Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

كيف تقدم العدالة والتنمية المغربي إلى المركز الثاني!؟
د. سعد الدين إبراهيم

سبتمبر 07


أجريت الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر، يوم الجمعة 7 سبتمبر، وتنافس فيها أكثر من ثلاثين حزباً، على 325 مقعداً، في 30 دائرة، منها 30 مقعداً، خصصت للنساء. وفاز فيها حزب الاستقلال، أقدم الأحزاب المغربية بالمركز الأول، حيث حصل على 52 مقعداً، وجاء حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي في المركز الثاني، وحاز على 46 مقعداً، وهو أحدث الأحزاب المغربية. بينما تقهقر حزب الاتحاد الاشتراكي إلى المركز الخامس، حيث لم يحصل إلا على 38 مقعداً. بينما جاء حزبان مواليان للقصر الملكي في المركزين الثالث والرابع، وهما الحركة الشعبية (41 مقعداً) والتجمع الوطني للأحرار (40 مقعداً).
وهكذا احتدمت المعركة الانتخابية، وإن ظلت محصورة بين الأحزاب الخمسة الكبرى، المذكورة أعلاه. والتي لم يحصل أي منها على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة بمفرده. وبالتالي لا بد من صيغة ائتلافية، تضم على الأقل ثلاثة من الأحزاب الكبرى. ويظل الحزبان المواليان للقصر هما المرجحان، معاً أو بمفردهما، لأي ائتلاف. وقد أتاح ذلك استقراراً سياسياً معقولاً، دون أن يصادر على إمكانيات الحراك السياسي في المملكة المغربية، والتي أصبحت هي الرائدة الحقيقية للتطور الديمقراطي بين بلدان الوطن العربي الإحدى وعشرين. ومع ذلك يظل نشطاء الديمقراطية في المغرب غير راضيين تماماً عن التجربة، لشكّهم في تدخل وزارة الداخلية في تقنين نتائج الانتخابات حتى لا يسيطر أي حزب على الساحة، وحتى يظل القصر هو ضابط الإيقاع (مايسترو) للحركة السياسية في البلاد. وقد التقيت أحد هؤلاء الساخطين في اليوم التالي للانتخابات مباشرة، واستمعت إليه في مؤتمر عُقد مؤخراً في العاصمة الهولندية لاهاي (9-10/9/2007)، حول إمكانيات الحوار مع الحركات الإسلامية.
وقد استأثرت التجربتين التركية والمغربية بالقدر الأعظم من اهتمام المؤتمر، لأنهما  الأكثر جديه وإثارة. وتلتهما في ذلك التجارب الإندونيسية والماليزية والفلسطينية. وقد سبق وكتبت عن التجربة التركية في أعقاب انتخاباتها البرلمانية، التي ساهمت في مراقبتها في حينه (2/7/2007). وسأتناول تجربتي إندونيسيا وماليزيا في مقالات قادمة. ولكني أخصص هذا المقال، والمقال القادم للتجربة المغربية الرائدة عربياً.
والسؤال هو هل غيّرت الانتخابات الأخيرة في المغرب من موازنة القوى السياسية؟ وإذا كان قد حدث تغير، ففي أي اتجاه، وما هي تداعياته، داخلياً وإقليمياً، ودولياً؟ وهاكم أهم الخلاصات:
استمرار صعود التيار الإسلامي الديمقراطي، ممثلاً بحزب العدالة والتنمية، ورمزه "المصباح" وهو كما ذكرنا من أحدث الأحزاب السياسية المغربية. فرغم انه خرج من أحشاء حركات إسلامية سلفية احتجاجية، فإنه نجح في صياغة نموذج وسطي مدني حديث معتدل. فقد انسلخ جيل أصغر، وذو تعليم مدني حديث عن حركة "العدالة والإحسان" الأكثر تشدداً وتزمتاً واستعداء للقصر. ولم يستبقوا من اسم الحركة الأم إلا الإطار المرجعي الإسلامي، ومفهوم "الإحسان"، الذي ينطوي على واجب إيماني خيري فردي، إلى مفهوم حداثي هو "التنمية". فأصبح حزبهم هو "العدالة والتنمية".
والذي لا يعرفه كثيرون هو أن الإسلاميين الشباب من الأتراك، الذين أرادوا بدورهم الانسلاخ عن حزب "الفضيلة" الذي أسسه وقاده المهندس نجم الدين أربكان لعدة سنوات، واصطدم بالمؤسسة العسكرية التركية، توجهوا إلى المغرب ودرسوا التجربة المغربية، وتحاوروا مع أصحابها، واستلهموها، وأنشأوا حزبهم الجديد بنفس الاسم، ونفس الشعار، وهو "المصباح". تأسس حزب العدالة والتنمية المغربي في منتصف التسعينات، وخاض أول انتخابات برلمانية عام 1997، وحصل على تسعة مقاعد، ثم انضم إليه ثلاثة نواب مستقلين، ليصل تمثيله إلى إثنى عشر مقعداً، وهو الحد الأدنى المطلوب ليصبح "مجموعة برلمانية"، لها نفس الحقوق في طلب الاستجوابات، وتقديم مشاريع قوانين، وطرح الثقة في الحكومة أو أحد وزرائها، والترشيح للمكتب التنفيذي للجان البرلمانية. وقد كان ذلك أحد وسائل الحزب الوليد، في إسماع صوته، وطرح أفكاره وبرامجه على المجتمع المغربي. وقد أظهر نواب مجموعة حزب العدالة والتنمية من الجدية والاجتهاد وروح المسئولية ما أكسبهم احترام زملائهم في البرلمان، وإعجاب كثيرين في المجتمع المغربي. لذلك حينما خاضوا التجربة للمرة الثانية عام 2002، قفز تمثيلهم في البرلمان من 12 إلى 41 مقعداً، وجاء ترتيبهم الثالث، بعد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية، الذي كان يرأسه المناضل المغربي عبد الرحمن اليوسفي (60 مقعداً)، وحزب الاستقلال الذي أسسه الزعيم التاريخي علال الفاسي (سعد زغلول المغرب). ثم ها هو حزب العدالة والتنمية يحقق  قفزة جديدة، بزيادة عدد مقاعده إلى 46 مقعداً، ويتبوأ المركز الثاني، بين الأحزاب الثلاثين التي تسابقت. إن مسيرة هذا الإنجاز هي عشر سنوات فقط.
تراجع التيار الاشتراكي الشعبوي. وكان هذا التيار قد انسلخ من حزب الاستقلال في ستينات القرن الماضي، بزعامة المهدي بن بركة وعبد الرحمن اليوسفي، وغيرهم ممن تأثروا بعبد الناصر "والناصرية"، فأسسوا حزبهم الجديد، مستلهمين نموذج الاتحاد الاشتراكي، ثم حزب التجمع في مصر. وكان المرحوم لطفي الخولي، اليساري المصري المعروف حلقة تواصل نشطة معهم في تلك المرحلة. وبعد اغتيال المهدي بن بركة بواسطة المخابرات المغربية، في منفاه بباريس حل رفيق عمره عبد الرحمن اليوسفي محله في زعامة الحزب، ولكنه ظل بدوره في المنفى إلى أوائل التسعينات. ولم يعد إلا بعد أن استجاب الملك الحسن الثاني لمطالب المعارضة، بتعديلات دستورية وإصلاحات سياسية. وحاز الحزب على المركز الأول في أول انتخابات برلمانية بعد الإصلاحات متغطياً حزب الاستقلال وأحزاب القصر. وكلّف الملك خصمه السياسي اللدود، عبد الرحمن اليوسفي بتأليف الوزارة، وليصبح رئيسها (أو كما يطلقون عليه في المغرب: الوزير الأول) ولكنه بعد ما يقرب من عشر سنوات، كوزير أول، انسحب عبد الرحمن اليوسفي في صمت من قيادة الحزب والحياة العامة. فتعرض الحزب لسلسلة من الانشقاقات، وخاصة في جناحه العمالي النقابي. هذا فضلاً عن أن تواضع إنجازاته بعد سنوات في السلطة، أدى إلى انصراف كثير من مؤيديه السابقين. لذلك تراجع في انتخابات 2007 إلى المركز الخامس (38 مقعداً)، وسقط معظم من تبقى من قياداته التاريخية سقوطاً مدوياً.
انتعاش التيار الوطني الليبرالي، ممثلاً في حزب الاستقلال، وهو الحزب الذي قاد حركة التحرير المغربية ضد الاحتلال الفرنسي في منتصف القرن الماضي، ثم تزعم المعارضة بعد الاستقلال، بقيادة علال الفاسي. ولكن هذا الحزب العتيد، والذي كان قد استلهم تجربة حزب الوفد المصري عند نشأته، لم يطوّر نفسه. بما فيه الكفاية، ولم يُفسح المجال لكوادره الشبابية، فتعرض بدوره لسلسلة من الانشقاقات، على نحو ما ذكرنا أعلاه. ولكن جيلاً جديداً من أبناء وأحفاد جيل علال الفاسي، وخاصة من رجال الأعمال والمهنيين ذوي التعليم العصري الحديث، عادوا إلى صفوف حزب الاستقلال، ووظفوا ثرواتهم وخبراتهم التنظيمية في خوض الانتخابات الأخيرة، ففاز حزبهم بالأكثرية وبالمركز الأول.
من الوجوه الجديدة، في حزب العدالة والتنمية، كادر في منتصف الثلاثينات من عمره، وهو الصحفي والباحث السياسي مصطفى الخلفي، والذي أسهم في صياغة برنامج الحزب، وخطط لزيارة زعيم الحزب د. سعد الدين العثماني إلى الولايات المتحدة في العام الماضي، بل وقضى هو نفسه عاماً فيها، حيث زامل مصرياً من أبناء جيله، هو د. عمرو حمزاوي، في مؤسسة كارنجي،  كما تردد على ردهات الكونجرس، وخبر آلياته. وفي حواري معه خلال مؤتمر لاهاي، بهرني هذا الشاب بعلمه، وتقواه، وموضوعيته في تحليل المشهد المغربي. وطبعاً لم يخف خيبة أمله في أن حزبه لم يأت في المركز الأول، كما كان يتوقع، بناء على استطلاعات الرأي العام التي شارك هو أيضاً في إجرائها. ولما سألته تفسيراً، قال: نحن أيضاً لدينا "حبيب العادلي" المغربي. لقد سرق منا عشرة مقاعد على الأقل. فقلت له "احمد ربك، حيث أن حبيب عدلنا سرق ثلاثة أرباع مقاعد مجلس شعبنا، ومقاعد مجلس شورتنا، وكل حرياتنا". فقال مصطفى الخلفي  "الحمد لله لاحتشام وزير داخليتنا". فقلت أنا "ومنه لله وزير داخليتنا".

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية