Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الأقباط ... وغباء الدولة من الخانكة إلى بمها
د. سعد الدين إبراهيم

5/07

          إن الدولة كيان معنوي غير منظور، ولكنه يتجسم مادياً في أنظمة وأجهزة، يديرها بشر، فيهم رؤساء ومرؤوسين، لهم أسماء وألقاب، ومواقع ومكاتب، ولكثير منهم أزياء تميّزهم، وتنبهنا أن لهم سلطة ورهبة. ولأنهم يتحدثون ويتصرفون باسم الدولة، فإن المواطنين يحترمونهم، أو يخشونهم، ويطيعونهم. وفي مقابل هذا الاحترام والخشية والطاعة يتوقع المواطنون، كل المواطنون، الحماية والرعاية والاحترام من الدولة بأجهزتها وممثليها، من رئيسها إلى غفيرها. هذا هو العقد الاجتماعي الضمني أو المكتوب، في كل الدول والمجتمعات الحديثة. فهل هذا هو حال الدولة المصرية المعاصرة؟
إنني، كأحد مواطنيها، أقول، بعد طول تأمل وبحث وتفكير، أن الدولة المصرية الحالية، لا تحترم العقد الاجتماعي بينها وبين مواطنيها. لقد أخذت منهم، وأخذت... وأخذت ولم تستبق شيئا. لذلك بدأت جماعات منهم، هنا وهناك تستغيث، حتى تسمعها الدولة. وحينما تتجاهل الدولة هذه الاستغاثات، فإنها تتحول إلى "بكائيات" أو "وقفات"، أو "إضرابات"، أو "اعتصامات"، أو "عصيانات"، أو "تمردات"، أو "اشتباكات مسلحة". وقد تكررت ردود الفعل هذه، بكل أنواعها ودرجاتها، من المواطنين المصريين بشكل غير مسبوق في سنوات هيمنة آل مبارك وأجهزتهم، وهم الذين يهيمنون على زمام الأمور في هذه الدولة المصرية. لقد أفسدوا أرضها، وأذلوا أهلها، ونهبوا مواردها، ولم يوفروا للمستضعفين فيها، لا الرعاية ولا الحماية.
وقد سبق أن كتبنا عدة مرات عن مطالب ومظالم القضاة والشباب والعمال وبدو سيناء. ولكن الدولة المصرية، إما أنها لا تقرأ أو لا تسمع أو لا تستوعب، أو لا تفهم. ولذلك اخترنا أن نصف هذه الحالة "بالغباء". ويتجلى غباء الدولة المصرية في أبشع صوره في تعاملها مع المواطنين الأقباط، الذين هم أصل مصر والمصريين، وهم ملح أرضها. وعبق تاريخها. ولأن الدولة تتجاهل مطالبهم المشروعة، ولا تستمع إلى استغاثاتهم، فقد انتقلت عدوى التجاهل، ثم التعصب والتفرقة وسوء المعاملة من الدولة إلى مواطنين آخرين من المسلمين، قد يكونون هم أيضاً من ذوي المطالب والمظالم. أي أننا أصبحنا في عهد آل مبارك بصدد ضحايا مصريين للدولة، يتكاثرون يوماً بعد يوم. ومع اشتداد الإحباط عند بعضهم، فإنهم يفرّغونه في ضحايا آخرين أضعف منهم. وهذه هي حالة أقباط مصر في العقود الثلاثة الأخيرة، وتحديداً منذ أول فتنة طائفية صغيرة في بلدة الخانكة بمحافظة القليوبية عام 1972. ولأن تلك الفتنة كانت الأولى من نوعها في القرن العشرين، فقد اهتزت لها مصر كلها، خوفاً على وحدتها الوطنية، وخاصة أنها كانت تستعد لحرب تحرير أراضيها المحتلة منذ 1967. وطلب رئيس الجمهورية في حينه، محمد أنور السادات، من مجلس الشعب أن يحقق في أمر تلك الفتنة. واستجاب المجلس على أعلى مستوياته بتكوين لجنة لتقصي الحقائق، برئاسة وكيل المجلس وقتها، وهو القانوني الضليع الدكتور جمال العطيفي. وضمت اللجنة إلى جانب سبعة من أعضاء مجلس الشعب ثمان شخصيات عامة من علماء النفس والاجتماع وكبار المفكرين الأقباط والمسلمين، وزارت اللجنة بلدة الخانكة، ثم طافت بأنحاء متفرقة من الديار المصرية، حيثما سمعت عن توترات أو اختقانات طائفية. وأعدت تقريراً ضافياً، اختتمته بعشرين توصية، رأت فيها اللجنة علاجاً لفتنة بلدة الخانكة، ووقاية من فتن محتملة في المستقبل. فما الذي حدث لتقرير لجنة العطيفي، ووصاياه العشرين؟
لم يحدث شيئاً على الإطلاق طيلة الخمسة وثلاثين عاماً، التي مضت منذ إعداد ونشر التقرير. لقد رحل د. العطيفي عن عالمنا، ورحل معظم أعضاء اللجنة، الذين تجردوا، وجاهدوا واجتهدوا، وصدّق مجلس الشعب في حينه على التقرير وشكر من أعدوه، ورفعه لرئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية. صحيح أن حرب أكتوبر وقعت بعد شهور من إصدار التقرير. وانشغلت مصر والمصريون بها، واستشهد فيها أقباط مثلما استشهد فيها مسلمون. وكان أحد أبطالها الكبار اللواء القبطي عزيز غالي. وفي غمرة فرحة المصريين بنصر أكتوبر، وما تلاه من معارك التعمير، نسي الكثيرون تقرير العطيفي ووصاياه العشرين، التي لم تنفذ منها توصية واحدة. وكانت نتيجة هذا التجاهل الفاضح لتوصيات التقرير، هو تكرار الفتن الطائفية، حتى وصلت إلى أكثر من سبعين فتنة، كان أبشعها ما وقع في بلدة الكشح بمحافظة سوهاج، في أول أيام الألفية الثالثة (1/1/2000)، وكان أخرها ما وقع في قرية "بمها"، مركز العياط، بمحافظة الجيزة، بعد صلاة الجمعة يوم 11 مايو 2007. وتكاد تكون فتنة بمها نسخة كربونية من فتنة الخانكة قبل 35 سنة. وها هو ملخص ما حدث في كل منهما، كما سجلته الأهرام في المرة الأولى (الخانكة)، وتجاهلته في المرة الأخيرة (بمها)، ولكن سجلته تفصيلاً صحيفتي المصري اليوم والدستور، في اليومين التاليين (السبت 12 والأحد 13 مايو).
عدة مئات من الأقباط يعيشون مع عدة ألوف من المسلمين في أحد قرى مصر، كما عاشوا طوال ألف وأربعمائة سنة. ولزيادة عددهم تضيق بهم أقرب الكنائس المجاورة في بلدان أخرى قريبة من قريتهم. فاستخدموا أحد الأبنية المملوكة لأحدهم لإقامة شعائرهم وصلواتهم، وذلك إلى أن تتم الموافقة على طلبهم لبناء كنيسة في أرض مملوكة لهم، على مقربة من هذا المنزل نفسه.
ولكن بعض المتشددين المسلمين يسارعون ببناء مسجد قرب نفس قطعة الأرض المذكورة المملوكة للأقباط. ويهدفون من ذلك على ما يبدو، كما نقلته الصحيفتين المذكورتين، أن يعرقلوا مشروع بناء الكنيسة، مستغلين في ذلك قانوناً عثمانياً بالياً منذ القرن التاسع عشر، يسمى "بالخط الهمايوني". وهو من القوانين العثمانية القليلة التي استبقته مصر، بعد استقلالها (1923). وأدهى من ذلك أن وكيل وزارة الداخلية في ثلاثينات القرن الماضي، في ظل أحد حكومات الأقلية، وهو العزبي باشا، أصدر لائحة تنفيذية لنفس هذا الخط الهمايوني، تضمنت عشرة شروط تعسفية لبناء الكنائس والمعابد لغير المسلمين، ومنها أن يبعد موقع بناء أي منها بمسافة مائة متر على الأقل من أقرب مسجد. وهذا هو ما يفعله غلاة المسلمين حينما يسمعون خبر أو النية على بناء كنيسة ـ أي يسارعون لبناء مسجد أو مصلية، حتى يضطر الأقباط للبحث عن مكان أخر، وتقديم طلب جديد، لا بد من موافقة رئيس الجمهورية عليه، وهو ما يستغرق عدة سنوات.
وفي أخر واقعة من هذا النوع، وجه عدد من هؤلاء الغلاة نداء (منشوراً بنصه في صحيفة الدستور الأحد 13/5/2007)، وضمن عبارات الكراهية البغيضة التي جاءت فيه "إلى أهالي القرية المسلمين، من يغار على دينه، فاليوم بعد صلاة الجمعة يقوم النصارى ببناء كنيسة غرب القرية، بجوار الجمعية الزراعية، ولا بد من تواجد جميع المسلمين الذين يغارون على دينهم من اليهود والكفرة بعد صلاة الجمعة مباشرة. فمن اليوم لا تراخي ولا كسل ولا بد أن يغار كل مسلم على دينه..."
ونلاحظ في هذا المنشور التحريضي أن "النصارى"، أي المسيحيين في أول سطوره، تحولوا في ثالث سطوره إلى "يهود" و"كفرة". وفضلاً عن لغة القرون الوسطى التي حفل بها النداء، فهو لم يكتف بذلك، بل صعّد لغة الاستعداء، بإقحام "اليهود" و "الكفرة"، ثم بإنذار بالتجمهر بعد صلاة الجمعة لمنع بناء الكنيسة!.
واتضح أن مسيحيون قرية بمها لم يضعون أساس أي كنيسة في ذلك اليوم أو تلك الساعة. أي أن الأمر كان مجرد "إشاعة" نشرها غلاة متشددون من أهل بمها، ولأن بعض شباب بمها مشحونون بأفكار ومعتقدات متعصبة، فقد استجابوا بسرعة ويسر لنداء "الجهاد" لإنقاذ الإسلام، وكأنهم في الطريق لتحرير القدس.
حينما علم بعض مسيحيو بمها بما يدبره المتزمتون ضدهم،، أبلغوا السلطات الأمنية المختصة، لكي تتخذ الإجراءات التحوطية المناسبة. ولكن على ما يبدو، طبقاً لما نقلته صحيفتي المصري اليوم والدستور، أن الجهات الأمنية لم تعطي الأمر الاهتمام اللازم في الوقت المناسب.
عاث شباب قرية بمها اعتداءاً على مسيحي قريتهم، ونهبوا متاجرهم، وأحرقوا منازلهم، وروعوا نسائهم وأطفالهم. بل واتهم عمدة القرية النصارى بأنهم "كلاب" يريدون خراب بمها (الدستور 13/5 ص5).
لأن التعامل مع المسألة القبطية أوكل إلى جهاز أمن الدولة، فإن أمور هذا الملف قد تدهورت من سيئ إلى أسوأ، شأن ملف بدو سيناء، وملف الطلبة، وملف العمال، وملف القضاة. لقد سلّم آل مبارك رقابهم، ورقاب الشعب المصري إلى هذا الجهاز المكروه، والذي لا يهمه إلا اعتباراته وأمن النظام. أما عباد الله الصالحين في مصر المحروسة، فلهم ربهم الذي خلقهم.
إن ملف الأقباط، شأن ملفات بدو سيناء وعمال مصر على وشك "التدويل". فحينما تصم آذان آل مبارك عن الاستماع لاستغاثات المقهورين داخل الحدود، فإنها تُلتقط خارج الحدود، من الأصدقاء والأعداء على حد سواء.
10ـ إن غباء الدولة، الذي ورد في عنوان هذا المقال، هو إشارة للمسئولين الذين يتحكمون في مصائر الناس من أغلبيات وأقليات، ومن عمال وبدو وقضاة ـ ولا يقرأون ولا يسمعون ولا يتعظون ـ لا بعد المرة الأولى ولا بعد المرة السبعين. ولا تجدي في حل هذه المشكلات مشاهد الصلح المفتعلة للمشايخ والقساوسة، بينما جراثيم التعصب والكراهية تنتشر وتنهش في العقل المصري، من خلال تعليمه المتردي وإعلامه الغبي، ومباحثه الأكثر غباء.
فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية