Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

فيتنام والبحث عن مستقبل للعراق؟!
10\07

في الأسبوع الماضي صرّح رئيس الأركان الأمريكي السابق، الجنرال ريكاردو سانشيز، "إن استراتيجية البيت الأبيض في العراق، هو كابوس، ولا يمكنها أن يؤدي إلى النصر" (13/10/2007).
كان الجنرال سانشيز في الخدمة، حينما غزت بلاده العراق (19/3/2003). وقتها وخلال الأعوام الثلاثة التالية، لم نسمع منه إلا ما يؤكد عدالة الغزو لإنقاذ الشعب العراقي من طغيان ودموية صدام حسين. كذلك لم نسمع منه كلمة نقد واحدة لاستراتيجية بلادة في العراق، أو لسياسات الرئيس جورج بوش في الشرق الأوسط. وربما كان ذلك ما تفرضه التقاليد العسكرية. فما دام أحد أفراد القوات المسلحة ما يزال في الخدمة، ويرتدي زيّها الرسمي، فإنه يلتزم أصول الضبط والربط، ويطيع أوامر قياداته، ولا يتحدث في السياسة. وفي الولايات المتحدة، كما في معظم بلدان العالم، فإن رئيس الجمهورية، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. ومن ثم يلزم جميع أفرادها، بما في ذلك رئيس الأركان بأوامر وتوجيهات الرئيس. ولكن بمجرد التقاعد وخلع الزي العسكري الرسمي، يتحول الضابط السابق إلى مواطن مدني لاحق، له كل حقوق المواطنة، بما في ذلك حق الانغماس في الشأن العام ونقد سياسات حكومته. وهذا ما حدث في حالة الجنرال سانشيز.
وتذكرت على التو جنرال أمريكي آخر هو وليام وستمورلند، قائد القوات الأمريكية أثناء حربها الممتدة في فيتنام (1968/1975)، والتي انتهت بهزيمة كاسحة، لم تتعود عليها الولايات المتحدة طوال المائتي سنة، التي كانت هي كل تاريخها، منذ الاستقلال (1776). وكانت مرارة الهزيمة هي الأشد على العسكريين الأمريكيين. فهم لم يخسروا أي معركة في تلك الحرب الطويلة، على امتداد أثنى عشر عاماً. ومن حيث قوة النيران، وأعداد القتلى، كانوا هم دائماً الجانب الأرجح. ولكنهم في النهاية خسروا الحرب، وكان انسحابهم من أخر مواقعهم في سايجوت، عاصمة جنوب فيتنام انسحاباً مرتبكاً ومخزياً. ونقلت الكاميرات التليفزيونية الأمريكية والعالمية مشهد أخر طائرات الهليوكوبتر، وهو يقلع، وآخر الجنود المدنيين الفيتناميين وقد تعلقوا بعجلاتها في الهواء، حتى لا تأسرهم قوات الفيتكونج المعادية، التي كانت تحاصر سايجوت! وقد ألقى الجنرال وستمور لاند وقتها باللوم على البيت الأبيض والسياسيين الأمريكيين في واشنطن. ويبدو أن الجنرال ريكاردو سانشيز لا يريد لبلاده أن تلقى هزيمة وانسحاباً مماثلاً من العراق، بعد 32 سنة من ذلك المشهد المخزي في سايجوت (1975).
لقد تزامنت الحرب في فيتنام مع سنوات دراستي للدكتوراه في الولايات المتحدة. وكنت في أثنائها رئيساً منتخباً للطلبة العرب، وحيث كانت مشاعرنا، كمواطنين من العالم الثالث أكثر تعاطفاً مع الشعب الفيتنامي الذي كان مقاتلوه من الفيتكونج، بأجسامهم النحيلة، وبيجاماتهم السوداء، يقاومون آلة الحرب الأمريكية الهائلة، بجنودها الأضخم حجماً، ومعهم دبّاباتهم وطائراتهم الأكثر فتكاً. وكلما صمدت مقاومة الفيتكونج، رغم خسائرهم الفادحة من الأرواح التي كانت تحصدها آلة الحرب الأمريكية يومياً، كلما اشتد الجنون في البيت الأبيض والبنتاجون، وكلما ضاعفوا من تدميرهم للموارد المحدودة لفيتنام، جنوبها وشمالها، مزارعها وغاباتها، طرقها وجسورها. وألقت القاذفات الأمريكية من القنابل على فيتنام، أكثر مما ألقته كل الجيوش في الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك ظل الفيتناميون يقاومون سنة بعد أخرى، وكان الشباب الأمريكي يشاهد أخبار الحرب يومياً، بالصوت والصورة، على شاشات التليفزيون ولأنه كان الجيل الأول، الذي وُلد بعد الحرب العالمية الثانية، فإنه نشأ يسأل ويتساءل قياداته السياسية: لماذا الحرب في فيتنام؟ وكانت تأتيه إجابات من قبيل: "نحن الأمريكيون هناك دفاعاً عن الحرية ونشر الديمقراطية، في وجه الزحف الشيوعي". وبالطبع صدق معظم الأمريكيون ذلك في بداية سنوات الحرب. ولكن مع استمرار القتل والدمار، تناقص المؤيدون وتزايد المعارضون للحرب في فيتنام بين الشباب الأمريكي، وخاصة في الجامعات. فبدأوا ينظمون المظاهرات والاعتصامات، فيما أصبح يُعرف "بحركة مناهضة الحرب" (Anti war movement ). وشارك الطلبة العرب وغيرهم من طلبة العالم الثالث الذين كانوا يدرسون في الولايات المتحدة وقتها زملاؤهم الأمريكيين.
وفي الواقع كان لقاءي بأحد الفتيات الأمريكيات، من مناهضات الحرب ضمن مسيرات تلك الحركة ، وهي، باربارا ليثم، التي ستصبح زوجتي ورفيقة حياتي، منذ أكتوبر 1971. وقد رزقت منها بابنتي المحامية رندا، وابني المهندس أمير. ومثل كل الأبناء سمعت رندا وأمير قصة لقاء والديهما أثناء حركة مناهضة الحرب في فيتنام. ويبدو أن ذلك ترسب في أعماق وعيهما. وذلك حينما سنحت الفرصة، اختار ابني المهندس أمير فيتنام، دون اختيارات أخرى كانت متاحة أمامه، لكي يساعد فقرائها من الفلاحين، في توفير مصادر رخيصة للطاقة. وأعد لنا الابن البار مفاجأة، بدعوتنا (أمه وأبيه) للاحتفال بعيد زواجنا السادس والثلاثين في فيتنام، ولسان حاله يقول أنه لولا تضامنكما مع نضال الشعب الفيتنامي لربما لم تلتقيا، ولم تتزوجا، ولم تنجباني أنا وشقيقتي رندا، وقد سعدنا، أنا وأمه بركة (باربارا) بلفتته الرقيقة، ولبينا الدعوة على الفور.
وها أنا بعد عدة أيام من التجوال والمشاهدات الميدانية، والحديث مع كل من استقطعت الحديث معهم من الفيتناميين، أكتب هذا المقال من العاصمة الأسطورية هانوي، ومن موقع يطل على "النهر الأحمر"، الذي يشق المدينة، التي أعادت بناء ما دمرته الحروب المتعاقبة طوال القرن العشرين.
إلى جانب حب استطلاعي عن الشعب والمجتمع والحزب والدولة في فيتنام، كنت حريصاً على معرفة كيف أعادوا بناء بلادهم واقتصادهم، وكيف جذبوا آلاف الشركات الأجنبية للاستثمار عندهم؟، وكيف وازنوا بين هذا التدفق الرأسمالي من ناحية واقتصادهم الاشتراكي ـ الماركسي من ناحية أخرى؟ وكيف غفروا أو سامحوا تلك القوى الأجنبية، التي استعمرتهم، ونهبتهم، ودمرت بلادهم وقتلت منهم ما يقرب من المليون خلال الثلاثين عاماً، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية (1945-1975)، فضلاً عن القرنين السابقين (1750-1945)؟.
كانت هناك إجابة عامة واحدة من الفيتناميين أنفسهم، وصدّق عليها الأجانب الذين التقيتهم، وخاصة من الأمريكيين والفرنسيين، وهي "أن الفيتناميين، كشعب وكثقافة، لا يتوقفون كثيراً عند الماضي، ولا يجترون الآلام، أو يمعنون في جلد ألذات، أو الاستمتاع بدور "الضحية". إنهم عمليين للغاية (الكلمة الإنجليزية Pragmatic )، ينظرون إلى الحاضر ويتطلعون دائماً إلى المستقبل. وقد أكد ذلك ليّ المحامي الأمريكي جون بنتلي (John Bentley )، الذي عاش في مصر خمسة عشر عاماً، ساعد فيها السلطات المصرية على صياغة قوانين الانفتاح، والتحول إلى اقتصاديات السوق. وقد استدعته السلطات الفيتنامية عام 1994، لكي يساعدهم لتحقيق نفس الشيء. وحينما سألته عن المقارنة بين خبرته في مصر وخبرته في فيتنام، قال "أنهم هنا أشد فقراً، حيث متوسط الدخل الفردي لا يتجاوز ستمائة دولار، أي ثلث مثيله في مصر، ولكنهم أكثر جدية، ولا يضيعون وقتهم وطاقتهم في معارك الماضي، أو الانشغال بمؤامرات وهمية، يقوم بها الآخرون ضدهم". لقد استغرب المحامي الأمريكي أنهم دعوه إلى بلادهم في المقام الأول، واستغرب أكثر أنه خلال السنوات الاثنى عشر التي قضاها في فيتنام، لم يثر أحد الحديث عن الماضي إلا مرتين، وحتى ذلك كان بمناسبة فيلم سينمائي عن حرب فيتنام. ويضيف جون بنتلي، أنه ربما لهذا السبب تحقق فيتنام معدلاً من النمو الاقتصادي السنوي، مثل جارتها الشمالية وهي الصين ـ وهو 9%! فهي نمر اقتصادي صاعداً.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية