Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

لماذا تسعى الأنظمة الاستبدادية لعضوية مجلس حقوق الإنسان؟
د. سعد الدين إبراهيم

5/07
انتخبت مصر عضوا في المجلس الدائم للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في 17/5/2007. وهللت الصحف الرسمية المصرية بهذا الانتخاب، واعتبرته، على لسان  وزير خارجيتها، السيد/ أحمد أبو الغيط "انتصاراً مصرياً مبينا. وأنه لا بد أن يُخرس أولئك الذين يشككون في مسيرة الإصلاح في مصر  (الأهرام 18/5). كما صرّح د. فؤاد شهاب وزير  مجلسي الشعب والشورى، وكذلك السفير ماجد عبد الفتاح بتصريحات مشابهة، فحواها أن "الاختيار إقرار بقدرة مصر على الدفاع عن حقوق الإنسان". فهل الأمر بالفعل كذلك؟
ربما لا يعلم كثيرون أن مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هو أحدث منظمة دولية متخصصة في عائلة منظمات الأمم المتحدة. وقد حلت محل "مفوضية حقوق الإنسان" في العام الماضي (2006).
والمثير للدهشة هو أن المنظمات الحقوقية الدولية، ومعظم منظمات حقوق الإنسان المصرية لم تشارك في هذا الابتهاج الرسمي المصري.  بل على العكس تماماً. فقد أصدرت بيانات مبكرة تعترض على ترشيح مصر أساساً لعضوية هذا المجلس، حيث أن سجلها بيد الأسوأ عالمياً، في احترام حقوق الإنسان طبقاً للمعايير والمواثيق الدولية. فإلى جانب ست منظمات حقوقية، في مقدمتها العفو الدولية، وهيومان رايتس ووتش، أصدرت 19 منظمة مصرية بيانات اعتراض على الترشيح، ثم استنكار بعد الاختيار.
لقد استحدثت الحكومة المصرية منذ أربع سنوات، مجلساً قومياً أعلى لحقوق الإنسان، ويرأسه الدكتور بطرس بطرس غالي، الأمين العام الأسبق لمنظمة الأمم المتحدة. وجاء في قرار تأسيس المجلس أن هدفه هو العمل على الارتقاء بتشريعات وقيم وممارسات حقوق الإنسان، وتعبئة الجهود الحكومية والشعبية لاحترامها وحمايتها من الانتهاك، وكذلك تقصي الحقائق حول ما يرد من شكاوى المواطنين، أو ما تثيره أطراف خارجية حول مثل هذه الانتهاكات. في يوم الاثنين 7 مايو، أي قبل التصويت على عضوية مصر بعشرة أيام، عُقدت حلقة نقاشية لتقييم أداء المجلس خلال السنوات الأربع التي مضت منذ إنشائه. وشارك في الحلقة أكاديميون متخصصون، ونشطاء ممارسون، وبحضور سبعة من أعضاء المجلس. وكانت محصلة النقاش هو أن أوضاع حقوق الإنسان قد تدهورت عما كانت عليه قبل إنشاء المجلس كما أبدى مقدم الورقة الرئيسية في حلقة النقاش، وهو د. عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عبّر عن تخوفه أن يكون إنشاء المجلس هو أحد آليات التمويه للتستر على مخالفات وانتهاكات حقوق الإنسان، وللمراوغة في مواجهة المنظمات الدولية التي تصدر تقارير الإدانة ضد السلطات المصرية.
وربما كان حرص مصر على عضوية مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان هو لنفس الأهداف، أي للتستر على مخالفات حكومتها لحقوق مواطنيها، والاعتراض على صدور قرارات ضدها من المجلس وهو نفس ما كانت ليبيا قد حرصت عليه باستماتتها لعضوية المفوضية الدولية لحقوق الإنسان، خلال أزمة نسف طائرة البان إم فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية، منذ عدة سنوات، والتي كانت المخابرات الليبية متهمة بتدبيرها. ووقتها حشدت ليبيا أصوات المجموعة الإفريقية والمجموعة الإسلامية، الذين انتصروا لها بالفعل وصوتوا لعضويتها في مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ولأنه كان تضامناً بين حكومات لم تكن معظمها منتخبة، فقد كان هذا السلوك مثار استنكار واسع من المنظمات الحقوقية وحكومات البلدان الديمقراطية. بل وقيل أن اختيار ليبيا وقتها، رغم سجلها القاتم، كان أحد الأسباب التي أدت إلى إلغاء المفوضية، وإحلال المجلس الدائم لحقوق الإنسان مكانها، مع جعل عضويته أكثر صعوبة، وذلك بالتوقيع على تعهدات مكتوبة من أي حكومة تريد ترشيح نفسها، وهو ما حدث مع الحكومة المصرية، التي تعهدت باحترام 18 التزاماً وطنياً داخلياً، و11 التزاماً إقليمياً، و11 التزاماً دولياً. ويمكن مقاضاة الحكومة المصرية بواسطة منظمات مصرية ودولية إن هي خرقت هذه الالتزامات، خلال عضويتها للسنوات الثلاث القادمة (2007-2010).
أما كيف حصلت مصر، رغم سوء سجلها، على أغلبية في الجمعية العمومية، فذلك يرجع لنفس الأسباب التي مكنت ليبيا وتونس من نفس الشيء قبل عدة سنوات وهي:
حشد أصوات الدول الإفريقية والإسلامية واللاتينية. أنها تنافست على المقعد المخصص لدول شمال أفريقيا ـ أي أن المنافسة كانت محصورة بينها وبين ليبيا وتونس والجزائر والمغرب. ولا تختلف سجلات هذه الدول كثيراً عن سجل مصر في مجال احترام حقوق الإنسان. أن التصويت لمصر في هذه الحالة لم يرتبط بسجل احترامها لحقوق الإنسان بقدر ما كان تقديراً لمكانتها التاريخية والحضارية، ولسابق إسهاماتها في صياغة الإعلانات والعهود الدولية لحقوق الإنسان، منذ الإعلان العالمي عام 1948، والذي كان أحد من صاغوه هو الفقيه والدبلوماسي المصري الشـهير د. محمود عزمي.
أن القلة القليلة التي صوتت لمصر من الدول الديمقراطية، قالوا أنهم فعلوا ذلك على أمل أن يكون ذلك حافزاً للسلطات المصرية على مزيد من الاحترام للحقوق الإنسانية لمواطنيها. أما الدول الأربعة والعشرين التي لم تصوت لمصر فهي جميعاً من البلدان الديمقراطية التي لا تجامل.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية