نبّاحون ونوّحون على الديمقراطية من الدوحة إلى براغ
د. سعد الدين إبراهيم
June 07
شاركت مؤخراً في مؤتمرين عن "الديمقراطية". أحدهما في مدينة الدوحة، عاصمة دولة قطر (27-29/5/2007)، والثاني في مدينة براغ، عاصمة دولة التشيك (5-6 يونيه 2007). ورغم أنني أشارك في مؤتمرات عديدة حول نفس الموضوع طوال السنوات الأخيرة، والتي شهدت تحولات ديمقراطية غير مسبوقة في حوالي مائة بلد في كل قارات العالم، إلا أن المؤتمرين الأخيرين حظيا باهتمام أيضاً غير مسبوق في الصحافة المصرية. وضمن هذا الاهتمام ما تعرض له مركز ابن خلدون أو ما تعرضت له أنا شخصياً (سعد الدين إبراهيم)، من هجوم وانتقادات حادة. ولولا أن كثيرين قد كتبوا أو ألحوا عليّ بضرورة الرد، لما قمت بذلك في هذا المقال، حيث أنني تعودت على تجاهل الحملات الهجومية المنظمة من الأجهزة المباحثية والمخابراتية في الدولة المصرية، أو أخواتها في الأنظمة الاستبدادية العربية الأخرى.
1ـ وبداية، من حق القارئ، أن يعرف شيئاً عن المؤتمرين لعل ذلك يُفسر بعض الاهتمام بهما، أو الهجوم علي مشاركتنا فيهما. كان الأول في (الدوحة) وهو "الملتقى الثاني للديمقراطية والإصلاح في العالم العربي". وشارك فيه حوالي خمسمائة شخص، منهم مائة مصري، من كل ألوان الطيف الفكري والسياسي والنوعي والجيلي. وقام بتنظيم المؤتمر عدة أطراف ـ في مقدمتها اللجنة الوطنية القطرية لحقوق الإنسان (الدوحة)، ومركز دراسات الوحدة العربية (بيروت)، ومركز دراسات الإسلام والديمقراطية (واشنطون)، ومركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية (القاهرة). أما المؤتمر الثاني (في براغ)، فقد كان بعنوان "الديمقراطية والأمن في العالم"، وشارك فيه حوالي مائة شخص، منهم خمسة عشر عربياً (من سوريا والعراق وفلسطين والسعودية واليمن والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب). وكان منظموا مؤتمر براغ هم: "فكلاف هافل، والمنشق التشيكي السابق والرئيس التشيكي السابق، وهوسيه ماريا أزنار، المنشق ورئيس الوزراء الأسباني السابق، وناتان شرانسكي، المنشق السوفييتي السابق، والوزير الإسرائيلي اللاحق. وقد حضر الرئيس الأمريكي جورج بوش أحد جلسات مؤتمر براغ، وألقى فيها خطاباً رئاسياً، والتقى على حدة ببعض المشاركين، ومنهم المصري الوحيد الذي شارك في مؤتمر براغ، وهو عبد الله الفقير، سعد الدين إبراهيم.
2ـ في الملتقى الثاني للديمقراطية والإصلاح في العالم العربي، راجع المشاركون أسباب تلكؤ مسيرة التحول الديمقراطي في بلدانهم، وكيفية اللحاق بالركب الديمقراطي العالمي، والذي لا يوجد ضمنه إلا أربع بلدان ـ هي الكويت والبحرين ولبنان وموريتانيا ـ بينما الثماني عشر الأخرى، ومنها مصر والمغرب وقطر وفلسطين والجزائر واليمن، فهي ما تزال في مراحل مبكرة في تطورها الديمقراطي. وكان ضمن ما طالب به نشطاء الديمقراطية العرب هو إنشاء مؤسسة عربية خالصة، بواسطة ميسورين عرب، لدعم أنشطتهم حتى لا يظل اعتماد بعضهم على جهات دعم أجنبية (أوروبية وأمريكية ويابانية)، وهو ما يُعرضهم للانتقاد أو حتى الملاحقة القانونية من حكوماتهم. وقد استجابت الشيخة موزة بنت ناصر المُسند، حرم أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة، لهذا النداء، فأعلنت في الجلسة الختامية للملتقى عن تأسيس صندوق عربي للديمقراطية، تبرعت له دولة قطر بعشر ملايين دولار. واختير له مجلس أمناء، بينهم د. عزيز صدقي، رئيس وزراء مصر الأسبق، والرئيس الحالي للجبهة المصرية للإصلاح السياسي.
3ـوربما كانت أسباب الهجوم على مؤتمر الدوحة هي غيرة زوجات رؤساء عرب آخرون من مبادرات الشيخة موزة وتألقها في هذا المجال وغيره من مجالات الإصلاح والتطوير. ولأن هؤلاء الزوجات الغيورات يخجلن من الهجوم العلني المباشر على الشيخة موزة، فقد تركن هذه المهمة لرؤساء تحرير الصحف الحكومية المباحثية في بلدانهن. كذلك يدخل في باب الغيرة هذا، اولئك الذين كتبوا ينعون شرف الدور المصري في ريادة أو قيادة مسيرة الإصلاح والتحول الديمقراطي، ويستنكرون على دولة خليجية صغيرة، مثل قطر، أن تقوم باستضافة ملتقيات الديمقراطية، بل ودعم نشاطها. وأخيراً هناك من استاءوا لعدم دعوتهم لملتقى الدوحة، وبدلاً من قول ذلك صراحة، فقد هاجموا المبادرة كلها.
4ـ كانت هناك مع ذلك انتقادات موضوعية من بعض المشاركين المصريين في لقاء الدوحة. من ذلك نقد الأخ منتصر الزيات، محامي الجماعات الإسلامية، لزيادة "النبرة العلمانية" في أوراق وآراء المشاركين الآخرين، وكبر أعمار بعض المشاركين أو اختيارهم لعضوية مجلس الأمناء، ثم لصغر أعمار مشاركين آخرين، وعدم شهرتهم. وردنا على انتقادات منتصر الزيات (المصري اليوم 2/6 و 9/6/2007) على التوالي، هو أنه يبدو أن الأخ منتصر الزيات لم يلاحظ وجود الشخصيات الإسلامية المرموقة من أمثال المفكران الكبيران جمال البنا والإمام الصادق المهدي. كذلك لم يلاحظ أنه إلى جانب كبار السن والمقام الذين شاركوا، وعاب هو ذلك على منظمي الملتقى، فقد كان رُبع المشاركين من صغار السن والمقام، وهو ما عابه أيضاً، حيث تساءل في استخفاف عن أحدهم (من هو علي الفيل هذا؟). وخلاصة انتقادات الأخ منتصر الزيات هي أن المؤتمر عابه قلة عدد الإسلاميين من نفس مجموعته الإسلامية، ومن نفس مجموعته العمرية (الأربعينات)، ومن نفس مستوى شهرته، وأنه لم يتم اختياره لعضوية مجلس أمناء المؤسسة الجديدة. وعلى نفس الطراز، ولكن في الاتجاه المعاكس، وردت انتقادات شفوية أو مكتوبة من زملاء وزميلات ـ منهم جورج اسحق، وغادة شهبندر، وسلوى بكر، وهاني عناني ـ حول زيادة النبرة الدينية الإسلامية في جلسات وأوراق المؤتمر. كما ورد نقد مهني من الأستاذ سامح عاشور، نقيب المحامين المصريين، ورئيس اتحاد المحامين العرب، بسبب ضآلة عدد من تم دعوتهم من النقابات المهنية عموماً والمحامين خصوصاً. ورد الأطراف المنظمة للمؤتمر على هذا العتاب هو أن نسبة المحامين والقانونيين في الملتقى كانت أعلى فئة مهنية (أي قياساً أو مقارنة بالأساتذة والمهندسين والأطباء والقضاة). وفي كل الأحوال فهذه انتقادات تأتي من موقع تقدير وحرص على رعاية التجربة الوليدة.
5ـ أما الهجوم على مؤتمر براغ حول الديمقراطية والأمن، فلا يستحق النبّاحون أي رد. فهم على ما يبدو كانوا ينفذون نفس التعليمات الصادرة من نفس الأجهزة المباحثية، التي يسيئها ويغضبها أن ينقد أي مسئول خارجي السياسية المصرية أو أن يدافع عن سجناء الرأي والضمير في مصر، على نحو ما فعل الرئيس جورج بوش في التنويه بأيمن نور، والمطالبة بالإفراج عنه. أما ما يستحق الرد حول هذا المؤتمر فهو ما ورد في العمود الأسبوعي للأخ صلاح عيسى، في صحيفة المصري اليوم 9/6/2007، ينوّح أو ينعي فيه مستغرباً، كيف أقوم بالدعوة إلى أن يكون التغيير والإصلاح بيدنا نحن العرب، وليس يبد عمرو الأجنبي، في ملتقى الدوحة، ثم ألتقي بالرئيس بوش لأحثه عن التوقف عن دعم الطغاة العرب ـ من أمثال الأنظمة الحاكمة في مصر وتونس والسعودية ـ أو عمل ذلك شريطة أن يفرجوا عن المعتقلين، ويلغوا قوانين الطوارئ، ويسمحوا بمزيد من الحريات العامة، وهو ما فعلته حينما التقيت بالرجل في مؤتمر براغ. ويتعجب صلاح عيسى كيف أدعو لشيء في الدوحة، ثم أعمل شيئاً آخر في براغ بعدها بأسبوع واحد. وهو استغراب مفهوم. وردي عليه أن هدفي هو تحريك مسيرة الديمقراطية وأنني، كأحد نشطائها، أسعى بكل الوسائل والسبل لتحقيق هذا الهدف. ولأن الرئيس بوش سألني كيف يمكن لبلاده أن تساعد الديمقراطيين في عالمنا العربي، كانت إجابتي هي أن يكف الأمريكيين عن فرض الديمقراطية بالسلاح، كما يفعلون في العراق، وأن يكفوا عن دعم الطغاة من أمثال آل مبارك (2 مليار دولار سنوياً). لم تكن لدي إجابة أخرى حاضرة على السؤال، فإذا كان لدى صلاح عيسى إجابة أخرى، فليرسلها للرئيس بوش مباشرة، أو ليخبرنا بها، وأعده بأن أقوم بنقلها نيابة عنه إلى البيت الأبيض.
وعلى الله قصد السبيل