Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

صناعة الكراهية العلنية، والمحبة السرية للغانية الأمريكية
د. سعد الدين إبراهيم

June 07

          ما زال الحديث الذي أدليت به لصحيفة الدستور عن لقاء الرئيس الأمريكي بوش (13/6/2007) يثير كثيراً من الغضب واللغط والخبل عند الكثيرين ممن يعملون في خدمة نظام آل مبارك مباشرة من رؤساء تحرير صحف الحكومة، أو من كوادر الصف الثاني لدى الأجهزة الأمنية والمخابراتية، والذين يتطلعون لمواقع أفضل ومكافآت أسخى. طبعاً يُستثنى من هذا وذاك قلة من الكتاب المحترمين، الذين كانت لهم تحفظات أو انتقادات سواء على تلك المقابلة، أو على ما سبقها بعدة أيام من مشاركتنا في الملتقى العربي الثاني للديمقراطية والإصلاح، الذي عُقد في العاصمة القطرية (27-29/5/2007)، ومنهم الأخوة صلاح عيسى، ومنتصر الزيات، وجورج إسحق، ووائل نوارة، وغادة شهبندر، وسامح عاشور. وهؤلاء قمنا بالرد عليهم في مقالاتنا الدورية، التي تظهر كل سبت، في صحيفة المصري اليوم. كذلك لا بد من التنويه بمن دافعوا سواء عن ملتقى الدوحة، مثل الزميلة سحر الجعارة، أو الذين فندوا وسخروا من الملتاعين لمقابلة جورج بوش، وعلى رأسهم المؤرخ الكبير جمال بدوي.
وقد توقفت عن التعليق على مؤتمر الدوحة، وعن مؤتمر براغ حول الديمقراطية والأمن، والذي التقيت الرئيس الأمريكي على هامشه، لأن أحداثاً جساماً تتفجر في المنطقة، وتستحق المتابعة والتحليل والتعليق. ولكني أعود اليوم للتعليق على بعض مستجدات الحملة الإعلامية المحمومة، والتي انضم إليها د. حسن نفعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والذي انتقل إلى عمان، حيث يعمل أميناً عاماً لمنتدى الفكر العربي. كما فعل نفس الشيء عضو مجلس الشورى لواء الشرطة الســابق د. نبيل لوقا ببلوي، وقاضي سابق وسجين حالي اسمه مرتضى منصور، ومحامي اسمه نبيل الوحش، الذي تخصص طوال السنوات العشرة الأخيرة في رفع قضايا متتالية لإقفال مركز ابن خلدون وإسقاط الجنسية المصرية عن العبد الفقير لله (سعد الدين إبراهيم).
* حديث الغواني
ومن مظاهر الحملة الإعلامية المذكورة أنها كشفت مجدداً عن متناقضات في نفوس وعقول العديدين ممن شاركوا فيها. من ذلك الموقف المضطرب من أمريكا، والذي كنت قد رصدته بداية بين اليساريين والناصريين المصريين منذ ثلاثين سنة. فقد كان كثير منهم يهاجم أمريكا طوال العام ليل نهار، ويتوعدونها بعظائم الأمور، وكنا نسمع منهم ونقرأ لهم كتباً ومقالات عن أزمة النظام الرأسمالي العالمي. وقد اكتشفنا بعد ذلك أن "الأزمة" لم تكن في النظام الرأسمالي، ولكن كانت في النظام الاشتراكي الماركسي، الذي سقط سقوطاً مدوياً، مع حائط برلين، عام 1989.
كان متوسطوا العمر من هؤلاء الأصدقاء اليساريين، ممن لهم أبناء وبنات في المدارس، يهرعون إلىّ بمجرد ظهور نتيجة الثانوية العامة، لكي أتوسط لهم لإدخال أبنائهم إلى الجامعة الأمريكية، حيث كنت وما زلت أعمل. وكنت في البداية أستغرب كيف يرغبون في تعليم ذويهم في ما كانوا يطلقون عليها في صحف مثل الأهالي والشعب "بقلعة الإمبريالية الأمريكية" وسط القاهرة. وكان في مقدمة من يهاجمون بالليل ثم يتوددون بالنهار، أو العكس، الرئيس محمد حسني مبارك نفسه، حيث أن ثلاثة من أفراد أسرته تلقوا تعليمهم وحصلوا على شهاداتهم من الجامعة الأمريكية. ويحدث نفس الشيء الآن لحفيديه اللذان يتلقيان تعليمهما في المدرسة الأمريكية بالمعادي. لقد كان هذا الاكتشاف المبكر لازدواجية الخطاب وتناقض الممارسة، مما سيحدث مراراً وتكراراً، طوال العقود الأربعة الأخيرة. إنهم بهذا المعنى مثل المتعاملين مع الغانيات في تراثنا العربي. فقد كان الماجنون منذ العصر الأموي والعصر المملوكي يدينون أو يتهكمون بالنهار على سلوك الغانيات، ثم يتسللون في جنح الليل للتردد على مجالس وأحضان تلك الغانيات. وهذا هو ما يحدث بين آل مبارك وعملائهم من ناحية وأمريكا عموماً، بل وإدارة جورج بوش خصوصاً. من ذلك أن الرئيس مبارك نفسه التقى كل الرؤساء الأمريكيين عشرات المرات. كما أرسل نجله، جمال للقاء الرئيس جورج بوش ثلاث مرات على الأقل، مع أن السيد جمال لا يشغل منصباً رسمياً في الدولة، وموقعه في الحزب الوطني لا يختلف كثيراً عن نشطاء المجتمع المدني، ومنهم رئيس مركز ابن خلدون. كما أن رجال الأعمال المصريين ينظمون دورياً ما يسمونه بمهمات "طرق الأبواب"، ويعتبرون أنفسهم فاتحون منتصرون إذا التقوا وزيراً أو نائب رئيس أمريكي. فلماذا كل هذه الضجة التي يفتعلها آل مبارك وأعوانهم وخدامهم؟.
*حديث عن الأمريكي القبيح؟
قد لا يعلم آل مبارك وأعوانهم وخدامهم أنه صباح اليوم الذي التقيت أنا فيه جورج بوش، نشرت ليّ عدة صحف عربية وأجنبية نقداً لاذعاً لسياسات إدارته في المنطقة. بل وللتذكير فقط، ففي مثل هذا الوقت من العام الماضي، نشرنا مقالاً في عدة صحف بعنوان "الأمريكي القبيح ولبنان مجدداً" يوليو 2006، إدانة لموقفه المتواطئ مع إسرائيل في عدوانها على لبنان، ومحاولتها القضاء على حزب الله. وقيل وقتها أن حكومات مصر والأردن والسعودية باركت سراً هذا العدوان. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي نقدنا فيها علنا، في مقالات وكتب، السياسات الأمريكية. إنني فعلت ذلك، وسأستمر، بإرادتي الحرة، وحيثما يملي عليّ ضميري ذلك. فهذه ثقافة الحرية والأحرار، التي أشرف بالانتماء إليها. فهل يجرؤ أي من آل مبارك وخدامهم أن يفعلوا ذلك؟. إننا سنتحدث في فقرة قادمة عن ثقافة أخرى ينتمون هم إليها، وهي ثقافة العبودية والعبيد.
دعونا نأخذ نموذجين لزميلين أحمل لهما التقدير، هما اليساري الماركسي صلاح عيسى، والقومجي الناصري حسن نفعة. فكلاهما استنكف لقائي بالرئيس جورج بوش في العاصمة التشيكية براغ (5/6/2007) على نفس الشاكلة التي عهدنا هجوم رفاقهم على الجامعة الأمريكية بالقاهرة. ثم بعد الاستنكاف والاستهجان يقدم كل منهما قائمة طلبات تمنياً لو أنني قدمتها لجورج بوش. أي أنهما بعد وصلة النقد والهجوم والتوبيخ للرجل لما فعله في العراق ولبنان وفلسطين وأفغانستان والسودان وجومانتانو، فهما كانا يريدان أن أوبخه أنا أيضاً، ثم آمره بأن يكف عن مساعدة إسرائيل، ويجلي قواته فوراً من العراق وأفغانستان، وأن يرفع يده عن الصومال والسودان! أما لماذا يطلبان من الإمبريالي الأول ابن الستين إمبريالي أن يفعل كل ذلك، فإنني لم استوعبه جيداً. أن يهاجموا المسئول الأمريكي، وأن يلعناه ألف لعنة، فهذا مفهوم تماماً من الأرضية الأيدلوجية التي ينطلقان منها. ولكن بعد أن يصبا اللعنات على الرجل، ثم يتقدمان، أو يريدان منى أن أتقدم نيابة عنهما أو نيابة عن الأمة العربية والبرويتاليا العالمية بقائمة الطلبات المذكورة، فهو الأمر الذي لا يتسق منطقياً.
* حسنة (صدقة) وأنا سيدك؟؟
ولا تقل عن ذلك تهافتاً واضطراباً اللغو الذي امتلأت  به الصحف المباحثية ـ التي تصدر من لاظوغلي، مروراً بشارع القصر العيني إلى المهندسين، حول قرار لجنة الاعتمادات بالكونجرس الأمريكي، الذي يعلق مائتي مليون دولار، من المساعدة السنوية لمصر، إلى أن يقوم نظام مبارك بخطوات جادة لتنفيذ ما كان هو نفسه قد وعد به أثناء حملته الانتخابية منذ عامين. وفي المقدمة من ذلك إصدار قانون يكرّس استقلال السلطة القضائية، ويفرج عن المعتقلين وسجناء الرأي والضمير، وإلغاء حالة الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات. إن هذه مطالب الحركة الشعبية المصرية للتغيير، فإذا استجاب الكونجرس لهذه المطالب وتبناها فإن البعض ينزعج بشدة، وإذا تجاهلها الكونجرس فإن البعض الآخر هو الذي ينزعج.
وقد ربط البعض خطأّ أو تعمداً بين قرار الكونجرس (15/6) ومقابلتي بوش (5/6)، أي بفارق عشرة أيام. وطبعاً، لن يصدق المغرضون إذا قلنا لهم أنه لا توجد علاقة سببية بين الحدثين. فهناك مجموعة من أعضاء الكونجرس تطالب منذ سنوات بربط المعونة بجدول للإصلاح الديمقراطي في مصر. وكان الكونجرس قد فعل ذلك حينما احتاج الاتحاد السوفييتي إلى معونات غربية في منتصف السبعينات.
وهذه المشروطية هو ما أطلق عليه وقتها باسم "اتفاقية هلنسكي". وكانت هذه المجموعة من أعضاء الكونجرس التي يقودها دافيد أوبي، هم جميعاً، ربما باستثناء توماس لانتوس، هم من أصدقاء مصر التقليديين، ويريدون أن يدعموا انتقالها سلمياً إلى الديمقراطية. وكادوا يفلحوا في العام الماضي، لولا اعتراض الحزب الجمهوري الحاكم، ومعه الرئيس بوش والخارجية الأمريكية، ولذلك خسر مشروع القرار بإحدى عشر صوتاً. ولكن حصول الحزب الديمقراطي المعارض على الأغلبية في الكونجرس بعد الانتخابات النصفية في نوفمبر الماضي، أتاح لدافيد أوبي، أن يصبح هو رئيس لجنة الاعتمادات ومعه أغلبية من النواب الديمقراطيون. وبالتالي أصبح متاحاً لهم هذا العام ما لم يكن متاحاً في أعوام سابقة ساد فيها الحزب الجمهوري مجلسي الكونجرس، وكل لجانه.
ما نريد أن نخلص إليه هو نفس ما خلص إليه المؤرخ جمال بدوي، وهو أن قرار لجنة الاعتمادات كان يتبلور منذ سنوات ولا علاقة له بمقابلتي للرئيس بوش. إن القرب الزمني للحدثين كان محض صدفة، فليس ليّ هذه السلطة التي يتوهمها آل مبارك وأنصارهم، وعملاء أجهزتهم. فهذا شرف لا أدعيه. حتى الرئيس بوش نفسه ليست له هذه السلطة الميكانيكية على لجان الكونجرس، هو فقط يمكن أن يرجوا، ويمكن أن يأمل في كسب أغلبية لوجهة نظره، ويمكن له في نهاية المطاف أن يستخدم حق الفيتو على قرار الكونجرس، فإذا استمر الكونجرس في الإصرار على القرار بعد الفيتو الرئاسي، فيعود القرار للتصويت من جديد، ولا بد أن يحصل على أغلبية الثلثين، لكي ينفذ القرار، رغم أنف الرئيس. وهو أمر نادر، ولا يبدو أنه (بوش) على استعداد لدخول معركة من هذا النوع مع الكونجرس إرضاءً لعيون آل مبارك. وفي كل الأحوال الأفضل لمصر وشعبها أن يستجيب مبارك لما يطالب به القرار، خاصة أنه هو نفسه الذي كان قد أطلق هذه الوعود أثناء حملته الرئاسية منذ سنتين.
طبعاً، الذين لا يفهمون آليات عمل الكونجرس والنظام السياسي الأمريكي من كتبة آل مبارك يمكنهم أن ينبحوا ما طاب لهم النباح فلن يغير ذلك من الأمر شيئاً. إن الأكرم لهم ولرئيسهم ولشعب مصر هو الاستغناء التام عن المساعدات الأمريكية، بشقيها المدني والعسكري. وربما يكون آل مبارك مستعدون فعلاً للاستغناء عن الشق المدني من هذه المساعدات (حوالي خمسمائة مليون دولار). ولكن الشق العسكري هو الذي يحرصون عليه، حيث لا هم ولا أي مصري آخر يريد لقواتنا المسلحة أن تتأثر سلبياً بمكابرة وعناد الرئيس. فما الذي يضيره لو استجاب ووافق هو وحزبه على قانون استقلال السلطة القضائية الذي أرسله له نادي القضاة منذ أكثر من عشر سنوات؟
أما أولئك الذي يجيدون فن صناعة شتيمة الأمريكان علناً، وينشدون رضاهم سراً، فينطبق عليهم المثل الشائع عن التركي الذي أضطره الزمن لتسول الصدقات، دون أن يغير من سلوكياته المتغطرسة، حيث كان ينهر الناس، وهو يستجديهم "صدقة وأنا سيدك". لقد آن لعملاء آل مبارك أن يتعلموا أن كل الدول، بما فيها مصر، تستخدم المعونات الخارجية كأحد آليات سياستها الخارجية. وقد كان هذا هو الحال حينما لم يستجب عبد الناصر لسياسات أمريكا في المنطقة، حيث عاقبته بسحب عرض، كانت قد قدمته، لتمويل السد العالي فرد عبد الناصر على ذلك بتأميم قناة السويس. وكان ما كان من معركة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956. ولكن هذا زمن غير الزمن، فقد كان العالم يعيش عصر حركات التحرير الوطني، وكانت قيادات كاريزمية عملاقة تقود شعوبها، وتثق بها هذه الشعوب. فأين نحن من هذا كله؟ هل مبارك في قامة عبد الناصر؟ وهل يتمتع مبارك بواحد على مائة مما كان يتمتع به عبد الناصر عام 1956، حينما تحدى الغرب؟ هذه وما يرتبط بها من أسئلة هي ما ينبغي أن يسأله رؤساء تحرير المطبوعات الحكومية الفجة، التي لم يعد يصدقها أحداً، بما في ذلك أقرب أقربائهم.
* وهل أوافق أنا على قرار لجنة الاعتمادات؟
رغم أنني، كما أسلفت، لم يكن ليّ دخل في قرار لجنة الاعتمادات، وليس لي مثل هذا التأثير أو النفوذ على أعضائها، أو على الرئيس الأمريكي أو وزيرة خارجيته، إلا أنني أوافق على مبدأ مشروطية المساعدات ـ أي ربطها ببرنامج للإصلاح. فقد دعمت الإدارات الأمريكية المختلفة نظام آل مبارك على امتداد ستة وعشرين عاماً، طغى فيها النظام وبغى، كما لم يفعل نظام آخر في مصر، منذ العصر المملوكي.
وقد باءت محاولات المعارضة المصرية بكل أحزابها، وبكل قوى مجتمعها المدني بإقناع أو إخضاع آل مبارك للمشيئة الشعبية. وذهبت مسيرات كفاية ومظاهرات الإخوان وعرائض كل الجبهات وبياناتها سدى. فالرجل لا يتغير ولا يغير، إلا إذا كان ذلك لتكريس سلطته، وخدمة أسرته. كما ذهبت كل الجهود الخارجية لإقناعه بالتغيير والتطوير التدريجي سدى. لقد تغيرت الدنيا كلها، وهو لا يريد أن يغير أو يتغير، وكأنه في ذلك يريد أن يكون نداً لصاحب الجلالة. لقد احتفى الاتحاد السوفييتي والكتلة التي كانت تدور في فلكه لنصف قرن. وأصبحت كل دول أمريكا اللاتينية وشرق وجنوب أسيا، وحتى معظم بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، بلداناً ديمقراطية. حتى البلد العربي ـ الإفريقي، موريتانيا، أثبتت أن التحول إلى الديمقراطية ليس بالأمر المستعصي. فلماذا لا يكون للمصريين نفس ما يتمتع به الشعب الموريتاني، الذي حصل على استقلاله بعد مائة سنة من أول برلمان مصري، في عهد الخديوي إسماعيل، طيب الله ثراه. إن جيلي لم يخطر بباله أن يأتي الوقت الذي يترحم فيه على روح أسرة ملكية، ولكن هذه هي إحدى إنجازات آل مبارك، المحسوبين كأنهم مثلنا، من أولاد هذا الشعب، ولكن من المؤكد أن طفرة "داروينية" قد وقعت لهم، فحولت الدماء في عروقهم إلى دماء ملكية زرقاء، أو هكذا يعتقدون، ويتصرفون.
* ثقافة الرياء والنفاق
ولأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وجعلوا أعزائها أذلة، فهكذا فعل آل مبارك في كل من حولهم من أهل مصر المحروسة. فتحولت مصر إلى أرضاً للرياء والنفاق. ومن لا يرائي ولا ينافق، يصبح استثناءاً نشازا، يهبّ عليه طابور الزبانية والمراءين المنافقين. وكأي ممارسات تستمر عدة سنوات فإنها تتحول إلى "ثقافة"، تنتشر وتتغلغل  إلى أن تصبح طبيعة ثانية عند أصحابها. فهم يمارسون الرياء والنفاق في البداية لكسب رضا الحاكم، أو اتقاءً لشره وسطوته، أو طمعاً في منصب أو ثروة. ثم مع استمرار نفس الممارسة يصبح السلوك المنافق تلقائياً، يصدر عن أصحابه بلا توجيهات أو تعليمات أو إيماءات.
* ثقافة العبودية والعبيد
من الممارسات الأخرى التي شاعت وتعمقت هي الخوف والمذلة من "السيد" الذي طغى وبغي وتجبّر، ومثل ممارسات الرياء والنفاق، حيثما استمرت لربع قرن أو يزيد، كما هو حال المصريين في ظل آل مبارك، فإنها تتحول إلى ثقافة "عبودية". وكما قال أحد فرسان العرب الأوائل وهو عنترة بن شداد "إن العبيد لا يمكنهم الكر والفر". فقط الإنسان الحر هو الذي يستطيع أن يفكر ويأخذ المبادرة، ويدافع عن نفسه كراً وفراً. فهو بإرادته الحرة يُقبلُ ويُدبرُ. وهو بإرادته الحرة ينازل من يشاء، ويصادق من يشاء، ويعادي من يشاء.
ومن هنا لم يستوعب رؤساء تحرير المطبوعات الحكومية اليومية أن يقابل مواطن مصري رئيساً أمريكياً. كما لم يستوعبوا أن نفس (المواطن المصري الحر) قابل أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، منذ عدة شهور، وزعماء حماس، ورئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس (أبو مازن)، منذ عدة أسابيع. هل هناك من هم أكثر عداوة لبعضهم البعض من هؤلاء؟ ومع ذلك فقد كان لقائي بهم مثل لقائي بالرئيس الأمريكي أمراً طبيعياً بالنسبة ليً، وأمراً غير مفهوم بالنسبة لعبيد مبارك.
لقد وُلد عنترة بن شداد عبداً، وكان يمكن أن يظل عبداً بقية حياته، وأن يموت عبداً، ولكنه بروحه الوثابة، دافع عمن عاش بينهم من بني عبس، وفي هذا الدفاع، كراً وفراً، كسب حريته وقال كلماته المأثورة عن الفارق بين العبيد والأحرار. أدعو الله أن يفك أسر رؤساء تحرير المطبوعات الحكومية، المسماة بصحف قومية، وأن يصبحوا قادرين وراغبين على مقابلة من يشاءون وكتابة ما يشاءون من تلقاء أنفسهم، دون أذن من سيد أو رئيس. آمين

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية