|
عقدة الخواجة: من قهر بلا حدود.. إلى تفاهة بلا حدود؟؟؟
د. سعد الدين إبراهيم
سبتمبر 07
أكتب في هذه الصحيفة منذ عددها الثاني قبل ثلاث سنوات، وأكتب في صحف عربية أخرى منذ أربعين عاماً، وضمن هذه الأخيرة كتبت بانتظام في صحيفتي الأهرام القاهرية، والحياة البيروتية – اللندنية، وبين الحين والآخر أكتب في صحف أجنبية ـ مثل النيويورك تايمز، والواشنطون بوست ولوس أنجلوس تايمز، والجارديان البريطانية.
والملاحظة الطريفة أن رؤساء تحرير الصحف الحكومية المصرية مثل الأهرام، الأخبار، الجمهورية، أو المباحثية مثل روزاليوسف والأسبوع، لا تهتم كثيراً بما أكتبه في الصحف المصرية أو العربية، ولكن تقوم قيامتها ولا تقعد، حينما أكتب في صحف أجنبية. بل يركبها عفريت إذا كتبت في صحف أمريكية. فرغم أن رؤساء التحرير هؤلاء أو صبيانهم لا يكفون عن لعن أمريكا ليل نهار، إلا أنهم في نهاية المطاف يحرصون، هم وأسيادهم على التمسح بأمريكا واسترضاء مسئوليها، والخجل الشديد من كشف عوراتهم أمام أسيادهم في واشنطون. وحينما تجتمع مشاعر الحب والكراهية نحو نفس الشخص أو الدولة، وكذا الإعجاب والازدراء، الخوف والتطاول، فإن علماء النفس يسمون ذلك بالعقدة النفسية " Complex ".
وقد عرفت شعوبنا العربية تلك الظاهرة حيال المستعمر الغربي، في القرن الماضي وأطلق عليها المصريون بخفة ظلهم، تعبير عقدة الخواجة.
ومناســــبة هــــذه المقدمــــة هو نشــــــر مقال لنا في صــــحيفة الواشنطون بوســـــت الأمريكية، يوم الثلاثاء الماضــي 21/8/2007م بعــنوان " قهر بلا حدود في مصر" (Egypt’s unchecked Repression) . وفيه أستعرض الانتهاكات المتزايدة لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقالات الجماعية، والحبس التحفظي، والتعذيب في أقسام الشرطة ومقرات مباحث أمن الدولة، والتي تستهدف المعارضين السياسيين، مثل الإخوان المسلمين، والمختلفين في فكرهم الديني، مثل القرآنيين والشيعة والبهائيين، أو المخالفين في اجتهاداتهم السياسية، مثل الخلدونيين (نسبة إلى مركز ابن خلدون) الذي ينتمي إليهم هذا الكاتب والباحث الشاب عمرو ثروت، المحبوس مع آخرين، منذ اعتقاله، لدى عودته من الملتقى العربي الثاني للإصلاح والديموقراطية، قبل ثلاثة شهور. كذلك ذكرنا في نفس المقال حالات الاختفاء القسري، التي تزايدت في السنوات الأخيرة، والتي كان من أبرز نماذجها حالتي صديقين عزيزين، هما الصحفي اللامع رضا هلال، نائب رئيس تحرير الأهرام (أغسطس 2003)، والمنشق الليبي البارز ووزير الخارجية الأسبق منصور الكخيا (ديسمبر 1993).
ورغم أن كل ما جاء بمقالي في الواشنطون بوست، سبق أن كتبت عنه في صحف مصرية وعربية من قبل، هذا فضلاً عن أن كل ما ورد فيه من حقائق وأرقام مصدرها تقارير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، ومرصد حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش) فإن الصحف الحكومية اليومية الأربع وكذا المجلات الأسبوعية المباحثية. لم تتوقف طوال الأسبوع التالي لظهور مقال واشنطون بوست، لا للرد على ما جاء بالمقال من وقائع وتحليلات واجتهادات، ولكن لتوجيه أفظع الشتائم والاتهامات للكاتب وللصحيفة التي ظهر فيها المقال.
ولأنه لم يكن لدى من شاركوا في حملة الهجوم والشتائم ما يمكن أن يقارعوا به الكاتب، حجة بحجة، أو واقعة بواقعة أو حقيقة بحقيقة، أو رقم برقم، فإنهم لجأوا إلى أساليب مبتذلة، ولغة ساقطة، وإلى التفكير ألتآمري. وقد تبارى رؤساء التحرير هؤلاء في الردح والإسفاف، حتى وصلوا إلى قاع سحيق وغير مسبوق من التفاهة.
لقد كان لنظام عبد الناصر رؤساء تحرير عمالقة، مثل محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين، وكان لنظام السادات رؤساء تحرير أفذاذ مثل أنيس منصور وموسى صبري، أما نظام الرئيس مبارك فقد ابتلاه الزمن وابتلانا هو برؤساء تحرير أقزام. وتتجلي تفاهتهم وإسفافهم بلا حدود، في كل معركة يخوضونها طواعية نيابة عن النظام، أو يزج بهم النظام في معارك تسوية حسابات أو انتقام من الخصوم والمعارضين. ومن ذلك ما طالعناه طوال الأسبوع التالي لمقالنا في الواشنطون بوست.
وربما كان الاستثناء الجزئي الذي يستحق الرد، هو المقال الافتتاحي لرئيس تحرير الأهرام، الزميل أسامة سرايا، الذي تأنى لمدة خمسة أيام قبل أن يلتحق بالزفة، نظن أنه قضاها في جمع بعض البيانات، والتي جعلته يتجرأ، ويختار عنواناً لمقاله، "أكاذيب سعد ... وافتراءات الأخوان".
ولأنني أعرف أسامة سرايا، منذ تخرج من الجامعة، وكان من بين أصدقائه من يعمل تحت إشرافي في وحدة الشؤون العربية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (وحيد عبد المجيد، وحسن أبو طالب، وجهاد عودة، وهالة مصطفى) في الطابق السادس، خلال عشر سنوات (1975 – 1985) فكان يتردد علينا كثيراً، وعهدته مهذباً مجتهداً. ثم تركت الأهرام إلى مرابع واهتمامات أخرى داخل مصر و خارجها. وتوارى أسامة سرايا في ذاكرتي، إلى أن قُبض عليّ في ليلة 30 يونيه 2000، أنا وسبعة وعشرون من الخلدونيين، وكان التحقيق معي يتم تحت إشراف المستشار هشام سرايا، وهو الذي ذكرني بشقيقه الأصغر الذي كان يعمل معي في الأهرام، أسامة سرايا، وكان هشام مثل أسامة على نفس الدرجة من التهذيب الملحوظ.
تطلعت لقراءة مقال أسامة سرايا، بهذه الخلفية من معرفته ومعرفة شقيقه. وللأمانة اجتهد أسامة سرايا لكي يخلق من "فسيخ" النظام "شرباتاً". من ذلك انه تحدى الرقم الذي ورد في مقالنا عن عدد المعتقلين السياسيين في عهد مبارك، حيث أنهم لا يصلون إلى عشرات الآلاف، ولكن بضع ألوف فقط. وبينما ذكرت أنا مصدر معلوماتي باليوم والسنة كما نوّهت أعلاه، بينما لم يذكر أسامة سرايا مصدر معلوماته على الإطلاق. وأغلب الظن أنها من لاظوغلي.
أهم من ذلك أن واقعة الاختفاء القسري لزميله وابن جيله، رضا هلال، التف عليها أسامة سرايا، بكلام عاطفي منمق، حول وطنية وأدب واعتدال الزميل الغائب منذ أربع سنوات، دون أن يقول كلمة واحدة عن واقعة اختفائه. كما لم يذكر أي جديد عن التحقيق حول الواقعة، وأكثر من ذلك يوحي أسامة سرايا للقراء كما لو أن مجرد فتح الموضوع أو التساؤل عن مستجداته هو إساءة لذكرى الزميل المفقود، ولا أدري صراحة ما إذا كان رئيس تحرير الأهرام يريد من الجميع "أن يكفوا على الخبر ماجور"، أو أن نعتبر الزميل المفقود منذ أربع سنوات في عداد الراحلين عن الدنيا، ومن ثم نكتفي بذكر محاسنهم. لقد فقدت شبكة الجزيرة أحد مراسليها الذي صدر عليه حكم من أحد المحاكم الأسبانية أثناء تأدية عمله، وهو الصحفي ممدوح عدوان منذ عدة سنوات. ومع ذلك لا يمر يوم واحد في قناة الجزيرة دون أن تذكّر مشاهديها بمأساة مراسلها السجين. فلماذا لا تذكر الأهرام أحد أبناءها المختفي منذ أربع سنوات، ولو كل سنة مرة، ناهيك عن الضغوط لاستكمال التحقيق في واقعة الاختفاء؟.
أما واقعة الاختفاء القسري للمنشق الليبي منصور الكخيا من أحد فنادق القاهرة، في وضح النهار في ديسمبر 1993، فقد مر عليها أسامة سرايا مر الكرام، دون نفي أو تأكيد، مكتفياً بالقول بأن موضوع منصور الكخيا يختلف تماماً عن موضوع رضا هلال، ولا يمت الموضوعان لبعضهما بأي صلة. إذن، أسامة سرايا يعلم عن الموضوعين ما لا أعلمه أنا، أو يعلمه القراء المهتمين بمسألة الاختفاءات القسرية. فلعله يمن علينا بما يعرفه ويجعله بهذه الدرجة من اليقين عن الاختلافين اختفاء 1993 واختفاء 2003، خاصة أن أسامة سرايا ظل صامتاً طوال السنوات العشر بين الواقعتين.
وحتى إذا لم يكن لأسامة سرايا معرفة أو اهتمام بمنصور الكخيا، ألم يكن أضعف الإيمان أن يهتم بزميله رضا هلال الذي طالما تردد معه على مكتبي بالأهرام في سالف الأزمان. لماذا ظل أسامة سرايا صامتاً طيلة أربع سنوات؟.
بالله عليك يا أسامة سرايا، وأنت الآن في موقع رفيع، كرئيس تحرير أقدم وأهم صحيفة مصرية، أن تستخدم حظوتك مع الأجهزة الرسمية المصرية، وخاصة الأمنية منها، لتشفي ظمأنا لمعرفة أخر ما وصلت إليه هذه الأجهزة حول مصير الزميل رضا هلال. إنك لو نجحت في تحريك هذا الملف، تكون قد أديت واجباً مهنياً وإنسانياً رفيعاً، وربما يكون في ذلك تكفيراً عما تقدم من ذنب صمتك الرهيب طوال تلك السنوات.
|