Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

حرب الأربعين عاماً
د. سعد الدين إبراهيم

June 07 
لكل من أبناء جيلي ذكرى أليمة مع يوم 5 يونيه 1967. ومازلت أذكر وقائع ذلك اليوم والأيام التالية كما لو كانت قد وقعت بالأمس. فقد شاءت مقاديري أن أكون وحيداً في بلدة صغيرة في شمال كاليفورنيا، اسمها "أركاتا" (Arcata ). ولأن صدمة الهزيمة غيّبت وعيي لعدة أيام أخرى، فحين عاد إلىً الوعي، وجدت نفسي ملتحياً بلحية كثيفة، ظلت معي بكاملها لعدة سنوات، حيث قررت وقتها أنها عنوان للهزيمة، وأنني لن أحلقها إلا بعد تحرير الأرض المحتلة، والأمة الجريحة. وحين وقعت حرب أكتوبر 1973، وحقق العرب فيها انتصاراً محدوداً حرروا فيها جزءاً من الأرض، واستعادوا جزءاً من الكرامة، فقد حلقت جزءاً من لحيتي. وما زالت بقية اللحية (التي يراها القارئ في صورتي مع هذا المقال) تنتظر استكمال التحرير واستعادة الكرامة. لقد طال الانتظار إلى أربعين عاماً.
إن عنوان هذا المقال هو من وحي مقال في صحيفة هاآرتس الإسرائيلية لعالم السياسة الإسرائيلي المعروف شلومو أفنيري. وملخصها أن الانتصار الكاسح لإسرائيل على جيوش ثلاث دول عربية في ستة أيام، أسكر إسرائيل، وأضاع منها فرصة ذهبية لتحويل انتصارها العسكري إلى سلام منصف، فمهدت بذلك لانفجار عدة جولات مسلحة منذ ذلك الوقت: حرب الاستنزاف (1968-1970)، حرب أكتوبر (1973)، غزو لبنان (1982)، حرب تحرير جنوب لبنان (1982-2000)، الانتفاضة الأولى (1987-1991)، الانتفاضة الثانية (2000-2005)، حرب الصيف مع حزب الله (2006). ويخلص شلومو أفنيري إلى أن إسرائيل انتصرت في جولة الأيام الستة (1967) ولكنها ما زالت تحارب في معارك متتالية، جعلتها تستحق تسمية حرب الأربعين عاماً. ولا يبدو لأفنيري أن نهاية تلك الحرب في الأفق المنظور. وهنا أترك أفنيري، وأبدأ تأملاتي الخاصة:
* التأمل الأول: نهاية مقولة هنيئاً لك يا سمك البحر. كنت أستمع لإذاعة صوت العرب، التي كانت الوحيدة التي يمكن التقاطها، حيث كنت في كاليفورنيا، يوم 5 يونيو 1967. وجاء صوت صاحبها أحمد سعيد، الذي كان يتوعد الإسرائيليين بإلقائهم في البحر، ويهنئ أسماك المتوسط بالوليمة المنتظرة!. ربما ما يزال بعض العرب يتمنون أن يلقوا إسرائيل في البحر، ولكنهم لا يجهرون بذلك علناً، كما كان يفعل أحمد سعيد أو السيد/ أحمد الشقيري، أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية (1964-1968). ولكن غالبية العرب أصبحت تدرك أن إسرائيل حقيقة قائمة في الشرق الأوسط، ولن يستطيع العرب أن يتخلصوا منها أو يهزمونها عسكرياً في الأجل المنظور. وبالتالي ينبغي التعايش معها، ومحاولة التوصل إلى حلول معقولة تعيد للفلسطينيين حقوقهم، بما في ذلك إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة. وهذا النهج التعايشي السلمي هو ما اتبعته مصر الساداتية والمباركية، والأردن الهاشمية، وبعض بلدان الخليج والمغرب العربي. وقد توقفت بذلك الحروب بين إسرائيل والأنظمة الحاكمة العربية.
* التأمل الثاني: التحول إلى حروب عربية داخلية. مع توقف الحروب النظامية بين إسرائيل والحكومات العربية، دخلت هذه الأخيرة في حروب داخلية مع معارضيها ـ في مصر وسوريا والعراق والسودان وليبيا والجزائر والصومال. ويتجسم ذلك في الموازنة بين حجم الجيوش وحجم قوات الأمن الداخلي في معظم هذه البلدان العربية. ففي بلدان مثل مصر وسوريا وليبيا واليمن والسودان، مثلاً، وصل حجم قوات الأمن الداخلي (الشرطة، والأمن المركزي والمباحث) إلى ثلاثة أمثال حجم الجيش (القوات المسلحة). ومهمة قوات الأمن الداخلية هي قمع المعارضين، وحماية النظام الاستبدادي الحاكم في هذه البلدان العربية. وفي بلد مثل مصر، تحديداً، دخل النظام في مواجهات مسلحة مع الإسلاميين بمختلف أطيافهم، والطلبة والعمال وبدو سيناء. هذا فضلاً عن مواجهات غير مسلحة مع القضاة وأساتذة الجامعات والمهندسين والأطباء. وبهذه الأجهزة الأمنية المتضخمة استطاعت الأنظمة الاستبدادية العربية أن تشيع الخوف، ثم الرعب بين أبناء شعوبهم. من ذلك ما أصبحنا نشهده في مصر في كل محاولة احتجاج، حتى لو كانت سلمية، حيث يجد كل متظاهر عشرة عناصر أمنية مسلحة تنتظره في كل ميدان أو ساحة أو شارع. فإذا أصر على التظاهر فإنه عادة يجد نفسه وراء القضبان.
* التأمل الثالث: الإسلاميون يقودون مقاومة "الغزاة" من الخارج. فبعد هزيمة الحكومات العربية في 1967، بدأت الشعوب تأخذ المبادرة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وفي البداية كانت هذه المقاومة على يد منظمات فلسطينية مدنية (علمانية) مثل فتح والجبهة الشعبية. ورغم تضحيات وبسالة المقاتلين إلا أنهم لم ينجحوا في تحرير الأرض، وإن كانوا قد أعادوا بعض الثقة إلى الذات العربية الجماعية. ثم حمل لواء هذه المقاومة مقاتلوا حزب الله في لبنان، وأطفال الحجارة، ثم مقاتلوا حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. وأصبح واضحاً أن هذه المقاومة الشعبية أطول نفساً وأكثر فاعلية في إدارة الصراع. وأبدعت نفس هذه المقاومة الشعبية فنوناً وأساليب مبتكرة، حاز بعضها إعجاب وتعاطف الرأي العام العالمي، مثل الانتفاضة الأولى لأطفال الحجارة، بينما استفز بعضها الآخر مشاعر الرأي العام العالمي ـ مثل اختطاف الطائرات واستخدام ركابها كرهائن، في السبعينات والثمانينات، أو التفجيرات الانتحارية ضد العسكريين والمدنيين على السواء. وقد سهّلت هذه الأخيرة على إسرائيل إلصاق تهمة الإرهاب بهذه الممارسات، ثم عممّت التهمة بعد ذلك في التسعينات ومطلع القرن الحادي والعشرين على كل مقاومة للاحتلال الإسرائيلي. وحينما وقعت تفجيرات برجا مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاجون في واشنطن في سبتمبر 2001، اختلط "الحابل" الفلسطيني "بالنابل" الإسلامي المتطرف خارج فلسطين. ودخلت أمريكا بكل قوتها وجموحها مباشرة على خطوط الصراع، بإعلانها الحرب على الإرهاب، متبنية في ذلك وجهة النظر الإسرائيلية. فأصبحت كل مقاومة فلسطينية، في نظر الأمريكيين "إرهاباً". وهو ما أفقد القضية الفلسطينية بعض التعاطف العالمي الذي كانت قد كسبته من خلال أطفال الحجارة في الانتفاضة الأولى (1987-1991).
* التأمل الرابع: الإسلاميون على خطوط التماس العربي ـ الإسرائيلي يخوضون المعركة السياسيةـ الانتخابية داخل مجتمعاتهم. ونقصد بذلك حزب الله، ذو القاعدة الشيعية، في لبنان، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ذات القاعدة السُنية، في فلسطين. وجاء ذلك بعد سنوات من النفور ومقاطعة الانتخابات والديمقراطية عموماً، لكونها في نظرهم "بدعة غربية" مستوردة، ولكن مع زيادة شعبيتهم من ناحية وشعبية الديمقراطية عند الناس عموماً، غيّر حزب الله، أولاً، ثم حماس بعد ذلك، من موقفيهما من الديمقراطية وخاضا الانتخابات في بلديهما. وحاز حزب الله على ما يقرب من ثلث المقاعد البرلمانية في الانتخابات اللبنانية، وحازت حماس على أكثرية المقاعد في أخر انتخابات تشريعية فلسطينية (يناير 2006). وكانت هذه الأخيرة مفاجأة للجميع، بما فيها قيادة حماس نفسها، التي وجدت نفسها مُطالبة بتشكيل حكومة فلسطينية جديدة، تدير الشأن الفلسطيني الداخلي، وتفاوض "الأعداء" فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني الخارجي. وبينما كانت حماس قادرة وراغبة في إدارة الشأن الداخلي، فإنها لم تكن كذلك فيما يتعلق بالشأن الخارجي. فهذا الأخير كان يتطلب الاعتراف بإسرائيل، والجلوس مع مفاوضيها، وهي التي عاشت منذ نشأتها (1987) تنفي وجود الآخر "اليهودي"، وتريد اقتلاعه تماماً من أرض فلسطين. وظل هذا الموقف معضلة بالنسبة لحماس في عامها الأول في السلطة. وها هي في عامها الثاني تصارع من أجل إيجاد صيغة تحكم فيها دون أن تعترف أو تجلس مع الآخر "الإسرائيلي"، الذي يعترف به العالم، ونصف العرب ونصف الفلسطينيون.
*التأمل الخامس: عولمة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي خلال العقدين الأخيرين. فمع خروج معظم الأنظمة العربية الحاكمة من الساحة المباشرة للصراع مع إسرائيل، اندفعت أطرافاً جديدة إلى هذه الساحة، في مقدمتها إيران، وتنظيم القاعدة الذي يقوده المنشق السعودي أسامه بن لادن، ونائبه المنشق المصري أيمن الظواهري. هذا رغم خلافات أيديولوجية واضحة، ورغم حرص حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى على "الاستقلالية". ومع انفجار صراعات مسلحة في أفغانستان، ثم العراق، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وجدت أطراف خارجية عديدة أن للمسألة الفلسطينية جاذبية عند بقية العرب والمسلمين وقطاعات واسعة في العالم الثالث. فأصبحت كثير من الاحتجاجات السلمية وغير السلمية، بما فيها التفجيرات الانتحارية، باسم القضية الفلسطينية، تتم في كل أنحاء العالم من الفلبين شرقاً إلى الأرجنتين غرباً. وأصبحت "الكوفية" الفلسطينية رمزاً للمتظاهرين ضد العولمة في الاجتماعات السنوية لمجموعة الثمانية الكبار، من سياتل إلى برلين.
* التأمل السادس: عشائرية الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني، خلال العامين الأخيرين. فمن مفارقات الصراع الذي نحن بصدده أنه بينما تتسع آفاقه إقليمياً وعالمياً، فإن أصحابه الأصليين، وهم الفلسطينيون، ينحدرون إلى مستويات دنيا من الفصائلية، ثم القبائلية، ثم العشائرية، ثم العائلية في صراعاتهم الأهلية.
وهكذا يجد الفلسطينيون والعرب وإسرائيل والعالم أنفسهم في الذكرى الأربعين لحرب يونيه، وهم ما يزالون في مآزق متجددة ومتعددة لهذا الصراع الذي أصبح فيه ثلاثمائة مليون عربي بمثابة "رهائن". فلا هم حسموه، حرباً أو سلماً، ولا هم تقدموا اقتصادياً، ولا هم توحّدوا قومياً، ولا هم تحوّلوا ديمقراطياً.

فلا حول ولا قوة إلا بالله

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية