الرئيس الأمريكي كمنشق سياسي في واشنطن
د. سعد الدين إبراهيم
سبتمبر 07
وصلت العاصمة الأمريكية منذ أيام، وأغادرها اليوم (4/9) للقاء مع الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، في مدينة أطلانطا، أعود بعدها إلى الوطن العربي قبل حلول شهر رمضان الكريم، أي أنني لم آتي إلى أمريكا بقصد الاستقرار ولو إلى حين، كما ذهبت بعض الصحف الحكومية والمباحثية، وليس لأن ذلك عيب أو تهمة، حيث من حق أي إنسان السعي في أرض الله الواسعة، ولكن لتصحيح ادعاءات غير صحيحة.
وكنت قد كتبت مقال "قهر في مصر بلا حدود" الذي نشرته واشنطون بوست 21/8 وأنا في رومانيا، والتي قضيت فيها معظم الصيف بعد مؤتمر براغ 5/7/2007. وفي رومانيا التحق بي عدد من الشباب العربي من مصر والأردن وتونس والمغرب، للتعرف على تجارب شرق أوروبا في الانتقال من الحكم الشمولي إلى الديموقراطية، وهو ما سأكتب عنه مستقبلاً. أي أنني لم أكتب مقال واشنطون بوست من أمريكا أو واشنطون، كما ذهبت إلى ذلك نفس الصحف الحكومية والمباحثية. وليس في كتابة أي مقال أو كتاب من أي مكان غضاضة، حيث أن العبرة هي بما ينطوي عليه ما يكتبه الكاتب من أفكار ومضمون ووجهات نظر. وفي عصر انتقال المعلومات والأنباء بالانترنت، لم تعد الأمكنة والمسافات ذات شأن كبير في تحديد وجهات النظر، من ذلك أن حديثي عن "القهر في مصر بلا حدود" كُتب من وحي تجربتي الشخصية، وتجربة آخرين مع نظام آل مبارك خلال ربع قرن. ومصر شيئ ونظام آل مبارك شيئ آخر، ونقدي لآل مبارك هو نقد لنظام حكم أعتبره أنا، أي من وجهة نظري، مستبد وفاسد. وليس في ذلك نقد أو هجوم أو تنكر لوطني مصر، وفي ذلك لا أعتبر مصر ومبارك شئ واحد، كما توحي الصحف الحكومية. فمصر وطن خالد، ومبارك إنسان مثلي ومثلك، وكل إنسان فان، ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
ومن نفس المنطلق أكتب هذه المرة، ومن العاصمة الأمريكية واشنطن، لأنقد الرئيس الأمريكي بوش، كما نقده آخرون من أهل بلده وغيرهم، دون أن يُتهم أحد بالخيانة أو التطاول، فأمريكا أيضاً شيئ والرئيس بوش شيئ آخر.
لقد نقلت الواشنطون بوست، والنيويورك تايمز عن الرئيس بوش تصريحه في مؤتمر براغ عن الأمن والديموقراطية (5/6/2007)، قوله أنه أيضا "منشق في واشنطون"، حيث أن بقية المؤسسات في بلده تخالفه ولا تدعم سياساته، وفي مقدمتها وزارة الخارجية، والتي يُفضل العاملون فيها الاستقرار، حتى مع أنظمة مستبدة مثل نظام مبارك، عن الديموقراطية التي تنطوي على تغيير قد يكون غير محمود العواقب.
طبعاً حينما قال جورج بوش هذا الكلام قبل ثلاث شهور، فهو كان يتحدث إلى مؤتمر يضم حوالي مائة من المنشقين السياسيين السابقين من شرق ووسط وجنوب أوروبا (مثل التشيكي فكلاف هافل، والأسباني هوزيه أزنار، والسوفييتي السابق ناثان شرانسكي) أو المنشقين السياسيين اللاحقين من الصين وأمريكا اللاتينية، والعالم العربي. وكان وصف جورج بوش لنفسه بالمنشق أيضاً، في جزء منه على سبيل الدعابة، وفي جزء منه على سبيل التواصل مع المشاركين، بمعنى "أنني معكم في نفس القارب"، وفي جزء منه لتفسير أو تبرير ما أصاب سياسته المعلنة قبل ثلاث سنوات في دعم الديموقراطية من تعثر في الشرق الأوسط، بسبب تورطه في العراق من ناحية وخوفه أن تؤدي الديمقراطية إلى وصول إسلاميين متشددين إلى السلطة، مثلما حدث مع حماس في فلسطين. أو على الأقل هذا ما يردده له آل مبارك.
ولكن الإعلام الأمريكي، وفي مقدمته صحيفتي الواشنطون بوست والنيويورك تايمز، لم يتركا التصريح "الدعابة"، الذي بدر من جورج بوش، يمر بهدوء وسلام، فقد عادت إليه مراراً خلال الشهور الثلاثة الماضية، كان آخرها في التايمز والهيرالدتربيون، يومي 20 و 21/8/2007، ثم في الواشنطون بوست، يوم الاثنين 3/9/2007. فبعنوان "رئيس منشق" أمسكت الجريدة بتلابيب جورج بوش، متحدية إياه في عنوان جانبي في نفس افتتاحيتها الرئيسية: "إذا كان الرئيس بوش يعني تضامنه مع المنشقين حقاً، فعليه أن يتحرك في حالة سعد الدين إبراهيم". ثم استعرضت الصحيفة تفاصيل الحملة الإعلامية والملاحقات القانونية ضدي، كما نقلها لهم مندوبهم في القاهرة، وقالت الافتتاحية حرفياً، موجهة كلامها للرئيس الأمريكي "نعم انك أطلقت تصريحاً مجازياً وصفت فيه نفسك بالمنشق ولكنك عدت آمناً سالماً إلى البيت الأبيض، في وطنك بالولايات المتحدة، بينما غيرك من المنشقين الحقيقيين، ومنهم سعد الدين إبراهيم لم يستطيعوا العودة إلى أوطانهم، مخافة التهلكة.
واستعرضت الصحيفة السجل المتذبذب لإدارة الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس تجاه نشطاء الديموقراطية، ومنهم أيمن نور، فبينما أخذت تلك الإدارة موقفاً مبدئياً حاسماً في البداية تجلى في إلغاء كونداليزا رايس لأول زيارة لها إلى مصر كوزيرة خارجية احتجاجاً على اعتقال أيمن نور، بتهم تبدو ملفقة، وهو ما أدى للإفراج عنه في حينه، إلا أن إدارة بوش بردت بعد ذلك، وهو البرود الذي شجع نظام مبارك على معاودة التنكيل بأيمن نور، ووضعه وراء القضبان من جديد، رغم حالته الصحية المتدهورة، واكتفت إدارة بوش بتصريحات الاحتجاج اللفظية، التي لا تؤثر على الأنظمة المستبدة كثيراً، فالذي يؤثر في هذه الأخيرة هو وسائل الضغط المتاحة لأمريكا والتي يفهمها ويستجيب لها أمثال مبارك من الحكام المستبدين.
واختارت افتتاحية الواشنطون بوست المساعدات العسكرية نموذجاً. فمن ناحية هناك قرار وافق عليه مجلس النوات بتعليق مائتي مليون دولار إلى أن ينفذ نظام مبارك وعوده، التي سبق التزامه بها أثناء حملته الانتخابية للرئاسة عام 2005، باستقلال القضاء واحترام الشرطة لحقوق الإنسان، والإصلاح السياسي عموماً. وهو بالمناسبة ما لا توافق عليه وزارة الخارجية التي لا تريد تقييد حريتها بمشروطيات الكونجرس. ولذلك تحاول جاهدة إسقاط قرار مجلس النواب أو تعديله في مجلس الشيوخ، وهو ما تحذر منه الواشنطون بوست، إلى أن يستجيب مبارك، لا لشروط تبدو لأول وهلة، كما لو كانت أمريكية، بينما هي في واقع الأمر وفاء بوعود قطعها مبارك على نفسه، وحنث ببعضها ويحاول الالتفاف على بعضها الآخر.
أما التنويه الثاني في نفس الافتتاحية لإظهار ازدواجية الخارجية الأمريكية، سواء بالمخالفة أو الالتفاف على مقاصد الكونجرس وادعاءات بوش حول الديموقراطية، فهو ما وعدت به كوندليزا رايس، منح مصر مساعدات عسكرية مقدارها 13 مليار دولار، خلال السنوات العشر القادمة، أي بنفس المعدل الحالي وهو 1,3 مليار دولار سنوياً، وطبقاً للنظام السياسي الأمريكي، فإن من حق الإدارة أن تبادر، ولكن الكونجرس (بمجلسي النواب والشيوخ) لابد أن يعتمد أو يعترض، فهو في النهاية الذي يتحكم في تخصيص الاعتمادات اللازمة لتنفيذ أي سياسة أو قرار يبادر به الرئيس الأمريكي أو أي من وزرائه، وهو ما تذكرنا به افتتاحية الواشنطون بوست، موحية بأن استمرار القهر والاستبداد في مصر، مع أنه مسئولية نظام مبارك في المقام الأول، إلا أن أمريكا الرسمية تصبح شريكاً صامتاً فيه، إذا استمرت في دعمه.
لقد استوقف انتباهي هذا الإلحاح على الجزء العسكري من المساعدات الأمريكية بواسطة الكونجرس ووسائل الإعلام. وحينما سألت من أعرفهم من هيئة تحرير الواشنطون بوست، قيل لي أن مراسليهم في القاهرة أصبحوا مقتنعين أن نظام مبارك لا يعبأ بالجزء المدني من المساعدات، حتى لو تضور الشعب المصري جوعاً، ولكنه يعمل ألف حساب لاحتياجات القوات المسلحة.
واسترعى انتباهي أيضاً التأثير الهائل لوسائل الإعلام الأمريكية المرئية والمقروءة، لا فقط على الرأي العام في الداخل والخارج ولكن أيضاً على الكونجرس (السلطة التشريعية) وعلى البيت الأبيض والإدارة (السلطة التنفيذية). ولا تفسير لهذا التأثير الهائل إلا لأنها وسائل إعلام حرة، وقد لاحظ ذلك أحد المصريين الأمريكيين المخضرين، الذي لقيته في أحد تجمعات المصريين في العاصمة الأمريكية منذ يومين، وكان عائداً لتوه من إجازة صيفية قضاها في مصر، قال الرجل أن ما يقرب من مائة افتتاحية في الصحف المصرية صدرت رداً على مقال واحد في الواشنطون بوست، ولن يكون لها وزن في تغيير أي شئ، لأنها صدرت من "عبيد" لإرضاء سيدهم الواحد، بينما افتتاحية البوست صدرت عن أحرار يحترمون مهنتهم وضمائرهم والرأي العام الأمريكي، لذلك فمفعول مقال واحد في واشنطن هنا أقوى من مفعول ألف مقال هناك، في مصر المحروسة.
والله أعلم