Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

في التنويه بمآثر مركز ابن خلدون
د. سعد الدين إبراهيم

رغم مرور ما يقرب من عشرين  عاماً على تأسيس مركز ابن خلدون، ورغم مئات المقالات التي كتبتها دورياً، بالعربية والإنجليزية، بما فيها ما يظهر أسبوعياً على صفحات هذه الجريدة، إلا أنني لم أكتب عن مركز ابن خلدون من قبل. لقد كان وما يزال هناك ما هو أهم، ويستحق أن أكتب عنه.
ولكنني أستأذن القراء هذه المرة للحديث عن المركز، الذي تعرض للهجوم والإغلاق لثلاث سنوات عام 2000. وهو يتعرض هذه الأيام لهجوم أكثر شراسة، بما في ذلك ثلاث قضايا، يطلب أصحابها من النائب العام في نفس الأسبوع (20-27) إغلاق المركز، ومحاكمة رئيسه، بتهم تتراوح بين الإساءة لمصر، والإضرار بمصالحها القومية، إلى "الخيانة العظمى". ولم أسمع أو أقرأ، إلى وقت كتابة هذا المقال، ما إذا كان النائب العام سيحفظ هذه البلاغات، أو سيباشر التحقيق فيها، تمهيداً لإحالتها إلى القضاء. وقد نشرت كل الصحف المصرية خبر هذه البلاغات. ولأن كل الاحتمالات واردة، فقد رأيت أن من حق القراء في مصر والوطن العربي، أن يعرفوا شيئاً عن المركز المهدد بالإغلاق. للمرة الثانية خلال سبع سنوات، وحيث يرتبط بهذا الكاتب ارتباطاً وثيقاً.
سمي المركز العلمي باسم العلامة العربي عبد الرحمن بن خلدون، الذي ولد في قلعة بني سلامة بتونس، عام 1332 وعاش وتنقل بين بلدان المغرب العربي والأندلس، معظم حياته، ولكنه عاش العشرين سنة الأخيرة في مصر، حيث ألف أعظم كتبه، وهي "المقدمة في تاريخ العرب والبربر"، والتي أرسى فيها قواعد علم جديد، هو "علم العمران البشري"، الذي هو البداية الحقيقية لما سيصبح بعد ذلك علم الاجتماع. وكان ابن خلدون طوال حياته ناشطاً سياسياً وناقداً اجتماعياً. فتعامل مع كل حكّام عصره، ناصحاً ومستشاراً، واختلف معهم جميعاً، ولاحقوه بدورهم. وهو ما يُفسر استمرار تنقله وترحاله بين بلدان المغرب والمشرق. ولأن عصره كان عصر تدهور وانحلال الحضارة العربية الإسلامية، فقد حاول ابن خلدون الإصلاح والإنقاذ، ما وسعه ذلك بكل الأساليب. ودفع ثمن أمانته وصراحته وشجاعته ثمناً باهظاً، بما في ذلك السجن والتعذيب، والفراق عن أسرته وأهله.
ولأنني من المشتغلين بعلم الاجتماع ومن المهتمين والمهمومين بالشأن العام، فقد سرت على درب مماثل في جوهره لابن خلدون. ولما لم أكن في عبقريته، فقد أسسنا مركزاً بحثياً سميناه باسمه، وفتحتنا أبواباً للمجتهدين الذين ينشدون المعرفة، ويبتغون إصلاح أمر البلاد والعباد، أو ما يسميه ابن خلدون بالعمران البشري. وكانت البداية حصولي على جائزة الكويت للتقدم العلمي في العلوم الاجتماعية عام 1985، وهي حوالي مليون جنيه مصري بأسعار تلك الأيام و(فيلا) تملكها الأسرة في ضاحية المقطم. وقد حدد المركز لنفسه رسالة بسيطة، وهي إعلاء شأن قيم الحرية والمعرفة والتنمية والعدالة. وضمن ذلك، ولضمان ذلك، فإن الديمقراطية هي الإطار المؤسسي الأمثل للحكم الصالح، والمجتمع المدني هو البنية الأساسية الضرورية لتحقيق ذلك.
وربما كانت أهم مآثر مركز ابن خلدون هي تقديمه "لمفهوم المجتمع المدني" إلى اللغة العربية، والمجال العام، كفضاء للحرية، خارج سيطرة الدولة والأسرة والقبيلة والقطاع الخاص. فرغم أن المضمون قديم يعود إلى عدة قرون مضت، إلا أن المفهوم والمصطلح حديثان نسبياً في التجربة الإنسانية المعاصرة. ولم يدخل مفهوم "المجتمع المدني" إلى حياتنا العامة إلا بعد أن روّج له مركز ابن خلدون في ثمانينات القرن الماضي، من خلال مطبوعاته الدورية، شهرياً وفصلياً وسنوياً.
وقد تفرغ المركز في سنواته الخمس الأولى (1988-1993) لإرساء قاعدة معرفية ومعلوماتية حول القيم والقضايا التي من أجلها تأسس، ثم بدأ يدعوا الرأي العام في مصر والوطن العربي إلى مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، سواء ما يتعلق منها بأنظمة الحكم، والديمقراطية، أو ما يتعلق منها بحقوق المواطنة، وخاصة للنساء والأقليات الدينية، والعرقية واللغوية. وكانت اطروحات مركز ابن خلدون في هذه أو تلك جديدة وجريئة. لذلك لم تستسغها الحكومات والقوى الاجتماعية والسياسية المهيمنة على الساحة. ورأت فيها تهديداً لسيطرتها المطلقة، لا فقط على السلطة، ولكن أيضاً على عقول الناس. فكان رد فعلها عنيفاً ـ بدأ بحملات إعلامية لتشويه سمعة العاملين في المركز. فبدلاً من أن ترد السلطة على الحجة بالحجة، أو تقدم اطروحات بديلة، دأبت على التشكيك في دوافع المركز، وفي وطنيتهم حيناً أو في دينهم حيناً آخر. واستغلت السلطة احتكارها للإعلام المقروء والمرئي والمسموع لكيل الاتهامات. كما وظّفت الأجهزة المباحثية صحافتها الصفراء ولغتها الساقطة للهجوم الغوغائي على ابن خلدون، والتي طاب لبعضها أن يطلق عليه مركز "ابن صهيون"!
وفي آلاف الصفحات التي هاجمت المركز، لم يرد رقم واحد أو إحصائية، أو نتائج بحث علمي للرد على أو لتفنيّد ما كان يطرحه مركز ابن خلدون من دراسات أو وجهات نظر. لقد كان المشهد أشبه بمفلس سفيه، ولكنه يحتكر تلالاً من الحجارة يقذف بها مجتهدي مركز ابن خلدون. ولما لم تجد حملات التخوين والتكفير والقذف والتشهير هذه، لفقت الأجهزة الأمنية قضية، قبضت من خلالها على مؤسس المركز وسبعة وعشرين من الباحثين والعاملين فيه، وأودعتهم السجون، ونهبت المركز ـ من كتب وملفات وأجهزة كمبيوتر، وأوصدته لمدة ثلاث سنوات، في غضونها، قدم الخلدونيون لثلاث محاكمات، اثنان منهما أمام محاكم "أمن الدولة"، التي هي جزء من قوانين الطوارئ، ولا تلتزم بالإجراءات والمعايير الدولية للمحاكمات العادلة. لذلك نقضتها المحكمة العليا، وقررت أن تقوم هي بنظر القضية في محاكمة ثالثة.
وأمام محكمة النقض برئاسة رئيسها، المستشار فتحي خليفة، وثمانية من أقدم نوابه، وفي جلسات علنية راقبها العالم، من خلال وسائل الإعلام وممثلي منظمات حقوق الإنسان المصرية والعربية والدولية، حكمت أعلى محاكم الديار المصرية ببراءة كاتب هذا المقال (المتهم الأول)، وكل زملائه السبع وعشرين، من كل التهم. وفي سابقة غير معهودة، تعمدت محكمة النقض أن تصدر حيثيات حكم البراءة في خمس وثلاثين صفحة، ترد فيها على كل الادعاءات بل وأكثر من ذلك تدين الأجهزة التي أعدت (أي لفقت) القضية، وتنتقد تركيز كل السلطات في مؤسسة رئاسة الجمهورية.
لقد كانت حيثيات الحكم بالنسبة للخلدونيين أهم من البراءة ذاتها. لأن تلك الحيثيات انطوت على رد اعتبارهم، لا قضائياً وقانونياً فقط، بل أدبياً ومعنوياً أيضاً. لقد كان هذا الحكم التاريخي لمحكمة النقض، وهي الوحيدة التي حافظت على استقلالها منذ إنشائها مع دستور 1923، والحيثيات التي سطرتها هي التي مكنت الخلدونيين من إعادة بناء مركزهم الذي كانت الأجهزة قد نهبته، ثم الاحتفال بتشغيله من جديد يوم 30 يونيه 2003، أي في الذكرى السنوية الثالثة لاحتلاله، وأسر العاملين فيه. ومنذ ذلك الحين أصبح الخلدونيون يعتبرون 30/6 من كل عام هو العيد القومي لمركزهم.
ولكن الخلدونيون في هذه الذكرى السابعة يستشعرون أن نفس الأجهزة التي كادت لهم عام 2000، تكيد لهم من جديد، حيث نظمت حملات إعلامية مسعورة، ثم أوعزت لثلاث من عملائها بتقديم ثلاث بلاغات للنائب العام، لإقفال المركز، ومحاكمة رئيسه بتهم عديدة، منها الخيانة العظمى. وقيل أن ذلك بسبب ما تناقلته وسائل الإعلام ما يفيد أن الكونجرس الأمريكي ينوي تعليق مبلغ مائتي مليون دولار من المعونة السنوية لمصر، والتي تصل إلى حوالي ملياري دولار، إلى أن ينفذ الرئيس حسني مبارك الوعود التي كان قد قطعها على نفسه، أثناء حملته الانتخابية للولاية الخامسة، منذ سنتين. وفي مقدمة هذه الوعود، الموافقة على مشروع القانون الذي يكرّس استقلال السلطة القضائية، وإنهاء قوانين الطوارئ، والإفراج عن المعتقلين والمسجونين السياسيين.
وبدلاً من التركيز على تنفيذ هذه الوعود الرئاسية، بحثت الأجهزة عن كبش فداء لتصب عليه جام غضبها وتستعدي الرأي العام عليه. وليس لديها أسهل من مركز ابن خلدون، وكأنه هو المسئول عن قرارات الكونجرس الأمريكي، أو عن خطايا النظام المصري. وها نحن نُشهد قراءنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية