مقالات د. سعد الدين إبراهيم

نسخة سهلة الطباعة

ما بعد صدام: عودة للأجندة الوحدوية ديمقراطياً
د. سعد الدين إبراهيم

لا زالت الفوضى النفسية تعصف بالوجدان العربي للأسبوع الثالث بعد إعدام صدام حسين، بأيدي عراقية، يعتقد معظم العرب أنها كانت مجرد أدوات، تحركها سلطة الاحتلال الأمريكي في بلاد الرافدين. وقد استعرضنا في مقالات سابقة، اجتهاداتنا في وصف وتحليل وتفسير أبعاد هذه الفوضى النفسية في الوجدان العربي المعاصر.

لقد كشفت بعض الشعارات التي رفعها المتظاهرون في الأردن بشكل مكثف عن هذه الفوضى النفسية: وهي مطالبة حزب الله (الإسلامي ـ الشيعي اللبناني) وحركة حماس (الإخوانية ـ السنية ـ الفلسطينية) بالقطيعة مع النظام الإسلامي الإيراني الشيعي، لماذا؟ فطبقاً للافتات المرفوعة في مظاهرات الحداد الأردنية، وما قاله الخطباء هو أن هؤلاء الإيرانيين "فرس مجوس صفويون" (الحياة 6/1/2007). وقد سألت حوالي ثلاثين ـ بدءاً من سائقي، إلى باحثين مركز ابن خلدون، إلى طلاب وأساتذة جامعيين مصرياً عما يمكن أن تعنيه هذه الكلمات الثلاث (فرس مجوس وصفويون). اهتدى بعضهم إلى أن "الفرس" هم سكان إيران في أزمان سابقة. وقال البعض الآخر أن "المجوس" مشركين، أو يعبدون النار. ولكن لم يهتد أي منهم إلى ما يعنيه لفظ "الصفويون". وسألت الجميع، ماذا تعني الألفاظ الثلاثة معاً، فقال أغلبيتهم أنها "شيء سلبي"، أو "شتيمة"، ولما سألت لماذا هي شتيمة أو عبارة سلبية، كانت إجابة معظمهم أن كلمة "المجوس"، وهي قريبة من مفهوم "النجاسة" هو الذي يعطيهم هذا الانطباع حينما يسمعون الكلمات الثلاث كمترادفات.

ومن منا تابع أحداث الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980-1988) يتذكرون أن آلة الدعاية التي استخدمها صدام حسين في تلك الحرب كثيراً ما استخدمت هذه المفردات، للتعبئة الوطنية داخل العراق، في الصراع بين الدولة الإيرانية والدولة العراقية، واستخدم نفس المفردات لحشد الرأي العام العربي في تلك الحرب، بوصفها "صراع قومي" بين العرب والفرس. ومن ذلك أيضاً أن العراق تحارب حماية للبوابة الشرقية للوطن العربي. وأخيراً، استخدم لفظ "المجوس"، الأقرب للشرك، لاستعداء بقية المسلمين على الإيرانيين (الشيعة) للشك في صحة "إسلامهم". ولكن السؤال الأول هو: لماذا استحضر المتظاهرون الأردنيون هذه اللغة، وتلك الكلمات تحديداً (فرس، مجوس، صفويون)، بمناسبة مظاهرة حداد واحتجاج لإعدام صدام؟ والاجتهاد عندي هو أن استحضار تلك المفردات، هو في جزء منه، محاولة لتخليد ذكرى صدام حسين، لأنه كان أول من استخدم هذه المفردات في وصف "العدو الإيراني" في أخريات القرن العشرين. وفي جزء آخر، لا بد أن هؤلاء المتظاهرين، أو بعضهم على الأقل، صدّقوا أو يصدقون المضمون السلبي لهذه المفردات، وبالتالي تنطوي على موقف سياسي ـ ديني ـ ثقافي معاد لإيران ـ كشعب، ودولة، ونظام سياسي. ولا بد أن من رفعوا هذه اللافتات أو ردّدوا هذه الشعارات لا يريدون لإيران أن تخلص إلى أنها انتصرت في النهاية على صدام، الذي جعلوا منه "بطلاً وشهيداً"، كما ردّد المتظاهرون الأردنيون. وكأنهم أيضاً يريدون لصراع "عربي ـ إيراني"، أو لصراع "شيعي ـ سُني" أن يستمر إلى الأبد، أو إلى أن يُفني أحدهما الآخر. أي أنهم لا يعتبرون علاقة العرب والفرس علاقة تعايشية بين جيرانين تاريخيين، ولكن كعلاقة "وجودية استئصالية"، كما لو أن الفضاء الجيوسياسي لا يتسع إلا لأمة واحدة وحضارة واحدة!.

والسؤال الثاني الذي يثير الدهشة والفضول، هو أن مطالب المتظاهرين ليست موجهة إلى أي "دولة" أو "حكومة" عربية، ولكنها نداءات إلى حركتين اجتماعيتين هما حزب الله في لبنان، وهو إسلامي ـ شيعي، وإلى "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس) وهي إخوانية فلسطينية. ولأن حزب الله وحماس لهما علاقات ممتدة مع نظام آيات الله الذي يحكم إيران منذ ثورتها عام 1979، حيث أن ثلاثتهم يناهضون ويقاومون "عدواً مشتركاً" وهو إسرائيل، ومن يدعمونها. والنظام الإيراني الحاكم يقدم دعما مادياً وتسليحياً ومعنوياً لكل من حزب الله وحماس، اللتان تقفان على خط المواجهة مع إسرائيل، وقد أبليا بلاءً حسناً في هذه المواجهة الممتدة، وكان حزب الله أكثرها بسالة خلال صيف 2006، حيث صمد مقاتلوه لجحافل الآلة العسكرية الإسرائيلية المتفوقة لثلاثة وثلاثين يوماً. وبذلك حقق حزب الله ما لم يستطع أي نظام عربي حاكم أن ينجزه خلال نصف قرن من الصراع.
صحيح، أن المقاومين من حماس والمقاتلين من حزب الله عرب، وهم الذين يستشهدون في المعارك. ولكنهم ما كانوا ليستمروا في الكفاح دون الدعم الإيراني. ولأن نفس المتظاهرين في الأردن وأمثالهم في بقية البلاد العربية هم الذين هتفوا أيضاً لحزب الله، ولأمينه العام السيد حسن نصر الله في الصيف الماضي، فقد كان مستغرباً أن ينقلبوا عليه، أو أن يطالبونه هو وحماس بمقاطعة إيران، أي بقطع أحد شرايين الحياة الرئيسية لهما. ومن أجل من؟ أو من أجل ماذا؟ بسبب صدام حسين، الذي لم يخض حرباً ضد إسرائيل، ولم يدخل معها في أي اشتباك مسلح طيلة الثلاثين سنة التي سيطر فيها على مقاليد الأمور في العراق، بجيشها المليوني وثرواتها الطائلة. هذا في الوقت التي وقفت الأنظمة العربية الأخرى من حزب الله وحماس موقف المتفرج أو المتواطئ.

بتعبير آخر، يريد الحزانى العرب من الحركتين العربيتين الوحيدتين اللتان ما زالتا صامدتان أن تنتحران بقطع شريان الحياة الرئيسي مع إيران، بدعوى أنها "فارسية مجوسية صفوية"! ألم أصف ذلك التخبط والتناقض في الشارع العربي، بل وعند عدد من المثقفين، بأنه فوضى نفسية ووجدانية؟ وربما العزاء الوحيد لهذه الفوضى أن شعوبنا العربية لم تشهد في تاريخها واقعة محاكمة أحد حكامها، ولم تشهد أبداً إعدام واحد من هؤلاء الحكام على شاشات التليفزيون. ولكن الأهم هو أن نُزيح هذه الفوضى، أو نقلصها بأسرع وقت ممكن، وأن نساعد جماهير أمتنا على استعادة توازنها الوجداني والعقلاني. فليترحم من يرد على صدام حسين، ولكن بدون دعوات للقطيعة مع شعوب إسلامية وشرق أوسطية لها من الحقوق في هذه المنطقة مثلما للعرب أنفسهم، خاصة وأن بعضها، مثل إيران تمد يد العون والدعم للقلة القليلة من أبناء أمتنا، التي ما زالت تقاوم وتقاتل.
وربما من أهم المهام لعرب ما بعد صدام أن يعودوا للأجندة العربية القومية، التي كان صدام حسين، وغيره من الطغاة العرب قد صادروها، واحتكروها، فأفسدوها، ونفّروا منها قطاعات كبيرة من شعوبنا. من ذلك أن حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب، والناصريون، منذ وصولهم إلى السلطة في مصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن، قبل خمسين عاماً، وهم يلوّحون لشعوبهم وللأمة العربية جمعاء بشعارات جذابة، ألهبت حماس الناس، ودغدغت مشاعرهم مثل الوحدة العربية، والحرية، والاشتراكية، وتحرير فلسطين. وصدقتهم الجماهير إلى حين، إلى أن أتضح لها أن من يرفعون هذه الشعارات، لم يحققوا منها شيئاً، رغم وجودهم في السلطة لعدة عقود.

أدهى من ذلك أن الأنظمة التي رفعت هذه الشعارات القومية الزاعقة مُنيت بهزائم مبكرة على أيدي الأعداء والخصوم ـ في سيناء والجولان والكويت وتشاد. وفضلاً عن فشلها في تحرير شبر واحد من فلسطين، فإن جزءاً من أراضيها قد احتلته إسرائيل. كذلك فضلاً عن فشل نفس الأنظمة التي رفعت شعارات وحدوية في تحقيق أي وحدة عربية، حتى بين قطرين يحكم فيها نفس الحزب ـ مثل سوريا والعراق ـ فإن عدداً منها لم يستطع حتى أن يحافظ على وحدة التراب الوطني القطري الذي كان قد تحرر من الاستعمار. ولعل الأمثلة الصارخة لذلك هي عراق صدام حسين نفسه الذي لم يستطع الحفاظ عليه، كما كان قد تسلمه قبل ثلاثين عاماً. ونجد الشيء نفسه في السودان والصومال. وهكذا على أيدي الطغاة من القوميين العرب أتانا الغزاة، فكفرت قطاعات كبيرة بكل ما كان يردده هؤلاء من شعارات. ولعل إعدام صدام حسين هو نهاية رمزية للحقبة التي احتكر فيها الطغاة شعارات الوحدة ليكرّسوا سلطاتهم هم، وشعارات تحرير فلسطين ليضاعفوا استبدادهم، وشعارات الاشتراكية والعدالة ليضاعفوا ثرواتهم، وليعيث أبناءهم في الأرض فساداً.

ولعل الفرصة الآن مواتية لإعادة تأسيس الدولة المدنية الحديثة، على أساس ديمقراطي في كل من أقطارنا العربية، ولتكن الخطوة التالية هي الوحدة الفيدرالية بين هذه الديمقراطيات العربية، كما فعلت أوروبا خلال نفس الخمسين عاماً التي سرقها الطغاة العرب من عمر ودماء شعوبنا. هل هذا من قبيل الأحلام؟ ربما. ولكن هكذا بدأت كل المشروعات العظيمة في التاريخ. إن الذي وحدّ أوروبا، بلغاتها الثلاثين وبعد ثلاثمائة سنة من الحروب هو الديمقراطية والمصالح الاقتصادية. وقد بدأت الوحدة الأوروبية في آتون الحرب العالمية الثانية، بأحلام الفرنسي مونييه والأماني إديناور. فلماذا لا يحلم بعضنا، حتى ونحن في مستنقع الانحطاط، وشلالات الدماء، وبحور الأحزان؟ دعونا نحلم، فهذا أضعف الإيمان.

التعليق
الإشتراك
خريطة الموقع
| English
 

مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية