤتمر، حيث تعمد أن يعلن من خلال شبكة "الجزيرة"، أنه سيوجه رسالة إلى أوروبا، يوم 28 نوفمبر 2007. أي في اليوم الأول للمؤتمر. وترقب السياسيون والباحثون والأجهزة الأمنية الأوروبية والعالمية الموعد، والتقطوا الرسالة باهتمام شديد، وتولوا ترجمتها وتحليلها وتفسير مغزاها. وطغى هذا الحدث في ذلك اليوم على كل أعمال المؤتمر. فكان ابن لادن شريكاً رئيسياً بالفعل. كانت رسالة بن لادن لأوروبا هي: أيها الأوروبيون، إننا لا نعاديكم، ولكن نعادي مصدر الخطر الأعظم في العالم. وهو أمريكا... فلتبتعدوا عن أمريكا... ولتسحبوا قواتكم من أفغانستان، حتى يستطيع شعبها الفقير أن يعيش في أمان". واعتبر المحللون الأوروبيون، وخاصة من وزارة الدفاع الألمانية، وجامعة كمبردج البريطانية، أن رسالة بن لادن، بصرف النظر عن صدقها أو إخلاص صاحبها، هي عمل إعلامي ذكي. فقد استحوذ على اهتمام العالم في تلك الدقائق، كما لا يستحوذ أي شخصية سياسية، بما في ذلك الرئيس الأمريكي أو أي رئيس دولة آخر. وهو (ابن لادن) وجه رسالة خصّ بها الأوروبيين، في محاولة واضحة لشق الصف الغربي. وهو ثالثاً، حاول استدرار العطف العالمي لشعب أفغانستان المسكين في مواجهة قوى أجنبية جبّارة.
في مقابل هذه الرسالة عرضت د. كاترينا فون نوب، فيلماً وثائقياً تحليلياً لرسائل بن لادن والظواهري، الموجهة للشباب المسلم، سواء من أعضاء القاعدة، أو الذين تحاول القاعدة تجنيدهم وتدريبهم على القتال وأساليب التدمير، وكيفية تعبئة هؤلاء الشباب لكراهية الآخر غير المسلم، ثم لكراهية المسلمين الآخرين الضالين، سواء كانوا حكاماً أو محكومين، وضرورة الفتك بهم، تلبية "للفريضة الغائبة"، وهي فريضة "الجهاد". أي أن الباحثة الألمانية الحسناء، التي تجيد العربية الفصحى، واللهجات العامية المصرية والفلسطينية، واللبنانية، والتي تخصصت في دراسة التطرف والمتطرفين الإسلاميين، أرادت من خلال عرض ورقتها وأفلامها أن توحي للمؤتمر برسالة أخرى، وهي أن هؤلاء المتطرفين، هم أولاً، ذو مهارات اتصالية هائلة، بما في ذلك مهارتي الدهاء والخداع وأنهم، ثانياً، ذوي نوايا وتصميم هائل على المواجهة. وأنهم، ثالثاً، ذوي قدرات قتالية وتدميرية عالية. وإنهم، رابعاً، لا يعرفون الرحمة أو الشفقة بخصومهم وأعدائهم، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. بل أن الشاهد هو أن ضحايا إرهاب تنظيم القاعدة من المسلمين في السنوات العشر الأخيرة يفوق ضحاياها من غير المسلمين بخمسة أمثال. وقد امتد إرهابها من بالي الإسلامية في إندونيسيا إلى مالي الإسلامية في غرب إفريقيا.
وهكذا، في زيارتنا لإيطاليا، رأينا مشاهد متباينة ومتناقضة للعرب والمسلمين. بعضها تجسمه قوارب الموت لليائسين، وبعضها تجسمه رسائل الجهاد والقتل والوعيد للغاضين، وبين هذا وذاك سعى دءوب لحياة كريمة للمجتهدين. فسبحان الله أرحم الراحمين.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية