Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

حديث المنفى
مراوغات "فندية" حول الجزيرة و"الواحة" القطرية

4/08

حفلت الأسابيع الماضية بأحداث عامة استلزمت أولية في كتابة هذا المقال الأسبوعي. كما أن كثرة جولاتي الخارجية خلال نفس الفترة (مارس 2008) جعلت متابعتي لما يُنشر في الصحافة العربية، متأخرة، وأعتمد فيها على مساعدتي الوفية فاطمة صابر في القاهرة، التي تحاول ملاحقتي بين العواصم العالمية. وضمن ما لاحقتني به مقال، أو بالأحرى تعليق على مقال سابق لي، كتبه الزميل الدكتور مأمون فندي، نشرته "المصري اليوم" القاهرية (5/3/2008)، ونص حوار طويل بين الدكتور حسن الترابي وهيئة تحرير صحيفة الراية القطرية (16/3/2008) وسأكتفي هذا الأسبوع بالتعليق على مقال فندي "رد على سعد".
ود. مأمون فندي يعتب على المثقفين العرب عموماً أنهم لا يتحاورون، ويغرد كل منهم في واد، وكأنه في عالم آخر. ولكي يكسر هو هذه الانعزالية أو القوقعة الذاتية لمعظم المثقفين، اختار أن يعلق أو ينتقد وجهة نظر وردت في مقالي "هؤلاء العرب: هل هم وزراء إعلام أم وزراء إعتام؟" (نشر 1/3/2008). وكان مقالي ينصبّ على نقد لقرارات مجلس وزراء الإعلام العرب الذي، اجتمع في جلسة طارئة (14/2/2008) بناء على طلب من مصر والسعودية، وأصدر وثيقة سُميت "ميثاق المبادئ المنظمة للبث التليفزيوني على الفضائيات العربية"، والذي يطالع هذه القرارات والمبادئ لا يمكن أن يخطأ أن القصد منها هي تقييد حرية التعبير على الفضائيات العربية، التي تكاثرت إلى حوالي أربعمائة فضائية في السنوات العشر الأخيرة، لا تملك منها الحكومات إلا حوالي عشرة في المائة. وقد تحفظت كل من دولتي قطر ولبنان على هذه القرارات. وقد عبّرت أنا عن إكباري لتحفظ هاتين الدولتين: لبنان احتراماً لتقاليدها التاريخية في حماية حرية التعبير، وقطر لأنها أصبحت "واحة الحرية الجديدة" في منطقة الخليج العربي بأسره، ويكفي فخراً لها أنها استضافت قناة الجزيرة التي أصبحت بالفعل صوت من لا صوت لهم من أبناء هذه الأمة، التي يتآمر عليها حكامها قبل أعدائها. ومن يحصي عدد هذه الكلمات التي تعمدت وضعها على علامتي اقتباس (" ") يجد أنها ثلاثة سطور، لا تتجاوز ثلاثين كلمة في مقال من مائة سطر. وألف كلمة تقريباً.
ترك الزميل مأمون فندي صُلب القضية التي يتعرض لها المقال، وهي محاولة وزراء الإعلام العرب إقفال النوافذ القليلة التي تتح لأبناء هذه الأمة بعض نسمات الحرية. وصب جامّ غضبه على دولة قطر وقناة الجزيرة، وكأن هناك ثأر أو حسابات قديمة بينه وبينهما، وجاء مقالنا ليعطيه هذه الفرصة. ولا بأس من ذلك، فهذا أيضاً حق من حقوق الإنسان. ولكي نشرك القارئ في هذا الحوار، سأعيد تلخيص ما أفرد له د. فندي كل مقاله (ألف كلمة) للرد على ثلاثة سطور (30 كلمة).
لقد رصد د. فندي مؤاخذات عديدة على السلوك الرسمي لدولة قطر، وتنطوي على تجاوزات لحقوق إنسانية نصت عليها المواثيق الدولية، كان أهمها سحب جنسية حوالي ستة آلاف قطري من قبيلة بني مُرة، التي تقيم على الجانب القطري من الحدود المتآخية للسعودية. ومنها أيضاً أن قناة الجزيرة لم تتعرض لا في تغطيتها الإخبارية ولا برامجها الحوارية لهذا الموضوع الحقوقي البالغ الأهمية. كما أن قناة الجزيرة، التي لا تكف عن لعن أمريكا بألف طريقة وطريقة لم تتعرض أبداً لحقيقة وجود قاعدة عسكرية أمريكية ضخمة على أراضيها، (العضيد والسيلية).
وهذه انتقادات لو صحت لوجب فعلاً توجيه النقد لمن يستحقونه.
ولأنني أحترم د. فندي، فقد أرسلت هذه الانتقادات لمن يهمهم الأمر في دولة قطر. وجاءتني الردود التالية:
1ـ من اللجنة القطرية لحقوق الإنسان، وقناة الجزيرة، أكدت فعلاً أنه تم إجراء سحب جنسية عدة آلاف من أحد بطون قبيلة آل مُرة، وهم فرع الغفران، حيث كان أبناء هذا الفرع يحملون الجنسيتين القطرية والسعودية. ولا يسمح القانون القطري بازدواج الجنسية. ولكن ليس صحيحاً أن الموضوع لم يثار. فقد تعرضت له اللجنة الوطنية القطرية لحقوق الإنسان، كما تعرضت له قناة الجزيرة في حلقة بتاريخ 25/6/2005، من برنامج "بلا حدود"، كان أحد ضيوفها وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني (رئيس الوزراء الآن). وقد شرح بصراحة الملابسات السياسية لتوقيت القرار، والتي تضمنت محاولة انقلابية اتهم فيها بعض أبناء هذا الفرع من القبيلة. ومع ذلك تمت تسوية هذا الموضوع بإعطاء أبناء فرع الغفران الاختيار لمن يرغب منهم استعادة جنسيته القطرية ، شرط التخلي عن الجنسية السعودية. وقد فعل ذلك معظم أبناء فرع الغفران من آل مُره.
2ـ أما بالنسبة للقواعد العسكرية الأمريكية على التراب القطري فهي حقيقة، وهم في قطر لا يخفون ولا يعتذرون عن ذلك. فاحتلال إيران لثلاث جُزر إماراتية في سبعينات القرن العشرين، وغزو نظام صدام حسين للكويت في عام 1990، جعل  قطر تدرك أطماع جيرانها الأكبر حجماً والأكثر قوة. ولم يكابر المسئولون في قطر، أو يخجلوا من الاعتراف بمحدودية قدراتهم الدفاعية في وجه هذه الأطماع وما تنطوي عليه من مخاطر على بلادهم. فبحثوا ووجدوا حليفاً قوياً هو الولايات المتحدة، التي طلبت قاعدة عسكرية مقابل هذا التحالف. وكان احد شروط هذه الاتفاقية التعاقدية، هو عدم تدخل أي من طرفيها في الشئون الداخلية للطرف الآخر.
هذا، وعكس ما ادعاه الزميل مأمون فندي، فإن هذا الموضوع، وكذا حادث التفجيرات التي ارتكبها وافد مصري يعمل في قطر، وكان ضحيتها مدرسة أجنبية في الدوحة، قد نوقشت في وسائل الإعلام القطرية، وفي مقدمتها قناة الجزيرة الفضائية خبرياً، وفي أحد البرامج الحوارية وهو برنامج "بلا حدود" يوم 9/3/2007، وأعيد بثه عدة مرات. وكان ضيف الحلقة الرئيسي هو الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، وزير الخارجية حينئذ، ورئيس الوزراء حالياً. أي أن المسئولين القطريين على أعلى مستوى، لم يترددوا في مناقشة كل المسائل الحيوية الحساسة. هذا فضلاً عن برنامج "لكم القرار"، الذي يواجه فيه الشباب القطري كبار المسئولين، بما في ذلك الشيخ تميم بن حمد بن خليفة، ولي العهد، وكذا ظهور الشيخة موزة، السيدة الأولى، على قناة الجزيرة للإجابة على أسئلة المواطنين القطريين والعرب.
أما ما أورده د. مأمون فندي عن ترتيب قطر في قائمة "مراسلون بلا حدود" فيبدوا  أنه قرأ القائمة بالعكس، فطبقاً لتقرير نفس المنظمة الفرنسية، لعام 2007، تأتي قطر في المركز الثالث بعد موريتانيا والكويت. وهو ما أكده أحد المراكز العربية، وهو مركز جمان لدراسات حقوق الإنسان بنفس العام (2007)، وعلى قائمتي المنظمة الفرنسية والأردنية، تأني مصر في المرتبة 24 في التقرير على التوالي، بينما تأتي السعودية في المرتبة 15 في التقرير الفرنسي، و17 في التقرير الأردني على التوالي. وأخص مصر والسعودية بالمقارنة لأن د. فندي ذكرهما بالاسم مع قطر. وكذلك لأن هذين البلدين هما اللذان بادرا بالدعوة المشئومة لوزراء الإعلام العرب، الذين أصدروا ميثاقهم الأكثر شؤماً.
وأخيراً، فإنني لست هنا محامياً عن قطر، فالمسئولون القطريون أقدر وأحق مني بالدفاع عن أنفسهم. ويبدو لي أن د. مأمون خلط فيما كتبناه بين مفهومي  "الواحة" و "الجنة". لقد اخترنا "الواحة" لأنها بقعة محدودة المساحة، بها ماء ونخيل وتين وزيتون، تحيط بها صحراء جرداء من كل ناحية. أما ما يبحث عنه مأمون فندي، فهو "الجنة الرضوانية"، أو "الفردوس المفقود". وهذا الذي يبحث عنه، لا يوجد لا في قطر، ولا في بريطانيا، ولا في الولايات المتحدة، حيث يعيش ويعمل د. فندي حالياً. ولكن لا يستطيع إلا مكابر أن ينكر أن مساحة حرية التعبير في بريطانيا والولايات المتحدة هي بالقطع أكبر منها كثيراً في بلدان العالم الثالث وبنفس المنطق والقياس كنا نقارن بين قطر وبقية البلدان العربية وفي هذا السياق والمقارنة، كان اجتهادنا هو أن "الكلأ في قطر" أكثر اخضراراً، مقارنة بما حولها من بلدان خليجية وعربية. فإذا كان هو يرى واحة أو واحات أخرى، تتمتع بمساحات أكبر من الحريات، فليخبرني. ويخبر القراء عنها، وسنكون له من الشاكرين.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية