Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

مقالات د. سعدالدين إبراهيم

  الإعدام الأول في تاريخ  العرب والفوضى الوجدانية                                                                          
د. سعد الدين إبراهيم

فجر يوم السبت 30 ديسمبر 2006 (10 ذي الحجة 1427 ) تم إعدام أول حاكم عربي، وهو صدام حسين، الرئيس العراقي السابق (1973-2003). والإعدام هو تنفيذ حكم قضائي بإنهاء حياة إنسان، لجريمة أو جرائم ارتكبها، وأقرت المحكمة ثبوت مسئوليته عنها، وحدد القانون الإعدام كعقوبة لها.

      وبهذا المعنى القانوني المحدد، يكون إعدام صدام حسين هو الأول من نوعه في تاريخ العرب والمسلمين. وبهذا المعنى المحدد فهو شبيه بإعدام الملك شارلز الأول في انجلترا، في 30 يناير 1649، أثناء الثورة الإنجليزية، التي قام بها البرلمان ضد الملك، تحت قيادة اوليفر كرمويل. وتلك أيضا كانت أمراً غير مسبوق في التاريخ، حيث تمت محاكمة الملك شارلز الأول ، والتي استغرقت إحدى عشر يوما فقط. وبينما كان إعدام شارلز بواسطة سيّاف قطع رقبته، كان إعدام صدام شنقاً، كما شاهد ذلك ملايين البشر على شاشات التلفزيون حول العالم.

       إن قتل الملوك والرؤساء والحكام ليس أمراً جديداً في تاريخ العالم أو العرب أو المسلمين. فقد قتل منهم الآلاف على مر الزمن. ونتذكر جميعا من كتب تاريخنا أن ثلاثة من الخلفاء الأربعة الراشدين، قتلوا على يد مسلمين آّخرين خلال القرن الهجري الأول. كما أن تاريخ العراق نفسه ملئ بقتل حكامه. ومن ذلك قتل الملك فيصل الثاني، وعمه الأمير عبد الإله، ورئيس وزرائه نورى السعيد، في يوم واحد، هو 14 يوليو 1958 . كما قتل بعد ذلك أول رئيس للعراق في العهد الجمهوري، وهو عبد الكريم قاسم ( 1963). وكذلك قتل عدة رؤساء في اليمن، شماله وجنوبه، وفى الجزائر وموريتانيا والصومال. ولكن هذا النوع من الاغتيال والقتل كان يتم أثناء ثورة أو انقلاب عسكري.  كذلك كان قتل الملوك والسلاطين يتم أثناء المعارك وعلى أيدي ملوك أو سلاطين آخرين، وليس بعد محاكمة من النوع الذي سجله التاريخ بالنسبة للمك الإنجليزي شارلز الأول؛ أو الملك الفرنسي لويس السادس عشر  الذي حوكم وأعدم بالمقصلة أيضاً عام 1793، أو صدام حسين عام 2006.

       وربما هذه السابقة في تاريخ العرب والمسلمين هي التي خلقت فوضى وجدانية عارمة. فلم يتعود الرأي العام العربي رؤية محاكمة من كانوا يحكمونه . وبالقطع لم يرى العرب المعاصرون هذا النوع من المحاكمات على شاشات التلفزيون، لم يرى تنفيذ حكم الإعدام بالصوت والصورة ، كما رآه في حالة صدام حسين. وضاعف من درامية هذا الإعدام أنه حدث، أو عرفة الناس، صبيحة  أول أيام عيد الأضحى المبارك، والذي هو مناسبة مقدسة عند حوالي مليار ونصف مسلم في العالم، ناهينا عن أنها في شهر ذي الحجة،  وهو أحد الأشهر الحرم، الذي يحض فيها الإسلام على حقن الدماء والرحمة والفداء .

      أما البعد المأساوي لمشهد إعدام صدام حسين فهو أنه تم في ظل احتلال أجنبي للعراق. ومهما حاول المحتلون الابتعاد عن تفاصيل المحاكمة وتنفيذ حكم الإعدام، بدعوى أن تلك كانت أموراً عراقية بحتة، فلا أحد في العراق، أو العالم العربي أو حتى أمريكا نفسها يصدق ذلك. فالإحساس العام، هنا وهناك، هو أن أمريكا، والرئيس جورج بوش تحديداً، هي القوة الدافعة والمحركة للأحداث في العراق، منذ بداية الغزو في 19 مارس 2003. صحيح أن القضاة والمدعون، والمحامون، والشهود، والمنفذون كانوا جميعاً عراقيون. ولكن الاعتقاد الجازم عند الجميع أن سلطة الاحتلال الأمريكي هي التي تحرك هؤلاء الشخوص ليفعلوا ما فعلوه .

      ومع أن الشيعة والأكراد في العراق، وهم معاً يمثلون سبعين في المائة من السكان قد ابتهجوا بإعدام صدام حسين، إلا أن ثلث الشعب العراقي، وهم العرب السُنة، ومعظم العرب والمسلمون خارج العراق، شعروا، لا بالحزن فقط، ولكن بالمهانة أيضاً لما حدث  في بغداد في أول  أيام عيد الأضحى المبارك. فباستثناء أقارب صدام أو الذين استفادوا من حكمه داخل العراق، وهم أقلية، وباستثناء عملائه خارج العراق ، وهم قلة أفراد متناثرون في الصحافة، فإن الأغلبية الساحقة من المتابعين للشأن العام كانت تعلم وتقر بأن صدام حسين كان شيطاناً رجيماً . فقد سام شعب العراق العذاب والقهر والخوف لأكثر من ربع قرن. كما أنه غزا أراضي جارتين للعراق، هما إيران (1980-1988)، والكويت (1990-1991). ويقدر مجموع من قتلهم من الأكراد والشيعة داخل العراق، ومن الإيرانيين والكويتيين خارج العراق، بحوالي مليوني شخص. أي أن صدام حسين كان سفاحاً داخل العراق ومغامراً خارج العراق، فأرهب شعبه، وأخاف جيرانه، وبدد ثروات العراق الطائلة بامتياز.

        وقد حاول الشعب العراقي التخلص من نظام صدام حسين وحزب البعث، الذي كان يتخفى وراء شعاراته القومية الزاعقة، (أمة واحدة ذات رسالة خالدة، هي الحرية والاشتراكية والوحدة)، وانتفض الشعب عدة مرات، وحملت قطاعات منه السلاح ضد نظام حكمه الدموي لسنوات ممتدة. كما وقعت عدة محاولات لاغتيال صدام حسين نفسه، ولكنه كان ينجو منها. ومع تعثر تلك المحاولات، أو إجهاضها، دب اليأس مع الخوف في قلوب العراقيين. وهجر معظم أبناء الطبقة العليا والوسطى العراق، إما إلى بلاد الخليج أو إلى أوروبا وأمريكا الشمالية. وقدر عدد العراقيين الذين هاجروا إلى تلك الأنحاء بحوالي أربعة ملايين، معظمهم من المهنيين، ذوي المهارات العالية، كالعلماء والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات، حتى أنه ورد في دراسة للدكتور أنطوان زحلان، أن عدد الأطباء من أصول عراقية في بريطانيا وحدها يفوق عددهم في بغداد.

        ونشطت عناصر من هؤلاء العراقيين في الخارج لتعبئة الحكومات الغربية ضد صدام حسين. وانتهزت بعض هذه الحكومات الفرصة، وخاصة بعد أحداث سبتمبر 2001، لغزو العراق وإسقاطه، ثم القبض عليه، وأسره، وتقديمه هو وأركان نظامه لمحاكمة استمرت أكثر من سنتين، وصدر عليه حكم بالإعدام، وهو الذي تم تنفيذه في أول أيام عيد الأضحى، على النحو الذي أشرنا إليه. أن هناك سوابق تاريخية لمحاكمة ملوك ورؤساء، لجرائم ارتكبوها ضد شعوبهم أو جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية – مثلما حدث في محاكمة أقطاب النازية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، والمعروفة باسم محاكمات نورمبرج، وكذا تلك التي جرت مؤخراً ضد النظام العنصري في يوغسلافيا السابقة أمام محكمة دولية خاصة في لاهاي، وشملت الرئيس الصربي سلوبدان مورفيتش. وعادة ما تتم هذه المحاكمات بواسطة المنتصرين في الحروب ضد أعدائهم وخصومهم السابقين. ورغم أنها تراعي الأشكال القانونية، من حيث توجيه الاتهامات، وسماع الشهود، وإتاحة الفرصة للدفوع والمرافعات، إلا أنه يظل هناك دائماً شكوك في شرعية وعدالة هذه المحاكمات. ومنها بالطبع محاكمة صدام حسين. وقد صدرت بالفعل دراسات تلقى مثل هذه الشكوك ـ لا فقط من أطراف عربية، ولكن أيضاً من منظمات حقوقية دولية، ومنها المرصد العلمي لحقوق الإنسان (هيومانرايتسووتش Human Rights Watch)، ومقره الولايات المتحدة، والتي شهدت بعض مدنها مظاهرات احتجاجية على إعدام صدام حسين. وستظهر دراسات أخرى في المستقبل، وخاصة مع استمرار الاحتلال الأمريكي للعراق والمقاومة وسفك الدماء.

        ولكن ما يعنينا في هذا المقال هو الإشارة إلى الفوضى النفسية والوجدانية التي تجلت على الساحة العربية ـ الإسلامية، في أعقاب واقعة إعدام صدام حسين. فهناك من ابتهجوا، وهناك من حزنوا، وهناك من غضبوا. ففي الداخل العراقي ابتهج الأكراد والشيعة، وهم يمثلون معاً ثلثي سكان العراق. وقد اعتبروا حكم الإعدام "عادلاً" ومستحقاً، وينطوي على قصاص متأخر لما وقع عليهم من قتل وتنكيل وتشريد وإبادة. وقد رأينا مظاهر هذه البهجة على شاشات التليفزيون من بغداد والموصل والسليمانية ومدن كردستان الأخرى في شمال العراق. كما رأيناها في النجف وكربلاء والبصرة، حيث يتركز الشيعة، في جنوب العراق. وقد تناقضت مظاهر الفرح هذا مع مظاهر الحزن والوجوم، ثم مظاهرات الغضب والاحتجاج بين العرب السنة في وسط العراق، وخاصة في مسقط رأس صدام حسين بمنطقة تكريت، التي دفن بها في اليوم التالي لإعدامه. وكانت ردود الفعل المتناقضة تلك، داخل العراق، هي ترجمة صادقة، وإن تكن مأساوية، لمحنة الشعب وأزمة المجتمع وخراب الدولة في العراق.

        أما خارج العراق فقد كان الذين رحبوا من العرب بإعدام صدام قله، تركزت في الكويت والخليج وجنوب لبنان. أما أغلبية الرأي العام العربي فقد تراوحت ردود أفعالها بين الوجوم والامتعاض والغضب. وكان أحد أسباب الوجوم والامتعاض هو توقيت الإعدام، أي تنفيذه في يوم عيد، ويوم عيد الأضحى، وكأن صدام حسين هو "كبش فداء". وكان أحد أسباب الغضب هو الشعور بالمهانة والإذلال، لإعدام رئيس دولة عربية، مهما كان الرأي فيه أو المشاعر ضده أو كانت خطاياه، إلا أنه "عربي مسلم"، والقوة التي أسرته وحاكمته وأعدمته هي قوة أجنبية، غير عربية وغير مسلمة، وفعلت ما فعلته على أرض عربية إسلامية، ونحن العرب والمسلمين، لا حول لنا ولا قوة. وعند هذا الفريق من العرب، تختلط المشاعر "القبيلية" (النحن في مواجهة الآخر)، بالمشاعر "القومية" (العرب في مواجهة الغرب)، بالمشاعر "الدينية" (المسلمين في مواجهة الصليبيين).

        أما على المسرح الشرق أوسطي فقد بلغت المفارقة أقصاها، حيث وجدنا عدوين تقليديين هما النظام الإسلامي الشيعي الإيراني الحاكم، والكيان اليهودي الصهيوني الإسرائيلي، يجتمعان في لحظة نادرة، على الشعور بالارتياح لإعدام صدام حسين. فقد حارب الرجل إيران لمدة ثماني سنوات، وهدد بحرق ثلثي إسرائيل بصواريخه المزعومة، والتي أطلق بعضها بالفعل على إسرائيل أثناء حرب تحرير الكويت. وهكذا جمعت البهجة لإعدام صدام بين أشد الأطراف الإقليميين عداوة لبعضهما البعض في الوقت الحاضر، وهما إيران وإسرائيل.

        لقد كان صدام حسين شخصية خلافية مأساوية مليئة بالمتناقضات. وفي حياته أحدث دماراً وفوضى داخل العراق، وفي العالم العربي والشرق الأوسط. وقد فجّرت لحظة مماته أيضاً، قدراً هائلاً من الفوضى النفسية والوجدانية. فإذا كان مقتل "الحسين" في كربلاء قبل أربعة عشر قرناً ظل يضطرم مشاعر الرغبة العارمة عند الشيعة، في البحث عن "يزيد" للانتقام منه، فربما يكون إعدام صدام هو البديل الوظيفي الذي يشفي هذا الغليل. والأمل الآن هو أن يتفرغ العرب بعدها، سُنة وشيعة، للتعايش وبناء مستقبلهم المشترك. اللهم فاسمع.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية