الشفافية الخلدونية بين جورج بوش وحسن نصر الله
د. سعد الدين إبراهيم
من مآثر مركز ابن خلدون في الحياة المصرية والعربية العامة أنه قدم مفاهيم وممارسات جديدة ـ منها "المجتمع المدني"، و "الشفافية" والحق في مراقبة ومحاسبة الشخصيات والمؤسسات العامة. وبينما قد لا يدرك كثيرون أن هذه المفاهيم لم تكن معروفة في لغة الخطاب إلى عام 1988، وهو تاريخ تأسيس مركز ابن خلدون، فإن كثيرون أيضاً ما يزالون لا يمارسون محتواها، حتى مع كثرة استخدامها.
وفي مقدمة من يستخدمون المفاهيم المذكورة أعلاه، دون ممارسة مضمونها ـ يأتي الرئيس المصري محمد حسني مبارك ـ فمنذ عشرين سنة حينما ذكرت أنا أمامه، في معرض القاهرة الدولي للكتاب، مفهوم "المجتمع المدني"، وكان يسمعه لأول مرة، صاح في وجهي متسائلاً: "ومالهم العسكريين؟". فشرحت له أن المجتمع المدني ليس معناه العداء أو الكراهية للعسكريين، ولكن فقط هو أن ينظم الناس أنفسهم بإرادتهم الحرة، ليحلوا مشكلاتهم، أو يطالبوا بحقوقهم، أو يعبّروا عن مشاعرهم الجماعية سلمياً. فقال هو معلقاً "إذا كان كده، فلا مانع!". ومنذ ذلك اليوم وحسني مبارك لا تفوته فرصة خطاب عام في مجلسي الشعب والشورى، أو أي مناسبة إلا ويُشيد بالمجتمع المدني، كشريك للدولة والقطاع الخاص في التنمية وإدارة الشأن العام. ولكن استخدام الرئيس المصري للمفهوم لا يعني كثيراً في ممارسته للمضمون. فقد رأينا خلال حكمه الذي امتد لست وعشرين عاماً أنه انتهك حقوق الإنسان، ونكل بالمصريين الأحرار من إسلاميين وعلمانيين على السواء.
كذلك نلمس نفس الازدواجية والتناقض في الخطاب والممارسة عند عديد من المثقفين المصريين والعرب، فمع كل الادعاءات بحرية الرأي والاجتهاد، فإنهم يسارعون إلى "تخوين" أو "تكفير" المختلفين معهم في الرأي والاجتهاد. وقد لمسنا نحن في مركز ابن خلدون تداعيات هذه الازدواجية في كل مرة اجتهدنا، وعبّرنا عن هذا بإعلان وجهة نظر مخالفة لما درج عليه معظمهم. ويأخذ ذلك عادة، الصياغة التالية: "أنا مع حرية الرأي والاجتهاد، بشرط أن لا يؤدي ذلك إلى خدش "الثوابت"، التي هي "خطوط حمراء" لا يجوز الاقتراب منها.
ولكل فريق من المثقفين "ثوابته"، التي قد تلتقي أو تختلف مع ثوابت الفريق الآخر. فإذا قمنا بعملية جمع حسابي لثوابت القوميين والناصريين والإخوان المسلمين والماركسيين، فإننا لن نجد قضايا عامة يمكن مناقشتها والحوار حولها، والاختلاف بشأنها. ففي مصر، مثلاُ، يعتبر الناصريون المكاسب الاشتراكية للعمال، والفلاحين، وأهمها أو ما تبقى منها، هو حيازتهم لخمسين في المائة من مقاعد كل المجالس المنتخبة. ويقولون أنهم على استعداد لسفك الدماء دفاعاً عن هذه المكاسب، أي ذوداً من هذا "الخط الأحمر"، أحد ثوابتهم. ونفس المنطق الصوري أو الرمزي نجده عند الإسلاميين الذين يعتبرون المادة الثانية من الدستور، الخاصة بالشريعة الإسلامية (المصدر الرئيسي للتشريع)، ثابتهم أو خطهم الأحمر، الذي يسفكون الدماء أيضاً ذوداً عنه. وللقوميين خطوطهم الحمراء أيضاً، مثل الاعتراف بإسرائيل أو التعامل مع الإسرائيليين، أو خدش وحدة التراب الوطني لأي بلد عربي، ناهيك عن تقسيمه.
ويشترك جميع الفرقاء المصريين والعرب في إعلان الكراهية للغرب عموماً وأمريكا خصوصاً، وهو ما اشرنا إليه في مقال سابق حول صناعة الكراهية لأمريكا علناً، وعشقها سراً (الدستور 27/6/2007). وقد حاورني في ذلك بعد نشر المقال، أحد الصحفيين المغاربة، المقيم منذ عدة سنوات في كندا، للصحيفة التي يعمل فيها، وتصدر في "مونتريال"، باسم "المستقبل". سألني إذا كنت أعيب على الآخرين "خطوطهم الحمراء" أو "ثوابتهم"، فهل لدي أنا خطوط حمراء يمكن أن أضحي في سبيلها؟
وقلت له نعم، "القيم التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" (10/2/1948). وجادلني الصحفي المغربي طويلاً، حول غياب بعض "الثوابت" عن هذا الإعلان ولأنني لست مغرماً بمسألة الثوابت هذه، فقد قلت له، ربما تكون هناك قيم أخرى محببة له أو لغيره من بني الإنسان، ولكل أن يختار بإرادته الحرة القيم أو المبادئ التي يُفضلها، دون أن يفرضها على الآخرين، أو يفترض أنها من "المقدسات". سألني مرة أخرى، وما هو مشروعي الفكري أو السياسي. فقلت له "الحرية للجميع، والخُبز للجميع، والتي تضمنهما بالديمقراطية". ظل الصحفي المغربي قلقاً، حيث لا يبدو أن ما قلته له قد أشفى غليله أو ظمأه السياسي. وعلى سبيل المداعبة التجريبية، قلت له، وبالطبع "الموت لأمريكا والغرب، والوحدة للتراب المغربي بما فيه الصحراء". ابتسم الصحفي المغربي، ثم تدارك بسؤال للتأكد مما سمعه مني "هل تعني فعلاً ما تقول؟"، فبادرته بتحية الوداع، ووعدته بحديث آخر في زيارتي التالية لكندا في سبتمبر القادم.
وفي طريقي لمطار مونتريال، بادرني السائق ما إذا كنت أنا "سعد الدين وهبه؟". فأجبت بأن سعد الدين وهبه انتقل إلى رحمة الله منذ عدة سنوات، فاستدرك، "أقصد سعد الدين إبراهيم.." نعم، أنا هو، وأنت؟ قال "أنا ماجد، فلسطيني من نابلس، وقدمت إلى كندا منذ أثنى عشر عاماً... وأعتبر نفسي محظوظاً... فأمس التقيت ياسر، ابن الرئيس محمود عباس، وهو رجل أعمال.." سألته، وهل تحدثت معه عما يحدث في فلسطين، قال ماجد، "نعم، سألته لماذا يريد الوالد (الرئيس محمود عباس) تصفية القضية؟". وماذا كانت إجابة ياسر؟ قال أن والده يجتهد، كما اجتهد ياسر عرفات.. وهو لا يريد ولا يستطيع تصفية القضية، وأنه سيطرح أي حل يتوصل إليه للاستفتاء يا ماجد". قال "أنا لا أوافق على أي حل ينهي القضية". وما هو الحل الذي تريده أنت يا ماجد؟." قال "حماس". وما هو الحل الذي ستطرحه حماس؟ قال "تقاتل إلى الأبد". وكم عمرك يا ماجد؟ قال سبعة وثلاثين. وهل حملت السلاح في حياتك؟ قال لا، لم أحظ بهذا الشرف. وهل أنت على استعداد يا ماجد للعودة إلى فلسطين والقتال في صفوف حماس؟ أحس ماجد أن خناقاً يضيق عليه، فغيّر الموضوع فجأة بسؤال ليّ "هل صحيح أنك التقيت السيد حسن نصر الله؟" قلت نعم. وهل صحيح أنك التقيت بالرئيس بوش؟ قلت نعم. سألني السائق ماجد "كيف توفق بين لقاء هذين الشخصين المختلفين؟". وأنت يا ماجد كيف تلتقي ياسر ابن الرئيس محمود عباس، رغم أنك لا تحب نهجه السياسي في تصفية القضية؟ شعر ماجد بالضيق مرة أخرى، فردّ ولكني شخص عادي، يقود تاكسياً، لكسب قوته، ولا أختار عملائي.. بل وأحياناً يركب معي إسرائيليين. فداعبته، وكيف تقبل ذلك، أليس هذا تطبيعاً مع العدو، الذي تريد حماس إبادته؟ قال ماجد، ولكني لست من هذا الرأي، ولا أريد إبادة اليهود، أنا فقط أريد أن أعيش في دولة فلسطينية جنباً إلى جنب مع اليهود في فلسطين". ولكن يا ماجد أليس هذا ما يحاوله الرئيس محمود عباس، وتعتبره أنت تصفية للقضية؟! رد ماجد، ولكنهم لن يعطوه أي شيء، فقط سيغررون به، كما فعلوا مع أبو عمار وأنور السادات" وماذا لو وافقوا (أي إسرائيل) على حل الدولتين؟ قال ماجد، وكنا قد وصلنا لمطار مونتريال "الحقيقة لا أعرف، ماذا أريد... المهم هو ألا تتم تصفية القضية"
إن ماجد سائق التاكسي الفلسطيني، ومصطفى، الصحفي المغربي، يعيشان في كندا، ويتمتعان بكل ما يقدمه مجتمع ديمقراطي مفتوح ولكن قلبهما ما زالا مسكونان بحب الوطن البعيد، وما زالا أسيران لكثير من نفس "الثوابت" التي سمعوا عنها من نصف قرن ولم يستطيعا الفكاك منها. لقد أصبحت على ما يبدو جزءاً من هويتهما. والله أعلم.