في طفولتنا، ونحن نستمع بشغف إلى قصص ألف ليلة وليلة، كانت ترد على ألسنة الرواة، وشعراء الربابة، أسماء بلاد بعيدة وغريبة ـ مثل "الواق.. الواق"، "ونيام نيام"، و"تمبكتوا"، و"باماكو".. وفي صبانا حينما كان الزعيم جمال عبد الناصر في أوج شعبيته مصرياً وعربياً وإفريقياً وإسلامياً، كنا نسمع عن آباء الاستقلال في بلدان هذه العوالم ـ مثل شكري القوتلي، وأحمد بن بيلا ومحمد الخامس، وكوامي نكروما، وسيكوتوري، وموديبوكيتا. فضلاً عن نهرو، وسوكارنو، وتيتو. ولم يخطر ببالي في مرحلتي الطفولة والصبى، أنني سأزور هذه الأمكنة الغريبة البعيدة.
لذلك رحبت بدعوة "مجموعة البلدان الديمقراطية" (Community of Democracies). لحضور اجتماعها الدوري الذي قررت المجموعة عقده لأول مرة في القارة الإفريقية. وكانت هذه المجموعة قد تشكلت عام 2000، وقصرت عضويتها على البلدان التي تكرّست فيها الديمقراطية بالفعل، وكذا تلك التي أخذت خطوات جادة ومتراكمة في التحول إلى الديمقراطية. وكانت منظمات المجتمع المدني في كل من إيطاليا، وأسبانيا، وبولندا، وتشيلي، هي التي أخذت المبادرة لتنفيذ فكرة تنظيم بلدانها، حكومات وأحزاب وبرلمانات، للدفاع عن الديمقراطية والتبشير بها كأفضل أنظمة الحكم التي توصلت إليها المجتمعات الإنسانية، في مسيرتها الممتدة عبر آلاف السنين.
وكان المؤتمر التأسيسي الأول لمجموعة البلدان الديمقراطية قد انعقد في النصف الثاني من شهر يونيه 2000 بمدينة "وارسو"، عاصمة بولندا، وحضرته الكويت والأردن والمغرب ومصر من العالم العربي، إلى جانب حوالي مائة بلد أخرى. ووقعت هذه البلدان "إعلان وارسو" التي تعهدت فيه بالحفاظ على القيم والممارسات الديمقراطية، وعلى الاحترام الصارم للإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، والمواثيق التالية التي انبثقت عنه خلال العقود الخمسة اللاحقة. ولكي لا تتحول المجموعة إلى مجرد تكتل عددي بلا روح، فإنها ارتضت في إعلان وارسو، أن يكون استمرار العضوية مرتبط بمعايير الاحترام والأداء للقيم والممارسات الديمقراطية والحقوقية، داخل حدودها الوطنية، وأن تتم مراقبة ذلك بواسطة منظمات المجتمع المدني العالمية ـ مثل منظمة العفو الدولية، والشفافية الدولية، والحقوقيين الدوليين، وغيرها من المراصد. أي أن المجموعة أخذت بنفس "ممارسة ضبط الجودة" (ISO) في عالم الأعمال. وكان من مظاهر جدية "مجموعة البلدان الديمقراطية" أنها في مؤتمرها التالي، عام 2002، في مدينة "سيول" (عاصمة كوريا الجنوبية) طردت حكومات مصر وروسيا وعدة بلدان أخرى من العضوية الكاملة، وخفضتها إلى عضوية منتسبة (مراقب) بسبب مخالفات حقوقية جسيمة، وسنعود إلى قضية طرد النظام المصري من المجموعة في مقال آخر.
