أيها المصريون
انضموا إلى القضاة، وارفضوا صك العبودية
د. سعد الدين إبراهيم
أقرت
أغلبية نواب الحزب الوطني في مجلس الشعب والشورى نص التعديلات
الدستور، التي كان قد طلبها الرئيس حسني مبارك، كما وردت
لها من لجنة السياسات في الحزب، دون تغيير كلمة واحدة، أو للدقة
بتغيير "فاصلة" في المادة الأولى إلى "نقطة".
* وهذا يعني أولاً، أن الشهور الأربعة الأخيرة، منذ اقترح
الرئيس تعديل 34 مادة في ديسمبر 2006، إلى تاريخه، والتي حفلت
بعشرات الاقتراحات، ومئات الندوات والمؤتمرات، واجتهد فيها المجتمع
المدني والأحزاب وأساتذة القانون الدستوري، لم تؤثر على الحزب
الحاكم، أو بالأحرى في آل مبارك مثقال ذرة.
* وهو
يعني ثانياً،
أن ما طلبه الرئيس من قوى المجتمع المدني والأحزاب من المساهمة في
الحوار حول التعديلات كان ذراً للتراب في العيون، أي لمجرد الإيحاء
بأن هناك مشاركة شعبية في التعديلات الدستورية، والتي قيل أنها
تأتي تنفيذاً لوعود الرئيس مبارك أثناء حملته الانتخابية
منذ سنتين (2005). وصدّق الناس رئيسهم للمرة المائة، وخذلهم رئيسهم
للمرة المائة أيضاً. ولا يذكر المصريون وعداً واحداً أوفى به هذا
الرئيس ـ منذ أول وعده بأنه لن يمكث في الرئاسة أكثر من فترتين،
إلى آخر وعد له وهو أن الإشراف القضائي على الانتخابات لن يمس.
وما جرى في مجلس الشعب والشورى ـ يعني ثالثاً ـ أن الأمر كله لم يعدوا أن
يكون "مسرحية"، تلعب فيها أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني
دور "الكومبارس"، بينما التأليف والإخراج والإنتاج والبطولة
الأولى، للرئيس، والبطولة الثانية للدكتور فتحي سرور (عن
مجلس الشعب)، والبطولة الثالثة للسيد صفوت الشريف (عن مجلس
الشورى والحزب)، أما مجموعات الكورس الغنائي فهم أعضاء الحزب
الوطني في المجلسين. وكما في المسرحيات والأفلام لا يظهر
المخرج على الشاشة أو خشبة المسرح، بينما هو ومساعدوه يمسكون بكل
الخيوط عن بُعد. والمخرج في هذه الحالة كان نجل الرئيس، وحافظ
أسراره، وشريكه في اتخاذ القرار. وقام أعضاء لجنة السياسات بمهام مساعدي المخرج. ورغم مطالبات ربع المجلس، ثم ضجيج
واحتجاجات، وحتى تهديدهم بالانسحاب، وتنفيذهم لمقاطعة جلسة
التصويت، إلا أن الثلاثة أرباع الآخرين لم يهتز لهم طرف، واستمروا
في تنفيذ السيناريو المعد لهم سلفاً، بدقة صارمة. كذلك لم يأبه
الثلاثة أرباع بآراء واقتراحات كبار الكُتاب ـ من الأٍستاذ سلامة أحمد سلامة، إلى صلاح منتصر، إلى مكرم محمد
أحمد، إلى د. عبد المنعم سعيد، إلى د. محمد السيد
سعيـد، إلـى د. أسامة الغزالي حرب، إلى الأستاذ مجدي
الجلاد، إلى الأستاذ مجدي مهنا، إلى الفقيه الدستوري
الكبير د. يحي الجمل. فقد بدت إسهامات هؤلاء ـ بما في ذلك
الأكثر قرباناً منهم إلى الحكومة خروجاً عن "النص" السابق التجهيز،
وبالتالي تم تجاهلهم جميعاً.
لقد شك كثيرون منذ بداية طلب الرئيس بالتعديلات الدستورية، أن الأمر كله هو
نصب ودجل. ولكن البعض منا مع ذلك، طرح هذه الشكوك جانباً، ولسان
حالنا هو "أن الماء يُكذّب الغطاس"، أو "لنظل وراء
الكذوب إلى باب الدار". ولأنني كنت من هذا الفريق، فقد نظمت
أربعة مؤتمرات، وأسهمت بخمس مقالات (نُشرت في المصري اليوم
والدستور والحياة وصحف عربية أخرى) حول التعديلات الدستورية.
ولكن بعد المشهد الذي رأيناه في مجلس الشعب الأسبوع الماضي، وسجلته
كل الصحف المصرية (19/3/2007)، فقد اتضح لي أن "المشككين" كانوا
على حق. فإن ما بدأ بخطاب الرئيس إلى مجلس الشعب (26/12/2006)،
وانتهى بجلسة نفس المجلس (18/3/2007) لا يعدو أن يكون مسرحية، أقرب
إلى الملهاة منها إلى المأساة. ورغم إتقان التوقيت والإيقاع وأداء
الأبطال، إلا أن المحتوى كان رديئاً، وفاقداً للمصداقية
وللمشروعية.
والآن، اتضح بما لا يقبل أي شك، أن لمسرحية التعديلات الدستورية
ثلاثة أغراض رئيسية، غير معلنة، ويستطيع المتفرج متوسط الذكاء أن
يستشفها بلا كثير عناء، وهي:
-
الغرض الأول، إدخال تعديلات على الدستور تمنع أي شخصية عامة مرموقة من
الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، ولكنها تسمح في نفس الوقت
لأشخاص غير مرموقين بالترشيح، وذلك للإيحاء بالتنافسية، دون أن
يكون لأي من هؤلاء الأشخاص بفرصة حقيقية للنجاح في هذه
الانتخابات أمام مرشح الحزب الوطني، الذي يعتقد معظم المراقبون
أنه سيكون السيد جمال مبارك، نجل رئيس الجمهورية.
-
الغرض الثاني،
هو تزوير الانتخابات، بواسطة الحزب الوطني، وقتما
وأينما يشاء، دون رقيب أو حسيب. ومن هنا تعديل المادة 88 الخاصة بالإشراف القضائي على الانتخابات. فخبرة النظام مع
القضاة كانت عسيرة، منذ حكم المحكمة الدستورية العليا (يوليو
2000) والذي جعل الإشراف القضائي شرطاً لشرعية أي انتخابات.
فرغم أن ذلك لم يمنع الحزب الوطني الحاكم من التزوير منعاً
باتاً، إلا أن هذا الإشراف، جعل التزوير عسيراً، وقلّص كثيراً
من هامش الكذب، وخاصة فيما يتعلق بنسبة من يشاركون في
الانتخابات. وهو الأمر الذي يلقي بظلال الشك على شرعية أي
رئيس منتخب، حينما لا تتعدى نسبة المشاركة بأقل من 10%، كما
حدث في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (2005). ففي الانتخابات
الرئاسية الأربع السابقة (1981-1987-1993-1999) التي لم يُشرف
عليها القضاء أو المجتمع المدني، كانت النسبة المعلنة للمشاركة
أعلى دائماً من 70%، وكان الرئيس الأوحد المنتخب يحصل على 99%
منها. أي أن تزوير الأرقام كان يتم بسهولة ويسر. أما
الانتخابات الرئاسية الأخيرة (2005)، هي الوحيدة التي أشرف
القضاء عليها فإن نسبة المشاركة، كما ذكرنا، وكما سجلها القضاة
ومنظمات المجتمع المدني، فقد تراوحت بين 3 و10% أي أن الرئيس
الحالي يشغل المنصب بأصوات لا تتجاوز ثلاثة مليون صوت من جملة
من هم مسجلون في جداول الانتخابات، ويزيد عددهم عن 35 مليون
ناخب.
-
أما الغرض الثالث للتعديلات الدستورية، فهو القضاء على البقية الباقية من
الحريات الأساسية، بحجة قانون جديد ضد الإرهاب،
كبديل لقانون الطوارئ. وينطوي هذا الغرض على إعطاء
الأمن (الشرطة) سلطات تقديرية واسعة للتنصت على الأفراد،
والأسر والجماعات، وفي تفتيش المنازل، والقبض، والإحضار،
والحبس، دون الرجوع إلى النيابة أو القاضي الطبيعي. وذلك
بتعديل المادة 179، بحيث تتضمن ما يُعطل أحكام المواد
41و44و45 من الدستور الحالي (1971)، التي تعتبر حرية
المواطن، وخصوصية مسكنه ومراسلاته واتصالاته، مقدسات لا يجوز
المساس بها إلا بإذن من قاض طبيعي، وطبقاً لضوابط صارمة. ومن
شأن التعديلات المقترحة أن يترك لجهة الإدارة سلطات تقديرية
واسعة في الالتفاف حول هذه الحريات الأساسية. بدعوى الحرب على
الإرهاب. ويعتقد معظم المراقبون أن المقصود بتعديل محتوى المادة 179 هو وأد ما ظهر على الساحة المصرية في السنوات
الثلاث الأخيرة من حيوية ومعارضة عالية الصوت، جسمتها حركة
كفاية وانتفاضة القضاة. ويهدف الحزب الحاكم بتعديل
هذه المادة استكمال منظومة السيطرة الكاملة الشاملة على عموم
المجتمع المدني وكل قواه الحية، التي تكاثرت في الآونة
الأخيرة، لا فقط بين أبناء الطبقة الوسطى، ولكن أيضاً بين
العمال والفلاحين.
إن من
شأن حزمة التعديلات الدستورية، التي أجازها نواب الحزب الوطني،
تنفيذاً لرغبات وأوامر أل مبارك، أن تقضي قضاءً مبرماً
ونهائياً على هامش الحرية المحدود للغاية، الذي كان ما يزال متاحاً
أمام فئات الشعب المصري ومنظماته المدنية. أنها، باختصار، تهدف إلى
تقييد أبناء الشعب المصري بالأغلال. ومن آيات فٌجر من حبكوا هذه
التعديلات أنهم يريدون لمجلس الشعب أن يضفي على هذه الأغلال مسحة
شرعية، ثم يريدون استفتاء الشعب بشأنها. وفي غيبة إشراف قضائي على
الاستفتاء المزمع في أواخر مارس، وأوائل أبريل 2007، فإن السلطة
التنفيذية، كما كانت عادتها إلى عام 2000، ستزور نسبة من وافقوا
على تعديل المواد الدستورية التعيسة، للإيحاء المضاعف بأن
أغلبية شعبية "اختارت بنفسها" هذه القيود والأغلال، أي صك
عبوديتها. لقد كان الرق والعبيد في العصور الوسطى يحملون حول
رقابهم أطواقاً حديدية تفيد أنهم "عبيداً" لهذا السيد
الإقطاعي أو ذاك. والمشاركة في استفتاء الدستور المنكوب، هو بمثابة
الاستدراج لوضع أطواق، أي صكوك العبودية حول رقاب السبعة وسبعين
مليون مصري، وأبنائهم، وربما أحفادهم، ما دام لآل مبارك أبناء وأحفاد. لذلك ننبه، ونحذر، كل مصري ومصرية، من
المشاركة في "الاستفتاء المهزلة"، حتى لا نسير بأقدامنا، ونسلم
رقابنا ورقاب أبناءنا وأحفادنا لصكوك عبودية أبدية لآل مبارك.
فيا أيها المصريون، استجيبوا لنداء حركة كفاية، وللقضاة الشرفاء،
وللمائة وعشرة نائب، الذين دعوا لمقاطعة "الاستفتاء المهزلة". لا
تسيروا بأقدامكم إلى التهلكة.
اللهم
إني قد بلغت، اللهم فاشهد.