المواطن كارتر أهم من الرئيس كارتر
10\07
عرفت السيد جيمي كارتر، بعد أن ترك منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. وكان قد رأى تعليقاً لي حول اغتيال الرئيس أنور السادات، في برنامج تليفزيوني على شبكتي الـبي. بي . سي البريطانية (BBC )، والسي. بي. أس الأمريكية (CBS ). وكان فحوى تعليقي أن متطرفين إسلاميين هم فعلاً الذين أطلقوا النار على أنور السادات، ولكن الأمريكيين هم الذين وضعوه في مرمى النيران، لقد كان ما قلته تشبيهاً بلاغياً، قصدت به، أن عدم وفاء الولايات المتحدة بواجباتها كراع للسلام، في الضغط على إسرائيل من أجل استكمال تسوية كاملة شاملة، هو الذي وضع الرئيس في موقف حرج أمام شعبه المصري، وأمته العربية. ومع ذلك أخذ جيمي كارتر ما قلته ضمن مقابلة أطول، وكأنني أوجه له اللوم شخصياً على مقتل الرئيس السادات، فقال لي معاتباً في حضور زوجته، روزالين، وأسامة الباز، في قصر الضيافة بالقاهر (إن الكلمات التي قلتها أنا في تلك المقابلة التليفزيونية نزلت عليه كالسكين، وأنني لا أدرك كم أحب هو أنور السادات، وكم أعجب بشجاعته، وكيف اعتبره أخاً عزيزاً. كذلك لم أدرك في تعليقي كم حاول هو (أي كارتر) أن يصل إلى التسوية المنشودة، ولكن لم يمهله الناخبون الأمريكيون الوقت الكافي لذلك، حيث لم يعيدوا انتخابه لفترة رئاسية ثانية!". وشرحت بدوري أن ما قلته "كان تشبيهاً مجازياً يخص السياسة الخارجية الأمريكية عموماً، وأن خليفته في البيت الأبيض، رونالد ريجان، هو الذي يتحمل المسئولية الأكبر، حيث أنه لم يفعل شيئاً على الإطلاق في ملف الصراع العربي الإسرائيلي، طيلة فترة رئاسته. ابتسم كارتر مبدياً تفهمه للشرح والتبرير. ومنذ ذلك الحين أصبحت أنا ضيفاً موسمياً على جيمي كارتر وأسرته، في مدينة أطلانطا، بولاية جورجيا، فقد أنشأ فيها مركزاً يحمل اسمه (Carter Center )، ويقوم بالدراسات والبرامج التنموية، التي تخدم قضايا الحرية والعدالة والسلام في العالم.
ورغم أن عدداً من رؤساء أمريكا السابقين كانوا ما يزالون على قيد الحياة (مثل جيرالد فورد، ورونالد ريجان، وجورج بوش الأب، وأخيراً بيل كلينتون)، إلا أن أياً منهم لم يترك نفس الأثر الذي أحدثه، وما يزال يحدثه جيمي كارتر على الساحتين الأمريكية والدولية، كرئيس سابق، والآن "كمواطن عادي"، بل ويُجمع المراقبون على أنه الآن، كمواطن خارج السلطة، أقوى عشرات المرات مما كان وهو رئيس للولايات المتحدة (1976-1980). ففي سنوات رئاسته الأربع كان لكارتر إنجاز ضخم واحد في السياسة الخارجية، تبعه بإخفاق فادح في السياسة الخارجية أيضاً. كان الإنجاز هو "كامبد دافيد"، واتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية، والتي صمدت رغم كل الانتقادات لها عربياً وإسرائيلياً، لثلاثة عقود. بل إن كل الأطراف العربية التي كانت قد رفضتها، وقاطعت مصر الساداتية بسببها، تلهث الآن لتوقيع مثلها، وفي مقدمتهم سوريا، ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولأن كامب دافيد فإن الإنجاز الأهم، كانت وثائقها وصورها تملأ القاعة الرئيسية للمتحف الذي يضمه مركز كارتر، في مدينة أطلانطا.
أما الإخفاق الأفدح فقد كان "أزمة الرهائن الأمريكيين" في العاصمة الإيرانية طهران، في أعقاب الثورة الإسلامية التي قادها "أية الله روح الله الخوميني، عام 1979. وحين أمر كارتر قوات الماريز الممولة جواً أن تحرر هؤلاء الرهائن من مبنى السفارة الأمريكية في طهران.
فشلت العملية فشلاً ذريعاً، جعل الأمريكيين يشعرون بالمهانة، التي كانوا قد شعروا بها في "خليج الحنازير، على شواطئ كوبا، (1961)، في ظل رئاسة جون كيندي، أو عند انسحاب قواتهم من سايجوت في الأيام الأخيرة لحرب تحرير فيتنام (1976). وقد أذهبت سيئات أزمة الرهائن، كل حسنات كامب دافيد، لدى الناخبين الأمريكيين فخذلوا كارتر في انتخابات الرئاسة التالية لصالح منافسة ريجان. وطبعاً لا يجد الزائرون لمتحف كارتر نفس تفاصيل الإخفاق مثلما تفاصيل النجاح.
ومن مفارقات القدر أن كلا من إنجاز وإخفاق كارتر ارتبطا بالشرق الأوسط، وليس بأي منطقة أخرى من العالم، ولا حتى بالسلطة الداخلية في أمريكا نفسها وربما يفسر ذلك استمرار تلك المنطقة في بؤرة اهتمام كارتر، إلى اليوم، أي بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً بعد مغادرته للبيت الأبيض. من ذلك أنه ألّف كتابين عن القضية الفلسطينية، أحدث أخرهما ضجة واسعة النطاق في العام الماضي، وهو بعنوان فلسطين سلام وليس فصل عنصري (Palestine peace Not Apart hide ) ، حيث هاجم بشدة سياسات إسرائيل وممارساتها متهماً إياها بممارسة "الفصل العنصري" (Apart hide ) ببنائها للحائط العازل على أراضي فلسطينية في الضفة الغربية. وقد استأثرت المسألة الفلسطينية بالقدر الأعظم من اهتمامات جيمي كارتر، والمؤسسة التي تحمل اسمه. وقد قاد بنفسه فريق المراقبين الدوليين الذين تابعوا كل انتخابات فلسطينية منذ 1996. وقد زامله في ذلك مركز ابن خلدون، إيمانا منه ومنا أن أي سلطة فلسطينية منتخبة ديمقراطياً، هي الأقدر سياسياً وأخلاقياً على استخلاص الحقوق المشروعة لشعبها، حيث أن شرعيتها هي التي تبّطل الحجج الإسرائيلية في المماطلة بدعوى أنها الكيان الديمقراطي الوحيد، في محيط عربي من الاستبداد، وأنها بهذه الصفة لا تجد شريكاً فلسطينياً يمكن التفاوض معه، وتوقيع اتفاق يمكن الوثوق في احترامه. ويؤمن كارتر أن الفلسطينيين بمستوياتهم العالية من التعليم والوعي السياسي والتصميم على حقوقهم هم أكثر الشعوب العربية جدارة بنظام حكم ديمقراطي، يكون ندّاً حقيقياً لإسرائيل.
ولكن اهتمام كارتر بالمسألة الفلسطينية لم يُغفله عن بقية الشأن الإنساني العالمي. وربما طالع من يتابعون مسألة "دارفور"، صوراً لجيمي كارتر، الذي أكمل عامه الخامس والثمانين في أكتوبر الماضي، وهو يحمل على كتفيه أمتعة الغذاء، والكساء، ضمن المساعدات الإنسانية التي ترسلها مؤسسته، إلى لاجئي ومشردي دارفور (الحياة 4/10/2006). وقد فعل ذلك ضمن وفد "مجموعة حكماء العالم"، والذي يضم أيضاً الأسقف الجنوب إفريقي "دزموند توتو"، والدبلوماسي العربي الجزائري المخضرم الأخضر الإبراهيمي. ولم يعد كارتر، كمواطن عالمي مهموم بالبؤس الإنساني، يتردد في إطلاق كلمة حق، في وجه أي طرف يتجاوز الحدود ـ سواء كان الرئيس الأمريكي جورج بوش، أو إسرائيل واللوبي الصهيوني الذي يقف ورائها، أو الرئيس السوداني عمر البشير. ولذلك لم أستغرب انتقاده العلني للسلطات السودانية التي منعته من لقاء أحد قادة النازحين في بلدة "كبكابيه"، في شمال دارفور. فالرجل يحرص دائماً على أن يشاهد، وأن يسمع مباشرة من أصحاب المشكلة.
وحين التقيت جيمي كارتر ، في أوائل سبتمبر الماضي، وأخبرني عن أحوال مصر، وعن دقة التقارير الإعلامية عن تعرض بعض أفراد أسرة الرئيس السادات للاضطهاد والتنكيل فأخبرته بما أعرفه في قضيتي النائبين طلعت عصمت السادات، وأنور عصمت السادات. وكنت بدوري أنقل عن أنور عصمت السادات نفسه الذي شارك معنا في مؤتمر "الديمقراطية والإصلاح" بالدوحة (27-29/5/2007)، وظل على اتصاله الهاتفي معي، حتى وأنا خارج البلاد. وتساءل الرجل "أليست هناك أوجه شبه بين الحالتين وقضية أيمن نور؟" فأجبته أن كثيرين يعتقدون ذلك فثلاثتهم في نفس المرحلة العمرية مثل جمال مبارك، نجل الرئيس، مع فارق أنهم أكثر تمرساً بالعمل السياسي الشعبي في الشارع. طلب الرجل أن أطلب من الأخوين طلعت وأنور أن يكتبا إليه مباشرة، حتى يعرف من أصحاب الشأن. وقد نقلت ذلك هاتفياً في حينه إلى طلعت وأنور كما سأل الرجل إن كانا مسموحاً لهما بالسفر، حتى يدعوهما إلى أطلانطا في الملتقي السنوي للمدافعين عن حقوق الإنسان. فأجبته "أن الله وحده، وحسني مبارك أعلم بذلك!"