كان المؤتمر الثالث للمجموعة في مدينة سنتياجو، عاصمة تشيلي، في أمريكا اللاتينية. وحاولت مصر وروسيا العودة للعضوية الكاملة، ولكنها وبلدان أخرى لم تفلح. فكيف حصلت "مالي"، وعاصمتها باماكو على العضوية الكاملة، ثم استمرارها، ثم شرف استضافتها للمؤتمر الرابع للمجموعة؟
إن هناك تنافساً شديداً بين أعضاء المجموعة على استضافة مؤتمراتها، التي أصبحت بمثابة أولمبياد الديمقراطية شأنه في ذلك شأن التنافس على استضافة "المونديال" في كرة القدم، أو دورة الألعاب الأولمبية. فالاستضافة هي مؤشر للاستقرار وحكم القانون، ويشارك البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكل المنظمات الحقوقية الدولية والشركات الكبرى في هذا "الأولمبياد الديمقراطي". ويعرض فيه المشاركون ـ حكومات ومجتمع مدني وشركات ـ أخر ممارساتهم وإبداعاتهم في تعظيم المشاركة في العمل العام، والمراقبة والمحاسبة، و مناهضة الفساد، والتسوية السلمية للخلافات والصراعات الأهلية والإقليمية. وكذا عرض الإبداعات الجديدة في تحقيق المساواة بين الجنسين، وللأقليات المهضومة الحقوق تاريخياً في مجتمعاتها.
وعودة إلى "مالي"، التي تنافست مع جنوب إفريقيا والمغرب والسنغال على الاستضافة، وحظيت هي بها. لقد كان ضمن مبررات المحلفين (المحكمين) في اختيار مالي، هو أنها رغم أنها أفقر البلدان الأربع المتنافسة، إلا أنها كانت أكثرهم التزاماً بكل معايير التعددية، والتناوب على السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة في ظل رقابة دولية. فرغم أن البلدان الثلاث الأخرى التي تنافست مع مالي على استضافة الأولمبياد الديمقراطي، تحظى أيضاً بانتخابات حرة ونزيهة، إلا أنها لم تشهد تداولاً على السلطة، مما جعلها أشبه بأنظمة الحزب الواحد. فما هي قصة مالي عن قرب؟
كانت مالي، مثل كثير من بلدان غرب وشمال إفريقيا، مستعمرة فرنسية، لأكثر من قرن من الزمان. ولكنها استقلت في ستينيات القرن العشرين، مع غيرها ممن شهدت حركات التحرير. وكان الزعيم "موديبو كيتا" الذي تزامن مع وصادق الرئيس عبد الناصر، هو الذي قاد حركة تحرير مالي. وانتخبه شعبه كأول رئيس للبلاد. ولكنه كغيره من زعماء ما بعد الاستقلال في العالم الثالث، استمرأ احتكار السلطة والبقاء فيها إلى أن ضاقت به قطاعات كبيرة من نفس الشعب الذي كان قد التف حوله وهتف باسمه في سنوات الكفاح من أجل الاستقلال، وفي السنوات الأولى من عمر الدولة الجديدة. وانتهز بعض ضباط الجيش هذا التململ الشعبي، وانقلبوا على موديبو كيتا. وظلت الديكتاتوريات العسكرية تتتابع، إلى أواخر ثمانينات القرن الماضي، وإلى أن كان أخرها بقيادة ضابط تلقى عدة دورات عسكرية في عواصم غربية، لمس فيها هو وغيره من شباب الضباط أهمية الديمقراطية للاستقرار والتنمية والازدهار. هذا الضابط هو العقيد "محمدو توري". فتعهد هو وزملاؤه، أن يكون انقلابهم (1988) هو أخر الانقلابات، حيث أنهم سيعدون بلدهم في غضون فترة زمنية لا تتجاوز سنتين لحكم ديمقراطي نزيه، تحت إشراف دولي. ولإثبات الجدية وحسن النوايا، تعهد هؤلاء الضباط بترك الخدمة، وخلع زيهم العسكري، مع نهاية الفترة الانتقالية وإقرار دستور ليبرالي، لا يسمح لأي رئيس منتخب بأن يتجاوز فترتين رئاسيتين، أقصاهما معاً عشر سنوات.
وصدق "محمدو توري" وزملاؤه بما وعدوا به. وتم بالفعل انتخـاب رئيس مــدني، هـو د. ألفا عمر كوناري، أستاذ التاريخ بجامعة باماكو. وكان أداؤه جيداً، فأعيد انتخابه لفترة أخرى، أصبح بعدها الرئيس السابق أحمد عمر كوناري. وقد تسلم السلطة منه الرئيس المنتخب الجديد الذي رشحه أحد الأحزاب الرئيسية (آدما، باريا، والشعب)، والذي تصادف أن يكون الضابط المتقاعد "محمدو توري".
وقد استضافنا الرئيس المالي محمدو توري على العشاء في الليلة الأخيرة للمؤتمر. وسألته مداعباً، "هل حينما قام بالانقلاب، وسلم السلطة لحكومة مدنية منتخبة، كان يخطط للعودة إلى القصر الجمهوري، حيث العشاء، ولكن كرئيس منتخب، بعد عشر سنوات؟" وأجاب الرجل بعفوية، "تمنيت ذلك بالفعل وقتها، ولكني لم أخطط للأمر. فعشر سنوات هي فترة طويلة، ولا أحد يستطيع التحكم في مجريات الأمور في العالم الثالث لعشرة شهور، ناهيك عن عشر سنوات! ولكني سعيد بما حدث، وأنا الآن في سنتي الأخيرة من فترة رئاستي الثانية، وأتطلع بكل فخر لتسليم السلطة لمن سيُنتخب ليخلفني في العام القادم". وفي نهاية المساء، وأنا أهم بالانصراف، سألت الرئيس محمدو توري، هل يعتقد أن جيرانه الموريتانيين في الشمال، سيفعلون نفس الشيء؟ ابتسم الرجل وقال بنفس العفوية، أنه لا يستبعد ذلك، خصوصاً أن العقيد محمد ولد فال وزملاؤه كانوا قد زاروا مالي بالفعل، وأطلعوا على تجربتها تفصيلاً، بل وصاغوا دستورهم على نفس المنوال تقريباً. فقلت "هذا معناه أن العسكريين يعودون إلى الحكم كل عشر سنوات!". قال الرئيس توري، "لا ليس بالضرورة، فالناخبون هم الذين يقررون"... ثم سألني "كم سنة ظل الرئيس مبارك في السلطة؟" فلما أخبرته بأنه يدخل عامه السابع والعشرين، قال "أليس حالنا أفضل قليلاً؟" سارعت بقولي، لا يا سيدي الرئيس، بل أفضل كثيراً، ليتنا كنا مثلكم!". قال "ولكن ليس لدينا أهرامات أو حضارة خمسة ألاف سنة!" شددت على يد الرئيس محمدو توري مودعاً "تصبحون على خير سيدي الرئيس".
لقد ذكرتني تجربة مالي، بما كانت عليه الهند من خمسين عاماً، حيث كانت هذه الأخيرة فقيرة، لا يتعدى متوسط الدخل الفردي مائة دولار سنوياً، وكانت نسبة الأمية فيها تزيد على سبعين في المائة. فمتوسط الدخل الفردي في مالي الآن هو 350 دولار سنوياً، أي ربع متوسط الدخل الفردي في مصر، وهو ما يجعلها من أفقر عشرة دول في العالم. كما أن نسبة الأمية فيها تزيد عن 60%. ورغم ذلك فهي تهنئ بالديمقراطية والحرية والاستقرار. وكما خطت الهند ببطئ، ولكن باضطراد، فكذلك مالي. فقد تضاعف الدخل الفردي في السنوات العشر الأخيرة. ويصل معدل النمو الاقتصادي السنوي 5%. ورغم تواضع هذه المعدلات، إلا أن توقعات الناس هناك أيضاً متواضعة. وتبدو حياتهم آمنة ومستقرة، على الأقل في العاصمة وضواحيها. وحينما عبّرت عن هذا الانطباع لسفيرنا في مالي، وعما إذا كان الانطباع صحيحاً، أكد لي السفير المصري مصطفى الجندي نفس الشيء بعد ثلاث سنوات من الإقامة والتجول في مالي.
لقد كنا قد تعلمنا في علم الاجتماع السياسي أن للديمقراطية شروط لا بد من توافرها لكي تبدأ، وتستمر، وتتجذّر منها نسبة عالية من التعليم والدخل والتحضر، ووجود طبقة وسطى، ونخبة سياسية مؤمنة بالقيم الديمقراطية. ومن هذه الشروط الخمسة، لم أجد في مالي متوفراً غير شرط واحد، وهو نخبة سياسية تؤمن بالقيم الديمقراطية. ويبدوا أن هذا الشرط هو مربط الفرس، وهو متوفر في مالي كما كان متوفراً في الهند، لذلك لديهم ديمقراطية. وهو غير متوفر عندنا، ولذلك ليس في مصر ديمقراطية ولكن العزاء، هو أن عندنا ـ كما قال الرئيس محمدو توري ـ "الأهرامات والخمسة آلاف سنة حضارة". فلا حول ولا قوة إلا بالله.