Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

باكستان العسكر.. والديمقراطية

12/07


كان عالم الاجتماع المصري ـ الفرنسي أنور عبد الملك، هو أول من تنبه إلى أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً آسيويا ـ كما كان القرن التاسع عشر قرناً أوربياً، وكما كان القرن العشرين قرناً أمريكياً. والمقصود هنا بطبيعة الحال أن قوى من هذه القارة أو تلك تكون ذات شأن عظيم وكاسح في التأثير على مجريات الأمور، وإعادة تشكيل النظام العالمي. وحينما أطلق د. أنور عبد المالك هذه المقولة، في دراسة هامة له بعنوان "رياح الشرق"، في منتصف سبعينات القرن الماضي، كان العالم في أوج صراع الحرب الباردة، وحيث كانت القوة الأمريكية في عنفوانها عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً. ولم يكن في الأفق ما يقترب منها أو ينافسها، فضلاً عن إزاحتها من موقع الصدارة. لذلك لم يأخذه كثيرون في مصر والعالم العربي، مأخذ الجد في ذلك الوقت.
وكنت أنا من القلة التي أخذت مقولة أنور عبد الملك مأخذ الجد. فطرحتها للنقاش على طلابي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. بل وذهبنا أكثر من ذلك إلى تنظيم رحلتين ميدانيتين عامي 1977 و1978، زرنا فيهما باكستان والهند وتايلاند والصين واليابان وكوريا. وكان واضحاً لي ولتلاميذي وقتها، أن اليابان قد نهضت بالفعل، وأصبحت في عداد القوى العالمية المتقدمة، أما بقية البلدان الآسيوية التي زرناها ودرسناها فلم تبدو على وشك التقدم للصدارة، رغم ضخامة بعضها سكانياً ـ مثل الصين والهند، وحيث كان متوسط الدخل الفردي فيهما ـ ما يزال أقل منه في مصر في ذلك الوقت (1977- 1978).
ولكن كان واضحاً لنا في ذلك الوقت المبكر، أن شرق وجنوب أسيا يقدمان نموذجين متميزين في التنمية، أحدهما سلطوي ـ أوتوقراطي، وكانت الصين الشعبية وسنغافورا وماليزيا، أمثلة له، رغم الاختلافات الأيدلوجية، والثاني ديمقراطي ـ ليبرالي حر، وكانت الهند وتايوان وكوريا الجنوبية أمثلة له. وكانت كل هذه البلدان تشترك معاً، رغم اختلاف الأنظمة السياسية، في معدلات نمو اقتصادي يتراوح ما بين 5 و7 في المائة سنوياً. وكان ذلك من أعلى المعدلات وقتها. وهو ما جعل الاقتصاديين يطلقون على هذه البلدان في ثمانينات القرن العشرين مصطلح "النمور الآسيوية" (Asian Tigers ). ولكن اندفاعة تلك البلدان تعثرت فجأة في نهاية الثمانينات بسبب المضاربات في الأسهم وسوق العقارات. وعُرف ذلك باسم "الأزمة المالية الآسيوية". ومع ذلك ففي غضون ثلاث سنوات استعادت تلك البلدان عافيتها الاقتصادية، واستأنفت مسيرتها التنموية بمعدلات أعلى مما كانت قبل الأزمة. وانضمت إلى مجموعة البلدان المذكورة أعلاه، مجموعة أخرى، هي إندونيسيا وتايلاند وفيتنام.
وظلت خارج المجموعة الأصلية والمجموعة اللاحقة عدة بلدان آسيوية مجاورة، هي باكستان وأفغانستان وبورما (مينامار) وسيرلانكا وبنجلاديش ونيبال. وبعكس بلدان المجموعتين السابقتين، التي أنجزت إما اقتصادياً أو سياسياً، فإن السداسي هذا لم ينجز لا اقتصادياً ولا سياسياً. فقد ظل نهباً للانقلابات العسكرية أو الصراعات الأهلية المسلحة والممتدة، وهو ما أفقدها الاستقرار، وعزوف المستثمرين عن المخاطرة بأموالهم فيها. وقد شهدت الشهور الأخيرة انفجار الأوضاع في اثنتين من بلدان هذا السداسي المتعثر، وهما بورما (مينامار)  وباكستان، حيث يحكمهما عسكريون. وفي كل منهما شهدنا رجال دين وقضاة ومحامين وشباب يدخلون حلبة الصراع والتحدي والاشتباك مع العسكر، لكسر الجمود السياسي ـ الاقتصادي، واللحاق بالجيران الأكثر ديمقراطية والأكثر رخاءً.
وقد سبق أن كتبت عن باكستان منذ عدة أسابيع، مقارناً إياها بالهند، بمناسبة العيد الستين على استقلالهما (1947)، وكيف أن الهند توشك على دخول نادي القوى العظمى في النظام العالمي المعاصر، بينما جارتها باكستان تتدهور من سيء إلى أسوأ. والتفسير الأساسي لهذا التفاوت في أحداهما ـ وهي باكستان ـ أنها لعبت بورقة الدين، لتبرر الانفصال عن الهند، أولاً، ثم اكتشف العسكريون أنهم أيضاً يمكن أن يلعبوا بنفس ورقة الدين للقفز على السلطة. هذا بينما في الثانية، حسمت النخبة الهندية الأمر منذ البداية، فأبعدت السياسة عن الدين، وأبعدت الدين عن السياسة. واعتمدت الديمقراطية أسلوباً للحكم في دولة مدنية، يمكن انتخاب زعمائها من أي من أبناء الديانات العديدة التي يزخر بها المجتمع الهندي. فرغم أن ستين في المائة ينتمون إلى الديانة الهندوسية، إلا أن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ينتميان إلى أقليات من المسلمين (15%) أو من "السيخ" (10%). وقد حافظت الهند على ديمقراطيتها خلال العقود الستة منذ الاستقلال، باستثناء  ثلاث سنوات فرضت فيها أنديرا غاندي الأحكام العرفية في أعقاب تمرد مسلح قام به المتششدون "السيخ" في سبعينات القرن الماضي. ولكن حتى رغم هذا الظرف الموضوعي الطارئ، فإن الناخبين الهنود عاقبوا أنديرا غاندي على ذلك في أول فرصة سنحت لهم، وأسقطوها في الانتخابات التالية. ولم يشفع لها أنها ابنة الزعيم الهندي العظيم نهرو، أحد آباء الاستقلال، والرفيق النضالي للماهتما غاندى، والذي أعطى اسم "غاندي" لابنته الوحيدة. وكان المشهد كله دليلاً على تعمق الثقافة الديمقراطية في وجدان الشعب الهندي خلال العقود الثلاثة الأولى بعد الاستقلال (1947-1977). وكما ذكرنا، كان للنخبة الهندية الفضل الأكبر في غرس وتكريس هذه الثقافة الديمقراطية. وهو الأمر الذي جعل من الهند أكبر ديمقراطية في عالم اليوم (مليار مواطن).
فإذا حصرنا الحديث في باكستان، فإننا نلاحظ أن العسكريين حكموا البلاد ثلاث فترات متقطعة، تصل في مجموعها إلى ثلاثين عاماً، تساوي نصف تاريخ باكستان، منذ الاستقلال. كانت البداية بالجنرال أيوب خان في أواخر الستينات. وكانت المرة الثانية مع انقلاب الجنرال ضياء الحق، في الثمانينات. وكانت الثالثة مع انقلاب الجنرال برويز مشرف، عام 1999. وبين هذه الانقلابات كانت تعود الأحزاب المدنية إلى السلطة، من خلال انتخابات ديمقراطية، في أعقاب تبرم شعبي واسع النطاق. أي أن انتفاضة القوى الشعبية الباكستانية هي التي كانت تجبر العسكر على العودة إلى ثكناتهم. وكانت هذه القوى نفسها هي التي تعود بالبلاد إلى الديمقراطية. وكان وما يزال هناك حزبان كبيران يتناوبان على السلطة، وهما حزب الشعب الباكستاني، الذي تقوده حالياً بنظير بوتو، وحزب الجامعة الإسلامية، الذي يرأسه حالياً نواز شريف. والشاهد هو أن الجيش كان دائماً يتهم الحزب الحاكم بالفساد، كمبرر للقيام بانقلابه واستيلائه على السلطة. ولكي يحبك العسكريون ادعاءاتهم بفساد الحكومة، كانوا يقدمون رموز الدولة المدنية إلى المحكمة، التي تنتهي دائماً بإدانة رئيس الحكومة، وتحكم عليه بعقوبات تتراوح بين الإعدام، والنفي خارج الحدود. ومن ذلك أن زعيم الانقلاب الثاني (الجنرال ضياء الحق) أعدم رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو. كما اتهم رئيس الانقلاب الثالث (الجنرال برويز مشرف) رئيسا الوزراء اللذان سبقاه ـ وهما نواز شريف، وبنظير بوتو (ابنة ذو الفقار علي بوتو) بنفس تهم الفساد، وإن لم يصدر في حالتهما حكما إعدام، وإنما فقط النفي خارج البلاد، وتحريم عودتهما إلى السياسة.
وهكذا، يعتبر العسكريون في باكستان بمثابة الحزب الثالث، غير المعلن. فهو يتناوب على السلطة شأنه شان الحزبين الكبيرين الآخرين. ومثلما حدث مع العهدين العسكريين السابقين من تبرم واحتجاج، حدث هذه المرة (2007)، أي التبرم الواسع النطاق، بنظام الجنرال مشرف الذي مضى عليه في السلطة ثماني سنوات، ويريد أن يستمر لمدة رئاسية أخرى. وأن يحتفظ في نفس الوقت بقيادته لأركان القوات المسلحة. وهو الأمر الذي ترفضه معظم القوى السياسية والمدنية المنظمة. فإلى جانب الحزبين الكبيرين (الشعب والجامعة الإسلامية)، دخل القضاة والمحامون الساحة العامة كقوى مناهضة لاستمرار العسكريين عموماً، والجنرال مشرف خصوصاً في السلطة.
وبدلاً من أن يدير مشرف معركته مع المناهضين له سياسياً، فإنه ارتكب حماقة عزل كبير قضاة المحكمة العليا، القاضي افتخار شودري من منصبه. وحاول شق وحدة القضاة. ولأن قيمة "العدالة" عند مسلمي باكستان هي أساس المُلك (أي الحكم) فإن جماهير حاشدة، تظاهرت احتجاجاً على ما فعله مشرف مع رمز هذه القيمة، وتضامن المحامون مع القضاة ومع الجماهير، ونزلوا للشارع واصطدموا بقوات الأمن. فارتكب الجنرال مشرف حماقة أخرى، وهي إعلان الأحكام العرفية، وتأجيل الانتخابات النيابية المقرر لها يناير 2008.
وقد خلقت هذه التطورات قلقاً بالغاً في العواصم الغربية. فهي تعتبر عدم الاستقرار في باكستان، مع حيازتها لأسلحة نووية من ناحية، ومع استمرار مقاتلي تنظيم القاعدة وأنصار بن لادن في السيطرة على المناطق الحدودية مع أفغانستان من ناحية أخرى، أموراً لا تطاق. وكل هذا بسبب استماتة مشرف على البقاء في السلطة. لذلك ارتفعت النداءات العلنية من تلك العواصم، تطالب الجنرال الباكستاني بالتراجع عن قراراته، وإجراء الانتخابات في موعدها حتى لا تتفاقم الأوضاع أكثر من ذلك.
إن جزءاً من المشهد الباكستاني يذكرنا بالمشهد المصري منذ سنتين، حينما انتفض القضاة، ورفضوا المشاركة في أو التواطؤ في عملية تزوير الانتخابات. وحينما ركب النظام المصري رأسه، وقرر الرد بإجراءات تأديبية ضد اثنين من قضاة المحكمة العليا (النقض)، هما هشام البسطويسي ومحمود مكي، خرجت الجماهير المصرية وحاصرت مبنى محكمة النقض، حيث كانت جلسات المحاكمة التأديبية للقاضيين الجليلين. وكان التراجع السريع من النظام المصري هو صمام الأمان الذي أنقذه من عصيان شعبي أوسع كان متوقعاً.
ولكن هناك أوجه اختلاف هامة بين المشهدين المصري والباكستاني، لا في أبعاده الاستبدادية، ولكن في أبعاده الشعبية. فمقاومة الاستبداد هناك أطول نفساً وأقوى باعاً. ولا بد أن هناك أسباباً لذلك. وهو ما يستحق مقالاً آخر. والله أعلم.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية