Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

مقالات د. سعد الدين إبراهيم

أيها المصريون أرفضوا المساس بالمادة 88، وأصروا على قاضي لكل صندوق
 د. سعد الدين إبراهيم

 يعد 23 سنة من رفض الرئيس مبارك تعديل أي مادة في الدستور، إذا به فجأة يفتح الباب لتعديل المادة 76 منذ سنتين، ثم لتعديل 34 مادة دفعة واحدة في عام 2007. أي بعد "الإمساك" المزمن لنظام الرئيس مبارك، إذ به يصاب "بالإسهال" الدستوري. وقد انشغل الرأي العام المصري باحتواء هذا "الإسهال". فمثل أي عرض مرضي، انشغل كل قطاع من الرأي العام بالسجال والجدل حول مادتين أو ثلاثة، هنا أو هناك، تستحق التعديل بهذا الشكل أو ذاك.

 وفي هذا "الإسهال" يحاول النظام أن يبق على المواد التي تكرّس وجوده في السلطة، بلا شريك أو رقيب أو حسيب. من ذلك أنه يرفض تعديل المادة77، التي تسمح بإعادة الترشيح وشغل منصب رئيس الجمهورية إلى الأبد ـ ما لم تغتالهم رصاصة أو يختارهم الله إلى جواره! وفي نفس الوقت يريد النظام أن يلغي أو يعدّل بعض مواد الدستور التي تمكنه من تزوير الانتخابات. من ذلك اقتراح الرئيس مبارك بإلغاء أو تعديل المادة 88 من الدستور، التي تنص بصياغتها الحالية على أن يشرف القضاء على الانتخابات، وهو ما أدى إلى تقليص التزوير في الانتخابات إلى حد كبير، وإن لم يمنعه تماماً. فحتى هذا القدر من النزاهة والأمانة في الحياة العامة المصرية يزعج نظام الرئيس مبارك إلى الدرجة التي تدفعه إلى تعديل المادة 88 حتى يستبدل القضاة بموظفين إداريين للإشراف على الانتخابات، وهو ما ينطوي على احتمالات تزوير الانتخابات، تنفيذاً للتعليمات الإدارية من رؤسائهم. وهو الأمر الذي ينتفي أو يندر في حالة القضاة، الذين لا يتلقون تعليمات إدارية من أي سلطة، حيث أنهم ينشأون على احترام القانون، ولا يستمعون إلا لضمائرهم. ولعل هذه التنشئة الأخلاقية ـ المهنية الصارمة للقضاة هي التي جعلتهم محل ثقة الشعب. وآية ذلك أنه حينما تعرّض اثنان منهم للتنكيل، وهما المستشاران هشام البسطويسي ومحمود مكي، بسبب وقفتهما الشجاعة في فضح من قاموا بالتستر على تزوير الانتخابات التشريعية الأخيرة (2005)، التف الناس حولهما وحاصروا دار القضاء العالي في قلب القاهرة، حيث كانت تجرى محاكمتهما ـ وليس محاكمة المزورين. وظلت جماهير غفيرة تتزايد حول مقر المحكمة رغم قوات الأمن الكثيفة، المدججة بالسلاح والدروع. لقد كانت المواجهة واضحة، فالمجتمع يحمي القضاة، ويلتف حولهم، بل ويحاصر الرموز الأمنية التي تحاول المساس بالقضاة، وتحاول إخراجهم عن شهادة حق، في وجه سلطان جائر. وهو الأمر الذي أجبر من أرادوا بالقاضيين شراً، إلى التراجع، لتهدئة الغليان، ولو إلى حين.

 إن السلطة القضائية المستنيرة العادلة هي التي يريد نظام الرئيس مبارك تحجيمها، وتقليص دورها في مراقبة الانتخابات، باقتراحه تعديل المادة 88 من الدستور، حتى يجعل المسئول عن الانتخابات هيئة أو لجنة خاصة، يدعي النظام أنها ستكون "مستقلة"، وسيشارك فيها القضاة، وتقوم هي بالإشراف على الانتخابات في "يوم واحد". ويبرر النظام هذا الاقتراح بمبررات عديدة، وتبدو للوهلة الأولى مبررات وجيهة. منها:

أولاً، أنه لا يوجد عدد كافي من القضاة للإشراف على الانتخابات في يوم واحد، وهو ما يستدعي إجراء الانتخابات على ثلاث مراحل، تستغرق معاً ستة أيام، وهو ما يعطّل "العدالة". وهذا التعطيل في نظر الرئيس هو "طامّة كبرى" فلا ينبغي في نظر سيادته إلا تعطيل العدالة أكثر من يوم واحد، كل خمس سنوات!.

ثانياً، إن الإشراف القضائي بالطريقة المذكورة أعلاه، والتي كانت قد قضت به المحكمة الدستورية العليا (7/7/2000)، وتم العمل به في الانتخابات البرلمانية عام 2000 ثم عام 2005، هو "بدعة" لا سابق ولا لاحق لها من أي بلد آخر في العالم. ومن ثم فلا بد من التخلص من هذه "البدعة" بنص دستوري صريح، باعتبار أن كل "بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار".

ورغم ما يبدو من وجاهة المبررين المذكورين، إلا أن القضاة أنفسهم، ممثلون في ناديهم العتيد، قد رفضوا المبررين، معتبرين ذلك لغواً هو أقرب إلى "كلمات حق يراد بها باطل". وهذا الباطل هو أن تقوم السلطة التنفيذية بتزوير الانتخابات، لا فقط في نتائجها، ولكن أيضاً تضخيم نسبة من يشاركون فيها. وربما ليس هناك جديداً في تزوير نتائج التصويت لصالح من تريدهم تلك السلطة، وهم غالباً من مرشحي الحزب الوطني الحاكم. وهو ما ثبت بأحكام من أعلى محاكم الديار المصرية، وهي محكمة النقض في انتخابات 1995 (88 دائرة من مجموع 222 دائرة)، وفي عدد أقل قليلاً في انتخابات 2000و2005، وخاصة في تلك الدوائر التي أشرف عليها "دخلاء"، تم إقحامهم في عملية الإشراف الذي يحكم في المنازعات بين المواطنين، طبقاً لقوانين البلاد، ولإجراءات مضبوطة في محاكم معترف بها، وفي جلسات علنية، أي على مرأي من المجتمع. وفيما عدا أولئك، فليسوا "بقضاة"، حتى لو كانوا من المشتغلين بالشئون القانونية في الأجهزة والمصالح الحكومية ـ مثل النيابة الإدارية، وهيئة قضايا الحكومة (الدولة). فالسلطة التنفيذية، ممثلة في وزير العدل، هي التي ترأس هؤلاء الموظفين، وتتحكم في ترقياتهم، وتنقلاتهم، ومكافآتهم. وبالتالي فهم غير مستقلين. وتوخياً لعدم الخلط هذا، فقد جرت العادة على تعريف "القاضي" بأنه ذلك الذي يجلس على منصة القضاة في محكمة. ولكن الحكومة بإعلامها الرسمي تمعن في طمس هذه الحقيقة، مستغلة في ذلك اللغة العربية الفضفاضة، وتغيير أسماء بعض أجهزتها، أو إدراج هذه الأخيرة، مع ممثلين للسلطة القضائية "الأصيلة" في "مجالس عليا" يرأسها رئيس الجمهورية. وبمرور الوقت يختلط "الحابل القضائي الأصيل" بالنابل غير القضائي الدخيل.

في كل الأحوال، وكما يقول المستشار هشام البسطويسي، في محاضرة بمركز ابن خلدون (30/1/2007) أن الغرض الأهم وراء تعديل المادة 88 لإبعاد القضاة عن الإشراف على العملية الانتخابية، هو التزوير في نسبة الذين يشاركون في التصويت، بتضخيمها، لإضفاء شرعية، هي في الواقع غائبة تماماً. من ذلك أن هذه النسبة لم تتجاوز، حقيقة، عشرة في المائة من الناخبين المسجلين، في انتخابات رئاسة الجمهورية الأخيرة (سبتمبر 2005). وهي فضيحة سياسية بكل المعايير.

  إن الناخبين المصريين لا يشاركون، لإحساسهم بأن إرادتهم في الاختيار الحر إما أنه تتم مصادرتها أو تزويرها. ومع ذلك فإن المشاركة ترتفع بشكل ملموس ومحسوس إذا شعر المواطنون أن القضاء الأصيل، وليس الدخيل، هو الذي يشرف على العملية الانتخابية. من ذلك أن نسبة التصويت تضاعفت من أقل من 10% في انتخابات رئاسة الجمهورية، إلى أكثر من 20% في الانتخابات البرلمانية، رغم أنه لم يفصلهما أكثر من شهرين. ومن هنا وجب على كل المواطنين أن يتمسكوا بالإشراف القضائي على كل مراحل العملية الانتخابية. وليكن مطلبهم في ذلك واضحاً مدوياً، وهو قاض لكل صندوق. وإذا لم يستجب مجلس الشعب لهذا المطلب العادل فليقاطع الشعب كل عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية، التي تتم هكذا "بالجملة". ولعل القضاة أنفسهم يكونون في مقدمة من يصرون على الإشراف الكامل، ممثلاً في قاض لكل صندوق، حتى لو استغرقت الانتخابات ستين يوماً بدلاً من ستة أيام. فنحن الشعب، وهم القضاة، الذين يتحملون أعباء التقاضي. فنحن بقية الشعب، أصحاب المصلحة في عدالة ناجزة، نرضى بتأجيل هذه العدالة شهراً كاملاً كل خمس سنوات، من أجل انتخابات نزيهة. ولا توجد انتخابات نزيهة في مصر في الوقت الحاضر إلا إذا أشرف عليها القضاء الأصيل (القضاء الجالس) إشرافاً كاملاً. فالقضاء هو السلطة الوحيدة التي مازال الشعب يثق فيها. أما السلطتين التنفيذية والتشريعية فقد تآكلت ثقة الشعب بهما في السنوات الأخيرة لدرجة العدم. وعلى حد علم هذا الكاتب، لم يدخل الرئيس مبارك محكمة أثناء ربع قرن رئاسته، أو حتى ربما في كل عمره (79 عاماً).
فلا حول ولا قوة إلا بالله

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية