Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

باكستان ومينامار ومصر: نساؤهم... ورجالنا!

12\07    
تراجع الجنرال برويز مشرّف عن قراراته بفرض الأحكام العرفية وتأجيل الانتخابات البرلمانية وإصراره على الاحتفاظ بالزى العسكري وقيادة أركان الجيش الباكستاني مع رئاسته للجمهورية.
وجاء هذا التراجع في أعقاب احتجاجات شعبية واسعة النطاق، انفجر بعضها إلى اشتباكات سالت فيها الدماء بين قوات الأمن والمتظاهرين.
كذلك كان لانضمام العواصم الغربية إلى قائمة المحتجين على فرض الأحكام العسكرية تأثيرها في تراجع الجنرال مشرّف عن خطواته، التي رأى فيها الجميع في الداخل والخارج أنها مظهر لاستماتة الرجل على الاستمرار في احتكار السلطة، حتى لو خربت باكستان.
وما كان لهذه الاحتجاجات الشعبية أن تؤتي ثمارها في تراجع الجنرال مشرّف إلا بفضل صلابة زعيمة المعارضة بنازير بوتو. فهذه المرأة نشأت في أسرة سياسية مرموقة، حيث كان أبوها، ذو الفقار علي بوتو، زعيماً لحزب الشعب الباكستاني ورئيساً للوزراء، إلى أن انقلب عليه الجنرال ضياء الحق، وأعدمه بعد محاكمة صورية في سبعينات القرن الماضي. وكانت الابنة بنازير، تدرس وقتها في جامعة هارفارد. ورغم صدمتها وحزنها لإعدام أبيها، بعد تلفيق تهم له بالفساد والخيانة، إلا أنها خلعت ملابس الحداد، وتركت الدراسة ونزلت الميدان لتنصف أبيها وتقتص ممن قتلوه وأدى بها ذلك السعي شيئاً فشيئاً إلى العمل السياسي. وقادت حزب الشعب، وشاركت مع قوى وأحزاب أخرى إلى أن أقصت العسكر عن السلطة. وعاد الحكم الديمقراطي إلى المدنيين وفازت بنازير بوتو في الانتخابات وأصبحت رئيسة للوزراء مرتين، حيث تداول حزبها السلطة مع حزب سياسي مدني آخر هو حزب الجامعة الإسلامية، الذي يرأسه حالياً نواز شريف، والذي انقلب عليه الجنرال برويز مشرّف واستولى مع طغمة من العسكريين على السلطة، بعد مسرحية  هزلية، في أكتوبر 1999. وكالعادة بعد كل انقلاب عسكري في باكستان يُتهم الحكم المدني ورموزه بالفساد. وتوجس نواز شريف أن يحدث له مثلما حدث لذو الفقار علي بوتو، من محاكمة صورية ثم الإعدام، فهرب إلى الخارج حيث منحته السعودية حق اللجوء السياسي.
وكالعادة بعد كل انقلاب عسكري في باكستان، يجيد العسكريون الضبط والربط، وتحسين المرافق العامة، ويشعر المواطن العادي بتحسن ملحوظ في الحياة اليومية. ولكن ذلك يكون عادة إلى حين. فكما هو دارج في أحد الأمثال الشعبية المصرية، أن "الغربال الجديد له شدة"، ولكن بعد حين ترتخي شدة الغربال. وهذا ما حدث مع نظام برويز مشرّف بعد سنواته الخمس الأولى في السلطة، والتي قام فيها بإنجازات ملحوظة، وخاصة ما أشبع منها النعرة الوطنية، مثل دخول نادي القوى النووية، وحيث نجحت باكستان في امتلاك القنبلة الذرية. ولكن بعد ذلك وفي غياب المحاسبة والتداول الديمقراطي للسلطة، بدأت الأمور العامة تتدهور تدريجياً، ومن ذلك الانفلات الأمني في بقاع متعددة من باكستان، وخاصة في المناطق الحدودية مع أفغانستان، حيث يسيطر تنظيم القاعدة. أي أنه حتى مقايضة الضبط والربط، و"القنبلة الذرية" في مقابل استلاب الحريات العامة للمواطنين، بدأت الطبقات الوسطى الباكستانية تتبرم بنظام مشرّف. وكان القضاة والمحامون هم الأكثر تعبيرا عن وطأة غياب الحريات العامة، وبدلاً من أن يستجيب مشرّف لمطالب القضاة والمحامين اختار الصدام، بهم فخرجت المظاهرات الصاخبة تضامنا مع القضاة وتضاعف الغليان الشعبي.
