Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

العرب في قطر: مع موريتانيا ثانية بثانية

June 07

 
استضافت دولة قطر الملتقى العربي الثاني للديمقراطية والإصلاح (27/29 مايو 2007)، والذي توّج بإعلان الشيخة موزة عن إنشاء "مؤسسة عربية للديمقراطية"، لدعم المنظمات والنشطاء في مجال الحقوق والحريات. وكانت قطر هي أيضاً التي استضافت الملتقى الأول في أعقاب غزو العراق للإجابة على السؤال: هل نبادر نحن العرب بالتغيير والإصلاح بأيدينا، أم ننتظر إلى أن يأتي التغيير غصباً عنا بيد الأجنبي من الخارج؟ أو كما يتساءل المثل المأثور: هل بيدنا أم بيد عمرو؟
وتعتبر الشيخة موزة بنت ناصر المُسند، حرم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حاكم قطر، هي الراعية الأكثر حماساً وعطاء لمبادرة الديمقراطية في العالم العربي، والتي تجئ بديلاً للمبادرات الخارجية، سواء المدعومة أمريكياً، مثل الشراكة الشرق أوسطية، أم المدعومة أوربياً، مثل الشراكة الشرق المتوسطية.
وكان الملتقى العربي الثاني هو الأكثر واقعية وصراحة في مراجعة وتقييم مسيرة الإصلاح والديمقراطية في الوطن العربي. وقد شارك فيه حوالي خمسمائة من الناشطين من المحيط إلى الخليج، وتميز تنوع من أسهموا فيه من ثلاثة أجيال عربية ـ من شباب في عشرينات العمر إلى شيوخ قاربوا التسعين، ومن الإناث بقدر الذكور، ولكن تجمعهم اللوعة على تخلف بلدانهم العربية عن الالتحاق بالموجة الديمقراطية الثالثة التي تجتاح العالم منذ ثورة البرتغال عام 1974، والتي شملت إلى تاريخه أكثر من مائة بلد في كل قارات العالم، من كل الأديان والأجناس والأعراق واللغات. وهم يتساءلون كما يتساءل غيرهم، هل هناك في دينهم الإسلامي أو ثقافتهم العربية ما يتناقض أو يتنافى مع الحرية والديمقراطية؟ وهل العيب في شعوبهم أم في حكامهم؟.
وكان د. عزيز صدقي من أبلغ من خاطبوا الملتقى العربي الثاني للديمقراطية، وهو أيضاً الأكبر سناً، حيث قارب التسعين، ويعتبر أبو الصناعة في العالم العربي. فقد كان أول وزير للصناعة في المنطقة، عام 1956، أي قبل خمسين عاماً. وتقلد بعد ذلك منصب رئاسة الوزراء في مصر في عهدي الرئيسين المصريين جمال عبد الناصر وأنور السادات. واعترف الرجل والدموع في عينيه أن التنمية بلا ديمقراطية لا يمكن لها الاستمرار أو الاستقرار، والعكس صحيح تماماً. وضرب المثل بألمانيا واليابان. فقد تقدمتا صناعياً بشكل مبهر في النصف الأول من القرن العشرين. ولكن لأنهما لم يقرنا تقديمها الاقتصادي بالتقدم السياسي، الذي هو الديمقراطية، فإنهما انتكستا بهزائم عسكرية مروعة. ولكنهما استفادتا من دروس هزائمهما، فاقترن إعادة بنائهما اقتصادياً بعد الحرب العالمية الثانية بتحولهما إلى الديمقراطية. وها هما تقودان أوروبا وشرق أسيا نحو التكامل والازدهار. ولكنا نحن العرب، لم نتعلم بعد من دروس هزائمنا. نعم، لقد كان الرجل (عزيز صدقي) مسئولاً عن التصنيع في أول خطة خمسية في مصر، وأثبتت مصر فيها أنها قادرة على بناء صناعات ثقيلة ومتوسطة متقدمة. وكانت سابقة في هذا المجال لكل من كوريا والهند. ولكن لغياب المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار أو المراقبة والمحاسبة، اندفعت القيادة في مغامرات خارجية غير محسوبة بدقة، مما أدى إلى هزائم وانتكاسات أهدرت معظم، إن لم يكن كل، الإنجازات التنموية السابقة. بل وكان استمرار غياب المشاركة الشعبية، أي الديمقراطية، هو السبب في إهدار المال العام، أو تركه للنهب بواسطة المغامرين والجشعين. وتساءل عزيز صدقي عما إذا كان لشيخ مثله أن يظل يحلم بوحدة عربية من خلال الديمقراطية والتنمية؟
وخاطب نفس الملتقى نموذج عربي آخر، لم يكن قد ولد حينما تبوأ عزيز صدقي قيادة التصنيع في مصر. بل ولم تكن حتى بلده، موريتانيا، قد وجدت بهذا الاسم بعد على الخريطة، في أقصى غرب إفريقيا. إنه العقيد/ أعلى ولد محمد فال، الذي قاد انقلابا عسكرياً مع مجموعة من شباب الضباط الموريتانيين في منتصف عام 2005. ولكن بدلاً من أن يوطدوا أقدامهم في السلطة، كما فعل انقلابيون آخرون من الضباط في موريتانيا وبلدان عربية أخرى، فإنهم قرروا أن يقودوا بلدهم العربي الإفريقي الصغير والفقير نحو الديمقراطية. نعم، لم ينتظروا خمسين سنة ليكتشفوا ما اكتشفه د. عزيز صدقي. لقد اكتشفوا أن "الديمقراطية هي الحل" للخروج من الضلال إلى النور، ومن الاستبداد إلى الحرية. فعاهدوا شعبهم على إعداد العدة لانتخابات ديمقراطية حرة، وتحت إشراف دولي. وبعد خمسة عشر شهراً، وليس خمسة وعشرون عاماً، أوفي أعلى محمد ولد فال ورفاقه الضباط بوعدهم  لشعبهم الموريتاني وأمتهم العربية وقارتهم الإفريقية، والعالم، وسلموا السلطة للرئيس المدني المنتخب ديمقراطياً عبد الله ولد الشيخ. وقال الرجل بتواضع شديد انه وزملائه لم يفعلوا شيئاً خارقاً للعادة. لقد أدركوا أن العسكر كانوا هم سبب نكبة موريتانيا منذ الاستقلال عام 1960، ولذلك شعروا، كعسكر، بالمسئولية عن إنقاذ موريتانيا. وقوبل الرجل بتصفيق شديد ومتواصل من الخمسمائة مشارك في قاعة الملتقى العربي الثاني للديمقراطية. وتذكر أحد المشاركين أن المظاهرات المصرية في ميدان التحرير بالقاهرة، كانت تردد هتافاً مليئاً بالمحبة والإعجاب، وربما بالحسد، وهو: موريتانيا... موريتانيا... مصر معاكي ثانية بثانية. فردد المشاركون العرب في الملتقى بدورهم: موريتانيا ... موريتانيا... نحن معاكي ثانية بثانية!
وهكذا بين أحلام المعمّر عزيز صدقي، والضابط الثائر أعلى ولد فال، والمعطاءة الحسناء الشيخة موزة بنت ناصر المُسند، تجددت أحلام ثلاثة أجيال عربية من شواطئ الدوحة على الخليج إلى شواطئ موريتانيا على المحيط. فهل صحيح كما قال أعلى ولد فال، إن العسكر هم الذين أودوا ببلادهم إلى غياهب الديكتاتورية، وبالتالي، فإن عليهم أن ينقذونها بالديمقراطية؟

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية