Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

مقالات د. سعد الدين إبراهيم

إعدام صدام والمبتهجون، والمكتأبون، والندّابون
د. سعد الدين إبراهيم 


مع زيادة المعلومات والتكهنات حول من أصدروا حكم الإعدام على صدام حسين، ومن نفذوا الحكم، وردود الأفعال داخل العراق، وفي الوطن العربي والعالم، استمر مشهد الفوضى الوجدانية، أي اختلاط المشاعر، والتباس المواقف حول نفس الحدث. وإليكم قراءتنا للمشهد العربي إلى تاريخه.

*الذين حاكموا، ونفذوا، وابتهجوا
الأمريكيون وحلفاؤهم هم الذين احتلوا العراق، وهم الذين أسقطوا نظام حكم حزب البعث، الذي كان يتربع على قمته صدام حسين خلال العقود الثلاثة التي سبقت هذا الاحتلال. كما أنهم الذين تعقبوا صدام حسين، الذي كان قد هرب ليلة سقوط بغداد. وهم الذين أسروه وحبسوه، تحت حراسة مشددة. ولكنهم لم يكونوا هم الذين حاكموه، أو أصدروا حكم الإعدام عليه، وعلى أخاه (برزان) ورئيس مخابراته (جواد البندر). وليسوا هم الذين نفذوا حكم الإعدام، أو رقصوا حول جثة صدام، صبيحة أول أيام عيد الأضحى المبارك.

إن الذين حاكموا صدام كانوا عراقيون مثله، وإن لم يكونوا من العرب المسلمين السُنة. كان المدّعون (النيابة) والقضاة (هيئة المحكمة)، عراقيون أكراد، وعراقيون من العرب المسلمين الشيعة. وكل من تابع تاريخ العراق في النصف الثاني من القرن العشرين يعلم أن صدام حسين كان الأكثر شراسة وتنكيلاً، والأكثر قسوة وتقتيلاً لكل من الأكراد والشيعة. لقد ارتكب صدام في حقهم جرائم بشعة، تصل إلى حد الإبادة الجماعية والاستئصال العرقي. وقد وثّقت منظمات حقوقية عديدة هذه الجرائم، بما في ذلك المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وكنت شخصياً شاهداً على هذا التوثيق ـ بالأسماء، والصور والأصوات ـ حينما كنت أميناً عاماً للمنظمة في سنواتها الخمس الأولى (1983-1987). أي أنه كان هناك ألف سبب وسبب للرغبة العارمة للثأر والقصاص عند أبناء هاتين الجماعتين ـ الأكراد والشيعة، واللتان تمثلا معاً ثلثي سكان العراق.

أما الذين نفذوا، وصوروا واقعة الإعدام ذاتها كانوا أساساً من المسلمين الشيعة (50%) من الشعب العراقي، والذين هتفوا "الله أكبر ... وتحيا ذكرى شهداء آل الصدر"، فإنهم من أنصار الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، الأكثر غضباً ورغبة في الثأر من صدام حسين، الذي أمر باغتيال والده آية الله محمد الصدر، عام 1998. ونقلت أنباء غير مؤكدة أن مقتدى وأنصاره، داخل الحكومة وفي الشارع هم الذين كانوا يضغطون، ولكن أيضاً يهددون، لإصدار حكم الإعدام، وسرعة تنفيذه. وربما كان إصرارهم على توقيت الإعدام صبيحة عيد الأضحى، ينطوي على رمزية مزدوجة، تجعل من صدام "كبش فداء"، بالمعنيين الحرفي والمجازي، لا فقط ثأراً لوالد مقتدى، وإنما أيضاً ثأراً لمقتل الحسين بن علي، سيد الشهداء. وبهذا المعنى المجازي، جرى تشبيه صدام بـ "يزيد بن معاوية بن أبي سفيان"، الذي أمر بقتل الحسين والتمثيل بجثته، في واقعة كربلاء، في العاشر من شهر محرم سنة 61 هجرية (680م)، وهي واقعة يتعلمها كل طفل شيعي مع لبن أمه، ويتذكرها، ويتمثلها في عاشوراء من كل عام، ويمارس الشيعة شعائر وطقوس حول هذه الذكرى طوال الأربعة عشر قرناً الماضية، وتختلط في هذه الشعائر والطقوس مشاعر الحزن، مع مشاعر الغضب، مع مشاعر الذنب، لأن أسلافهم في كربلاء تركوا الحسين وحيداً في ساحة الوغي، وفروا طلباً للنجاة حينما تكاثرت عليهم جحافل يزيد بن معاوية، بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص.
وهكذا أشبع الأكراد والشيعة في العراق رغبتهم العارمة في الانتقام والقصاص من الرجل الذي قتل منهم مئات الألوف، وشرد منهم عدة ملايين. وقد شاركهم في إطفاء ظمأ الانتقام من صدام أقرانهم في إيران والبلدان المجاورة، وكذلك ضحاياه في دولة الكويت، التي غزاها غدراً وعدواناً، رغم أن أغلبية سكانها من العرب السُنة المسلمين، والذين كانوا قد قدموا له دعماً بالمليارات أثناء حربه مع إيران (1980-1988).

* الطغاة الذي اكتأبوا لإعدام صدام
الطغاة العرب لا يحبون بعضهم البعض. فالطغاة، عموماً، لا يحبون أحداً. وفي حالة صدام، كان زملاؤه من الطغاة العرب يخافونه لدمويته وغطرسته واحتقاره لهم.

ومع ذلك لم يخف الطغاة جزعهم من مشهد وتوقيت إعدام صدام، وكأن كل منهم قد تمثل احتمال وقوع نفس الشيء له، ولا بد أن ذلك قد جلب لهم الاكتئاب. وحاول بعضهم تقليص هذا الاكتئاب بمظاهر استعراضية مصطنعة. من ذلك أن أحدهم أعلن استعداد بلاده "لاستضافة" جثمان صدام، وإقامة ضريح رئاسي له. وأعلن طاغية عربي آخر حالة حداد رسمي في بلاده ولمدة ثلاثة أيام. وصرّح طاغية ثالث أن مشهد الإعدام كان "مقززاً وهمجياً". على غير عادة هؤلاء الطغاة الذين لا يتسامحون مع أي مظاهرات احتجاجية في بلادهم، فقد سمحوا، وربما أوصوا أو حرضوا، بخروج هذه المظاهرات للتعبير عن الغضب لإعدام صدام.

والملفت للنظر أن الطغاة العرب الثلاثة المذكورين أعلاه، هم من أشد الحلفاء للولايات المتحدة في الوقت الحاضر. ومع ذلك سمحوا لتلك المظاهرات بإحراق العلم الأمريكي، وشنق دمية للرئيس جورج بوش. وأصبح هؤلاء الطغاة العرب من عملاء الولايات المتحدة، يتوجسون شراً أو غدراً من السيد الأمريكي، الذي يمكن أن ينقلب عليهم، ويلقون على يديه نفس مصير صدام. فمن المعروف أن صدام كان يتمتع بالرضا والدعم الأمريكي خلال حرب الأعوام الثمانية (1980-1988) ضد إيران، التي كانت الولايات المتحدة تعاونها. وربما كانت أحد الأخطاء القابلة لصدام حسين هي أنه اعتقد أن صداقته أو تحالفه مع أمريكا ضد إيران ستستمر إلى الأبد. وبناء على هذا الاعتقاد الخاطئ غزا الكويت في أغسطس 1990، غير مدرك أن لأمريكا مصالح أكبر مع الكويت وبلدان مجلس التعاون الخليجي. ومنذ ارتكابه لذلك الخطأ، فقد خرج من خانة الأصدقاء إلى خانة الأعداء. ولا بد أن الطغاة العرب، المنبطحون لأمريكا ليلاً وسراً، والمحتجون عليها نهاراً وعلانية، يتمزقون من الداخل. فقد فعلوا كل ما يمكن لعميل أن يفعله لإرضاء سيده، ومع ذلك فهم غير مطمئنون. وربما هذا القلق هو ما جعلهم يسمحون بخروج المظاهرات، وذلك لإبراء الذمة أمام الأمة من ناحية، وكتحذير للسيد الأمريكي من الغدر بهم، من ناحية ثانية.

لفت انتباه المراقبون أن طاغية دمشق، والذي سمح أو حرّض المتظاهرين السوريين على التظاهر وإحراق السفارة الدانمركية، في مثل هذا الوقت من العام الماضي بسبب الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول عليه السلام، هو الوحيد الذي لم يسمح بالمظاهرات ضد الولايات المتحدة، رغم أنها تناصبه العداء، وهي ضغطت على سوريا لسحب قواتها من لبنان، عام 2005. ورغم أن النظام الذي سقط في العراق كان شقيقاً "بعثياً"، وأن الطاغية الذي اُعدم في بغداد، كان رفيقاً رئاسياً عربياً، فإن تحالفات طاغية دمشق الجديدة مع إيران الشيعية وحزب الله في لبنان، وهما من المبتهجين بإعدام صدام جعله حائراً، فهو لم يبتهج علناً، ولم يعلن الحداد، ولم يسمح بالمظاهرات. وأغلب الظن أنه يشارك بقية الطغاة العرب اكتئابهم لاحتمال نفس مصير رفيقه البعثي في بغداد.

* الندّابون والحنين للاستبداد
أذكر في طفولتي، بقريتنا في دلتا مصر، أنه كانت هناك امرأة محترفة يأتي بها أهل من يتوفى عزيز لديهم، وتسمى بـ "الندّابة". وهي تقوم بذكر مناقب الفقيد أو الفقيدة، بصوت درامي مؤثر، ثم تتلو كل فقرة من هذه المناقب بإطلاق صيحات العويل، فيندفع بقية النساء من القريبات بترديد صيحات العويل. وفي غالب الحالات لم تكن الندّابة المحترفة هذه تعرف الفقيد أو الفقيدة شخصياً، ولكنها مع ذلك تكون دائماً جاهزة بمجموعة من الأكليشيهات المناقبية. فإذا كان الفقيد رجلاً، فإن الندّابة تذكر أنه كان "سبعاً، شجاعاً، كريماً... وكان سيد الرجال، وزينة المجالس..." وإذا كانت فقيدة، فهي "الرحيمة، الكريمة، الوفية، التقية، النقية، والزهرة الندية... التي ذهبت قبل الأوان...".

ورغم اختفاء الندّابة المحترفة (والتي كانت تتلقى أجراً من أهل الفقيد، بعيد المآتم) فقد أصبح لدينا في مصر ندّابون هواة كثيرون. وقد اندفع بعض هؤلاء لذكر مناقب صدام، "الذي عاش عملاقاً ومات شهيداً"، رغم أن معظم من رددوا هذه المناقب، لم يعرفوا الرجل، ولم يعيشوا تحت حكمه، ولا يمكن لأي منهم أن يوثق مآثر له داخل العراق أو خارجها، طيلة العقود الثلاثة، التي سيطر فيها على مقاليد الأمور في بلده. وربما كان جزءاً من هذا "الندب" تعبيراً عن كراهية لأمريكا، والتي تستحق فعلاً هذه الكراهية. وربما كان جزءاً من تظاهرات الحزن هذه هي لمجرد فقدان "صورة البطل"، حتى إذا لم يكن هناك لهذه الصورة أي مضمون حقيقي في الواقع العراقي والعربي والعالمي. فصدام حسين لم ينتصر في أي معركة خاضها ضد "خصوم" العراق. وقد هُزم في كل الحروب التي اندفع إليها أو استدرج لها. ومع ذلك نجحت آلته الدعائية خارج العراق، أن ترسم له صورة "البطل القومي". وصدّق كثيرون أن "الصورة" هي الحقيقة. أو ربما أرادوا أن يصدقوا، حتى لو كانوا في "اللاوعي" يدركون أنها "وهم". ولكن جدب الحياة العربية المعاصرة من الأبطال الحقيقيين، جعل بعض العرب يتشبثون "بصورة البطل" حتى لو كانت وهماً. وربما لنفس السبب هرعوا للاحتفاء بالسيد حسن نصر الله، لمقاومته الباسلة ضد عدو إسرائيلي متفوق. والمؤلم لكثير من هؤلاء الذين يستبد بهم الحنين لبطل حقيقي أو حتى صورة "بطل"، حتى لو كانت لبطل وهمي، هي أن "الحقيقة" (حسن نصر الله) و"الوهم" (صدام حسين) قد اصطدما عند البعض، وخاصة في الأردن وفلسطين. فخرجت مظاهرات الندّابين تطالب حماس وحزب الله بإعلان القطيعة مع "إيران الصفوية المجوسية" فسبحان الله مغير الأحوال والأبطال والأوهام، فهو على كل شيء قدير.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية