الديمقراطية في الدوحة - بيدنا لا بيد عمرو د. سعد الدين إبراهيم
5/07
ينعقد في الأسبوع الأخير من شهر مايو في دولة قطر، كل ثلاث سنوات، ملتقى لدعاة الديمقراطية العرب، يؤكدون فيه التزامهم بالديمقراطية، كثقافة وكأفضل نظام للحكم عرفته البشرية في تاريخها. وقد عُقد الملتقى الأول عام 2004.
ففي أعقاب غزو العراق كتبنا في صحيفة الحياة اللندنية مقالاً بعنوان "بيدنا لا بيد عمرو" (13/8/2003) وكان فحواه أن عالمنا العربي، من خليجه إلى محيطه، يحتاج إلى إصلاح جذري في كل أنظمته المجتمعية. وهو ما كان قد أكده تقرير التنمية البشرية العربية الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لعام 2003. ثم جاء غزو العراق ليؤكد للمرة الألف أن الإقليم الذي يعيش فيه العرب هو أهم من أن يترك للحكّام العرب وحدهم، يعيثون فيه استبداداً وفساداً. وما لم تتحرك الشعوب لإجبار هؤلاء الحكّام على الإصلاح أو الانذياح، فإن القوى الخارجية القادرة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ستتدخل في شئوننا لفرض التغيير (Regime Change)، لا من أجل سواد عيوننا، ولكن من أجل مصالحها هي. وكانت الاستغاثة التي عبّر عنها مقال صحيفة الحياة، هي دعونا نبادر نحن بالتغيير بيدنا، قبل أن يُفرض علينا "بيد عمرو" (الأمريكي أو الأوربي أو الهندي).
وأخذت دولة قطر المبادرة بفتح أبوابها واستضافة الملتقى الأول للديمقراطيين العرب، من المغرب إلى البحرين. وتزامن ذلك، دون سابق تخطيط، مع تحرك مجموعة الثمانية (الكبار) تحت القيادة الأمريكية للضغط على الأنظمة العربية لبدء التحول للديمقراطية. ورغم أن معظم الديمقراطيون العرب كانوا يتشككون في مصداقية واستمرارية الضغط الخارجي، أو قدرة هذه القوة الخارجية على التعامل مع المناورات والحيل التي تمرست عليها الأنظمة الاستبدادية، إلا أنهم كانوا على استعداد لإعطاء الفرصة للتجربة. وبدى إلى حين في النصف الثاني من 2004، وطوال عام 2005 بدى لو كان قطار التحول يتحرك فعلاً في عدة أقطار عربية:
ففي مصر ظهرت حركة "كفاية" بشعارها الذي استجاب له كثيرون، "لا للتجديد... لا للتمديد لمبارك... ولا للتوريث". واستجاب الرئيس مبارك جزئياً، بقبول فتح محدد حداً للعملية السياسية، وتعديل المادة 76 من الدستور المصري لتغيير قاعدة اختيار الرئيس من "الاستفتاء" على مرشح واحد، "بنعم" أو "لا"، إلى تعددية المرشحين والانتخاب الحر السري المباشر للاختيار من بينهم. وتم بالفعل التصويت على تعديل الدستور (مايو)، ثم عقد انتخابات رئاسية (سبتمبر)، ثم انتخابات تشريعية (أكتوبر – ديسمبر 2005).
وفي فلسطين، رغم الاحتلال الإسرائيلي، ودعوات المقاطعة، تم عقد انتخابات رئاسية لخلافة الرئيس عرفات، وفي العراق أيضاً، رغم وجود الاحتلال الأمريكي، وأحداث العنف، ودعوات المقاطعة، تمت ثلاثة عمليات انتخابية. وحتى السعودية شهدت أول انتخابات محلية في تاريخ المملكة. وباستثناء مصر، أقبل الناس على التصويت، في البلدان العربية الأربعة الأخرى (فلسطين والعراق ولبنان والسعودية) بمعدلات عالية قاربت السبعين في المائة ممن لهم حق التصويت. وهي نسبة تفوق مثيلاتها حتى في البلدان ذات الديمقراطيات الراسخة.
ولكن في مصر، كانت نسبة المشاركة متدنية، لأن حركة كفاية وأحزاب المعارضة نادت بالمقاطعة من ناحية، ولانعدام ثقة المواطنين في نظام آل مبارك من ناحية أخرى. وفي كل الأحوال ظل الزخم الشعبي من أجل المشاركة مستمراً. وحتى الذين كان لديهم تحفظات على الصفة الديمقراطية من حيث المبدأ ـ لاعتبارات ما تنطوي عليه من حزبية وفرقة وانقسام ـ راجعوا أنفسهم في ضوء إقبال الناس على صناديق الانتخابات. ومن ذلك مشاركة حركة حماس والإخوان في العملية الانتخابية بكثير من الحيوية، التي آتت ثمارها بفوزهم بأكثرية في فلسطين، وبثمان وثمانين مقعداً (من 454 مقعداً) في مجلس الشعب المصري. وقد تسبب هذا الأداء الجيد للإسلاميين في الانتخابات، لا للحفاوة بهم لانخراطهم في العمل السياسي السلمي، بل إلى موجة من الخوف في الدوائر الغربية، وهو خوف عمّقته ونفخت فيه الأنظمة الاستبدادية العربية، حتى تحول إلى هلع. ثم جاءت الحرب في صيف 2006 بين حزب الله وإسرائيل لتنشر هذا الهلع في دوائر أكثر وأكبر، فتراجع حمساها لدعم التحول الديمقراطي، وتوقفت ضغوطها من أجل الإصلاح السياسي.
واستغلت الأنظمة العربية ذلك في مطاردة الديمقراطيين العرب والتنكيل بمنظمات المجتمع المدني، والتراجع أو الالتفاف على الإصلاحات المحدودة التي كانت قد حدثت في سنتي 2005 والنصف الأول من 2006. ومع أن ذلك أحدث انتكاسة في تفاؤل وحماس كثيرين، إلا أن تطورات أخرى على أطراف الوطن العربي، أبقت على شعاع الأمل وشموع التفاؤل. من ذلك ما حدث في موريتانيا، في أقصى المغرب العربي. فقد شهد ذلك البلد العربي، المحدود السكان والموارد، الانقلاب العسكري الخامس، في يوليو 2005، خلال الأربعين سنة منذ استقلاله. ولكن، على غير عادة الإنقلابيين السابقين، وعد من قاموا بالانقلاب الأخير أن ينتقلوا ببلدهم للديمقراطية خلال عامين. والتزم الضباط، برئاسة العقيد أعلى محمد ولد فال، بما عاهدوا به شعبهم وأمتهم والعالم. وعقدوا ثلاث انتخابات متتابعة: على المستوى المحلي، والوطني لمجلس نيابي، وأخيراً انتخابات رئاسية تنافسية، خاضها عدة مرشحين، والجدير بالذكر أن أعضاء المجلس الثوري الحاكم من الضباط، لم يخض أي من هذه الانتخابات. وإمعاناً منهم في إظهار الجدية والحيادية فإنهم دعوا مراقبين دوليين وأوروبيين وعرب وأفارقة للإشراف على الانتخابات. كذلك استحدثوا مادة في الدستور تجعل من الرئيس الموريتاني المدني المنتخب، قائداً أعلى للقوات المسلحة، لا تأتمر أي من وحداتها إلا بأوامره. وذلك لوضع نهاية لمسلسل الانقلابات العسكرية في موريتانيا. وقد تقاعد كل أعضاء المجلس العسكري الحاكم، بعد انتخاب المدني سيد ولد الشيخ عبد الله لرئاسة الجمهورية.
لقد اقتدى شباب الضباط الموريتانيين في ذلك كله بأقرانهم في البرتغال عام 1974، وفي السودان (بقيادة عبد الرحمن سوار الذهب) عام 1985، بدلاً من النماذج العربية الرديئة ـ في سوريا ومصر وليبيا وتونس واليمن ـ حيث أتى الانقلابيون العسكريون، واستمروا يحكمون لنصف قرن من الزمان. إن سوار الذهب السوداني، وولد فال الموريتاني سيكونان من نجوم الملتقى العربي الثاني للديمقراطية في الدوحة. إن سيرة هذان الرجلان تقول للعرب والعالم "كما أن العسكريين استولوا على السلطة، فاستبدوا وأفسدوا، فعلى عسكريين آخرين أن يعيدوا هذه السلطة إلى مدنيين منتخبون، ويتفرغون هم إلى حماية التراب الوطني، على حدود البلاد.
إن الملتقى العربي الثاني للديمقراطية والإصلاح في الدوحة هو صيحة ثلاثة أجيال عربية ـ من سوار الذهب السوداني، إلى حمد بن خليفة القطري، إلى أعلى ولد فال الموريتاني، ومعهم خمسمائة آخرين، يرددون فيها: نعم، نحن مصممون أن نقيم أنظمة حكم ديمقراطية، وأن يكون هذا "بيدنا نحن العرب، وليس بيد عمرو الأجنبي" وكما يقول التونسي أبو القاسم الشابي: إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر. فلعل القدر يستجيب، بعد طول انتظار.