ولكن الجماهير الغاضبة تحتاج دائماً إلى قيادة أو قيادات، تبلور هذا الغضب إلى حركة منظمة، وبرنامج سياسي ومطالب محددة. وهنا بدأت الجماهير الباكستانية تبحث عن قيادات سياسية، ولبّت بنازير بوتو النداء وعادت من منفاها لتقود حزبها، وتطالب بعودة الحكم المدني الديمقراطي. ولخصت مطالبها المحددة تجاه الجنرال برويز مشرّف في مطلبين محددين:
الأول: أنه إذا أراد الاستمرار في العمل السياسي، فعليه أن يتخلى عن موقعه في الجيش، كرئيس للأركان، وأن يخلع زيه العسكري ويصبح مدنياً. وبهذه الصفة أي كمواطن مدني، من حقه كغيره من المدنيين، أن يعمل بالسياسة من بابها الأمامي الشرعي.
المطلب الثاني: هو إجراء الانتخابات البرلمانية التعددية في موعدها المحدد، وتحت إشراف أو في وجود مراقبين دوليين، في الأسبوع الأول من يناير 2008.
وتظاهر الجنرال مشرّف بالاستعداد لتلبية المطلبين، بل وذهب إلى دولة الإمارات سراً، حيث تقابل مع بنازير بوتو، لمحاولة توفيقية يتقاسم فيها السلطة معها، هي كرئيسة للوزراء، وهو كرئيس للجمهورية، مع احتفاظه بموقعه كرئيس للأركان. ومع رفضها لذلك، تظاهر بالاستعداد للتخلي عن منصب رئيس الأركان، ولكن بعد أن ينتخبه البرلمان رئيساً للجمهورية. ووافقت بنازير بوتو، ولأن حزبها يمثل أكبر كتلة في البرلمان فقد كان ذلك حلاً توفيقياً يحفظ ماء الوجه لكثير من الأطراف، وتجنب باكستان استمرار القلاقل، ويحقن الدماء. ولكن بعد أن انتخبه البرلمان في أكتوبر الماضي، استمر يناور حول  تنفيذ مطلب التخلي عن منصب رئيس الأركان. وقال أن الزى العسكري بالنسبة له مثل جلده، والتخلي عنه هو بمثابة سلخه. ولما أصدرت المحكمة العليا حكماً بعدم جواز الجمع بين المنصبين، ارتكب مشرّف حماقة إضافية، بعزل قضاة المحكمة وإعلان الأحكام العرفية، وتأجيل الانتخابات البرلمانية. فانفجرت الأوضاع في الشارع الباكستاني من جديد وعادت بنازير بوتو من منفاها، لتقود جماهير حزب الشعب، وأصرت على ألا تتخلى عن المطالب الأصلية، وزادت عليها ضرورة إلغاء الأحكام العرفية وإجراء الانتخابات في يناير 2008.
ورغم أن مشرّف حاول من جديد أن يلعب بورقتي "التطرف الإسلامي والحرب على الإرهاب"، يبدو أنها ملت استمرار الأنظمة الديكتاتورية، اللعب بهاتين الورقتين من أجل الاستمرار في احتكار السلطة، فأعلنت العواصم الغربية تأييدها لمطالب الجماهير الشعبية الباكستانية، أي أن ثلاثة شروط تضافرت في المشهد الباكستاني الأخير، والذي كان لا بد أن تبدأ الديكتاتورية العسكرية في الاستعداد للرحيل:
انتفاضة جماهيرية.        قيادة سياسية بديلة.         تأييد دولي خارجي.
وقريب من باكستان، على حافة شبه القارة الهندية إلى الشرق، تقع بلد أخرى كان اسمها تاريخياً هو "بورما". وكانت أيضاً مستعمرة بريطانية. وكنا في صبانا نسمع عن مقاومة شعبها لذلك الاستعمار، وكان حاكمها الإنجليزي الجنرال تمبلر شديد القسوة، وحينما اشتدت مقاومة المصريين للاحتلال بعد إلغاء النحاس باشا لمعاهدة 1936، استدعته السلطات الإنجليزية ليُخمد هذه المقاومة، كما أخمد مثيلاتها في بورما والملايو. فكنا نخرج في مظاهرات تهتف ضد تمبلر "سفاح بورما". استقلت بورما بعد ذلك في نهاية الخمسينات. وصادق زعماؤها الوطنيون الجدد زعمائنا في مصر والعالم الثالث، ضمن حركة عدم الانحياز. ولكن مع منتصف الستينات انقض العسكريون على السلطة وتكرر نفس المسلسل: بوعود براقة بمحاربة التسيب والفساد، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وحماية الوحدة الوطنية. حتى الشعار الناصري حول "الاشتراكية العربية"، والذي تغير إلى "التطبيق العربي للاشتراكية"، تم استعارتهما حرفياً مع وضع "بورما" أو "البورمية" مكان العرب والعربية. وفي البداية، كما يحدث دائماً مع "الغربال الجديد"، كانت هناك بعض الإنجازات الملموسة. ولكن بعد حين ساءت الأحوال وبدأ الشعب البورمي يتبرم بحكم العسكر، وظهرت قيادة نسائية شابه هي "أونج سان سوكي"، قادت الجماهير الغاضبة في المطالبة بالديمقراطية ورحيل العسكر من السلطة.
ولكن العسكر خمدوا الانتفاضة الأولى بالحديد والنار وسجنوا أونج سان سوكي، لعدة سنوات. ورغم ذلك ظلت المرأة صامدة، تدير قوى المعارضة من سجنها وحظيت باحترام دعاة الحرية حول العالم. وتقديراً لاستمرار نضالها السلمي، حصلت على جائزة نوبل منذ عدة سنوات. واضطر العسكر تحت ضغط الرأي العام العالمي، للإفراج عنها، ولكن مع تحديد إقامتها في منزلها في العاصمة "رانجون" وظلت أونج سان سوكي على إسرارها على الديمقراطية. واستجاب شعب بورما لنداءها من أجل الحرية والديمقراطية بالتظاهر والعصيان المدني. وانضم إليهم مؤخراً رجال الدين البوذيين. ورد العسكر بقيادة كبيرهم الجنرال "ثان شوي" بمزيد من الحديد والنار والدماء، فتحرك الرأي العام العالمي، ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة، التي أرسلت مبعوثاً خاصاً، هو الإفريقي "إبراهيم جمباري" (وليس جمبري)، للتوسط بين العسكر والمعارضة. والوساطة في حد ذاتها لا تجد مع المستبدين، إلا إذا كانت مصحوبة بوسائل ضغط اقتصادية أو عسكرية. ومع تردي الأوضاع الاقتصادية بسبب ارتفاع أسعار النفط واحتمالات فرض عقوبات دولية، بدأ العسكر يبدون قدراً ملحوظاً من المرونة، وسمحوا لأول مرة بأن تستقبل أونج سان سوكي، إبراهيم جمباري، وزعماء حزبها. ومع بقاء مطالبها الرئيسية، إلا أنها أبدت مرونة في التفاصيل لإنقاذ ماء وجه العسكر. وتبدو أزمة بورما التي كان العسكر قد غيّروا اسمها إلى "مينامار"، في طريقها للحل.
وهكذا نجد في سيدات آسيا، سواء في باكستان أو مينامار، وقبلهما في الهند وبنجلاديش وإندونيسيا وسيرلانكا، أسوة حسنة في الصلابة والنضال السلمي من أجل الحرية والديمقراطية. وحيث فعلن ذلك واستجابت لهن الجماهير، وقف العالم معهن ومع شعوبهن. وبدأ العد التنازلي للديكتاتوريات العسكرية. والسؤال هو متى تتحقق نفس الشروط عندنا في مصر والبلدان العربية التي تجثم الديكتاتوريات على صدور شعوبها؟. من الواضح أن رجالنا حدث لهم شيء أو أشياء أقعدتهم أو شلت حركتهم أو جففت النخوة في عروقهم. فهل يا ترى يسمحون أو يتسامحون إذا خرجت نساؤهم لقيادة النضال مثل أخواتهن في جنوب آسيا؟. هذه أسئلة لا بد أن نعود إليها في مقالات قادمة.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية