Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

مع مسعود برزاني وقصة نجاح عراقية
د. سعد الدين إبراهيم

يبدو أن عام 2007 هو عام لقاءاتي بشخصيات خلافية، عربياً، وشرق أوسطياً، وعالمياً. ففي يناير التقيت السيد حسن نصر الله، أمين عام حزب الله في لبنان، كما التقيت قيادات حماس في فلسطين. وفي شهر مايو، التقينا العقيد محمد أعلى ولد فال، الضابط الموريتاني، الذي كان استثناءً فريداً وفذاً بين العسكريين العرب، حيث أنه قاد انقلاباً عسكرياً على النظام الديكتاتوري الحاكم في بلاه، ووعد هو وزملاؤه أن ينقلوا بلدهم الصحراوي الفقير إلى الحكم الديمقراطي، وأوفوا بوعدهم في أقل من سنتين، وأجروا انتخابات ديمقراطية تحت إشراف دولي، وسلموا السلطة طواعية للحكومة المنتخبة، وانسحبوا هم بهدوء من الحياة العامة. وقد آثار عليهم خنق وكراهية كل الطغاة العرب، فقاطعوا احتفالات تنصيب الرئيس الموريتاني الجديد. وكان الأكثر غضباً هو حاكم ليبيا، العقيد معمر القذافي، والذي اتهم الموريتانيين وولد فال وزملائه، بأنهم "بدو متخلفين"، وذلك لتبرير استمراره في السلطة منذ انقلابه العسكري (1/9/1969)، قبل 38 سنة. كذلك شملت لقاءاتنا الخلافية في مؤتمر بالعاصمة التشيكية براغ كل من الرئيس التشيكي فكلاف هافل، الذي قاد الثورة المخملية السلمية على النظام الشمولي الماركسي، حتى أسقطه عام 1989، وكذلك الرئيس الأمريكي جورج بوش، وهو الأكثر خلافية داخل بلاده وخارجها.
أما آخر لقاءاتنا، إلى تاريخه (15/7/2007) فقد كانت مع الزعماء الأكراد في موطنهم التاريخي، شمال العراق، بعاصمة إقليم الإدارية، وهي مدينة أربيل. وسأكرّس هذا المقال لرئيس حكومة الإقليم، وهو الرئيس مسعود البرزاني. أما اللقاء مع بقية الشخصيات الكردية، ودور الإقليم في إنقاذ العراق، فإننا سنتناوله في مقال آخر. ولأن معظم أخبار العراق في السنوات الأربع الأخيرة، إما مأساوية أو كئيبة، فإن المرأ يبتهج حينما يصادف أي تطور إيجابي يخص العراق، مهما كان متواضعاً. ومن هنا فإن ما رأيته وخبرته في كردستان العراق خلال الأسبوع الثاني من شهر يوليو كان مبهراً ليّ ولمجموعة من الخبراء والدارسين والممارسين للتجارب الفيدرالية، والذين أتوا من الهند وبلجيكا وسويسرا وكندا والولايات المتحدة، وإيطاليا. وهذا هو اللقاء الثالث الذي تنظمه هيئة "لا سلام بلاد عدالة" الإيطالية بالتعاون مع البرلمان العراقي في بغداد، وبرلمان كوردستان في أربيل، كان اللقاءان السابقان في مدينة فينيسيا، عامي 2005 و2006، بعد إقرار الدستور العراقي الدائم، وإجراء أول انتخابات تشريعية لكل العراق، وانتخابات إقليمية للمحافظات التي يتكون منها إقليم كوردستان طبقاً لهذا الدستور، والذي تنص مادته الأولى على أن العراق دولة اتحادية (فيدرالية) ديمقراطية، تعددية. واللقاء الثالث هو الأول الذي يُعقد على التراب العراقي، في الإقليم الفيدرالي الأكثر أمناً وأماناً واستقراراً، وهو كوردستان، وبمشاركة رئيس الإقليم السيد مسعود برزاني، ورئيس البرلمان العراقي، الشيخ خالد العطية ورئيس برلمان كوردستان السيد عدنان المفتي. ووزراء وبرلمانيين وقيادات مجتمع مدني ورجال أعمال من عراقيين الداخل والمهجر. وكان ضابطا الإيقاع في هذا الملتقى كما في سابقيه كل من د. بختيار أمين، وزير حقوق الإنسان العراقي السابق، ود. نيقولا فيما تالامانكا، المدير التنفيذي لمنظمة "لا سلام بلا عدالة". وخاطب المؤتمر د. برهم صالح، نائب رئيس وزراء العراق. وجدير بالتنويه أن هذه القيادات العراقية، أكراداً وعرباً، كانوا إلى سنوات قليلة مضت، إما مقاتلين في جبال كوردستان، ضد نظام صدام حسين، وإما هاربين من بطشه. وقد كنت قد التقيت بمعظم هذه القيادات خارج العراق، خلال العقود الثلاثة السابقة.
وكان أهم هؤلاء جميعاً شاباً في الثلاثين من عمره، هو مسعود البرزاني، الذي التقيته للمرة الأولى في صيف 1982، في العاصمة السورية دمشق، حيث كان لاجئاً بعد أحد انتكاسات حركة المقاومة الكردية المسلحة عام 1975. بينما كنت أنا في ذلك الوقت أقوم بتأليف كتابي عن "الملل والنحل والأعراق في الوطن العربي". ومن أجل ذلك حرصت على إجراء مقابلات معمقة مع قيادات الأقليات الرئيسية في البلدان العربية، والتي اشتعلت فيها صراعات أهلية، وكان العراق والسودان ولبنان في مقدمتها.
وينحدر مسعود البرزاني من أسرة كردية عريقة، تحمل اسم قبيلتها وموطنها، وهو "برزان"، في شمال العراق. وقد ناضل جده، ثم والده، من أجل حصول الأكراد على دولتهم المستقلة، في منطقة كردستان الجبلية، التي تقع بين شمال العراق، وجنوب تركيا، وغرب إيران، وشرق سوريا. وكان الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا، المنتصرتان في الحرب العالمية الأولى، على كل من الإمبراطورية العثمانية، وألمانيا، والإمبراطورية النمساوية، هو تقسيم واقتسام أقاليم ومستعمرات وتركات المنهزمين. ومن ذلك ما حدث للعرب والأكراد، التي كانت أوطانهم جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وهو ما يُعرف باتفاق سايكس ـ بيكو، ووعد بلفور، واتفاقية سيفر. ووجد الأكراد وطنهم التاريخي قد تفتت بين أربعة أقطار، يمثلون أقلية سكانية ولغوية في كل منها. وتمرد الأكراد على هذا الوضع الجديد وقتها. ولتهدئة غضبهم وتمردهم أعطاهم الحلفاء المنتصرون وعوداً غامضة بالحكم الذاتي والحفاظ على لغتهم وثقافتهم في الدول الجديدة، التي اقتسمت وطنهم كوردستان (أي أرض الكورد). ولكن الدول الجديدة، كانت نفسها تحت الانتداب أو الهيمنة البريطانية والفرنسية، وحنثت بوعودها. ولذلك رفع الأكراد في البلدان الأربعة (تركيا والعراق وإيران وسوريا) رايات العصيان على سلطات الانتداب وحكومات الأقطار الجديدة.
وقد تراوحت حظوظ الأكراد في النجاح والفشل في نضالاتهم في الأقطار الأربعة. فكان أقصى نجاح لهم في غرب إيران في أربعينات القرن الماضي، حيث أعلنوا تأسيس جمهورية على طراز الجمهوريات السوفييتية، أطلقوا عليها اسم جمهورية مهاباد. ولكنها لم تعش إلا لمدة 14 شهراً، قبل أن تقضي عليها حكومة طهران، بمساعدة بريطانيا. وفي تركيا فما يزال حزب العمال الكوردستاني يقاوم السلطات التركية في عصيان مسلح يتصاعد وينحسر. وفي سوريا تحدث انتفاضات محددة بين الحين والآخر من أجل حقوق المواطنة أو من أجل حقوق ثقافية. أما في العراق فكان حظ الأكراد هو الأفضل نسبياً.
ويرجع ذلك في الأساس إلى شجاعة وحنكة الملا مصطفى البرزاني الذي ساهم في النضال الكردي الممتد منذ شبابه في القرن الماضي، وكان من مؤسسي جمهورية مهاباد، وبعد انهيارها لجأ للاتحاد السوفييتي، حيث عاش وأنجب معظم أبنائه، ومنهم مسعود، ولم يعد إلى العراق، إلا بعد ثورة يوليو 1958. ولكن خلال سنوات قليلة من عودته ثار على حكم عبد الكريم قاسم، ثم على العهود التالية، والتي كان أخرها صدام حسين ونظام البعث، إلى أن وافته المنية. ولكن الملا مصطفى هو نفسه الذي اختار ابنه مسعود، ليخلفه في قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والمقاومة المسلحة، التي أطلق عليها اسم "البيشمرجة"، رغم أن له أخوة أكبر. وقد ورث مسعود من والده الحنكة والشجاعة. وحين التقتيه أول مرة في دمشق قبل ربع قرن، كان مسعود قد خلص إلى مجموعة من دروس النجاح، وهي قليلة، ودروس الفشل وهي كثيرة. ومن ذلك أن الأكراد في هذا الجيل لا ينبغي أن يطمحوا إلى دولة مستقلة ـ حيث أن الظروف الدولية والإقليمية لا تسمح بذلك. وأن أقصى ما ينبغي العمل لإنجازه هو الحكم الذاتي للأكراد والديمقراطية لكل العراق. وكان صدام حسين ونظام البعث مستعدان لمنح الحكم الذاتي للأكراد. وفي الواقع تم تعديل الدستور العراقي لينص على ذلك عام 1975. ولكن صدام وحزب البعث لم يكونا مستعدان للتسليم بالديمقراطية لكل العراق. ولذلك ظل الصراع محتدماً بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني من ناحية وصدام وحزبه من ناحية أخرى، إلى أن سقط صدام وحزبه.
لقد كان تمسك آل برزاني وحزبهم بالديمقراطية لكل العراق، طبعاً كما قاله لي مسعود في دمشق عام 1982، هو أنه فضلاً عن إيمانهم المبدئي بالديمقراطية، فإنه لا ضمان لحكم ذاتي كوردي في العراق إلا بها. وقد اقتنعت وقتها بوجهة نظر مسعود. وسجلت ذلك في كتاب الملل والنحل والأعراق، وهو ما يعني الصيغة الفيدرالية. وسجلت في نفس الكتاب أن نفس الصيغة هي أيضاً الأفضل للسودان، ولأي بلد عربي (أو غير عربي) تتعدد فيه اللغات والأديان والقوميات. ووقتها ثارت عليّ اعتراضات محمومة، بدعوى أنني أريد تفسيخ الوطن العربي وتفكيك أقطاره. بينما العكس هو الصحيح.
وقد أثبتت تطورات الأحداث في العراق والسودان، أن الفيدرالية هي الحل. ولكنها لا تنجح إلا بالديمقراطية للجميع. وهذا ما أكده مسعود البرزاني مرة أخرى في لقاءنا الثاني في أربيل عاصمة إقليم كوردستان. وما زال الرجل حريصاً على الديمقراطية لكل العراق الموحد. فإذا كان لهذا البلد من أمل في استعادة أمنه واستقراره ووحدته وازدهاره، فإن البداية والنموذج هي إقليم كوردستان. ولهذا حديث آخر مع بقية القيادات الكوردية التي التقيتها، فإلى المقال القادم.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية