Header image  
للدراسات الإنمائية  
line decor
  
line decor
 

   
   
 English
 

 
 

 مقالات د. سعد الدين إبراهيم

الإسلام في الانتخابات الأمريكية
د. سعد الدين إبراهيم

1/08
إن القضايا الخارجية نادراً ما تلعب دوراً حاسماً في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وبدلاً منها تلعب القضايا الاقتصادية والاجتماعية الداخلية مثل هذا الدور. وبمعنى أدق، حتى لو كانت قضايا السياسة الخارجية تشغل قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي، فإن دورها في قرار الناخب، أي من سيصوّت له ـ يظل درواً ثانوياً.
ومع ذلك فمنذ أحداث سبتمبر 2001، أصبحت مخاوف الأمريكيين من هذا "الغامض البعيد"، الذي يطلق عليه "الإسلام"، أحد القضايا الهامة في قرار الناخب الأمريكي. وقد استغل جورج بوش هذا الخوف في إعلان سياسته "بالحرب على الإرهاب"، بشن هجوم جوي، ثم هجوم بري على تنظيم "حركة القاعدة"، ثم على نظام "طالبان" في أفغانستان. ثم استمرأ الرجل وفريق في حزبه، يُسمون "المحافظون الجدد"، هذه الممارسة لتنفيذ مخططات أخرى، ليس لها علاقة مباشرة بما حدث في 11 سبتمبر (تفجيرات نيويورك وواشنطن) لغزو العراق (مارس 2003)، وإسقاط نظام صدام حسين، بدعوى امتلاكه لأسلحة دمار شامل، يمكن لها أن تهدد الأمن الأمريكي.
ورغم أنه لم يثبت من تحقيقات الكونجرس أو الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية، وجود أسلحة دمار شامل أو أي علاقة بين نظام صدام حسين في العراق ونظام طالبان أو تنظيم القاعدة في أفغانستان، إلا أن جورج بوش والحزب الجمهوري استمرأ في توظيف الخوف من ذلك "الإسلام الغامض البعيد"، في الحصول على تأييد أغلبية الأمريكيين في الانتخابات الرئاسية لعام 2004، حيث أعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية.
ولكن مع استمرار الحرب على الإرهاب والحرب في العراق دون نهاية أو حسم، فإن أغلبية الرأي العام الأمريكي، بدأت تعيد النظر، ثم تفقد الثقة في جورج بوش، والمحافظين الجدد. ولكن "الإسلام الغامض البعيد"، ظل مصدر خوف، يحاول بعض السياسيون الاستمرار في توظيفه في حملاتهم الانتخابية للرئاسة الأمريكية. وأصبح من كان قد صوّت في الكونجرس، لصالح قرار الحرب في العراق، أو ضد القرار، عام 2003، أحد قضايا الحملة الرئاسية عام 2008، خاصة أن الحرب ما زالت مستمرة بلا حسم، وتكلف الخزينة الأمريكية حوالي مائة مليار دولار وآلاف القتلى والجرحى سنوياً.
وعلى الجانب الديمقراطي كانت السناتور هيلاري كلينتون قد صوّتت مع قرار الحرب في العراق. بينما كان السناتور باراك أوباما، من القلائل الذين صوّتوا   ضد نفس القرار عام 2003. وطبعاً تحاول هيلاري كلينتون الآن، وهي في مقدمة المرشحين للرئاسة، أن تتنصل أو تبرر هذا التصويت في ذلك الوقت، بدعوى أنها فعلت ما فعلت بناء على المعلومات التي كانت متاحة في ذلك الوقت (2003)، والتي ثبت بعد ذلك عدم صحتها أو دقتها. هذا بينما يعتز باراك أوباما وهو المنافس الأول لها أنه كان قد صوّت ضد قرار الحرب. وحينما ردت هي وزوجها (الرئيس السابق بيل كلينتون)، بأن أوباما صوّت في سنوات تالية لصالح اعتمادات تمويل الحرب، رد أوباما، بأنه ما دام جنودنا في ميدان القتال، رغم أنه لم يكن مع إرسالهم هناك، فهو لا يتركهم دون سلاح أو عتاد.
أما على الجانب الجمهوري، أي حزب الرئيس بوش الذي تورط في حربي العراق وأفغانستان، فإن المرشحين لا يتحدثون كثيراً عن قرار الحرب، ولسان حالهم هو الرغبة في نسيان أو التقليل من أهمية هذا الموضوع في الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية. وإذا أصر الناخبون على سؤال مرشحيهم حول الموضوع، فإنهم يفعلون مثل هيلاري كلينتون، أي أنهم أيدوا قرار الحرب وقتها بناء على المعلومات المتاحة. ومع ذلك هناك استثنائيان في هذا الصدد. أحدهما السناتور جون ماكين، وهو أسير حرب سابق منذ حرب فيتنام، قبل ثلاثين عاماً، والذي يؤيد أي قرار ينطوي على أمن أمريكا وقواتها المسلحة. أما الاستثناء الثاني فهو رودي جولياني، الذي كان عمدة مدينة نيويورك يوم وقعت تفجيرات برجي مركز التجارة العالمي. وأكسبته إدارته للأزمة وقتها شهرة وإعجاباً على مستوى أمريكا كلها. وبسبب هذه الشهرة يفكر في ترشيح نفسه في رئاسة أمريكا. وهو يوظف تفجيرات 11 سبتمبر لدرجة أصبحت تنطوي على مبالغة ظاهرة، خاصة بعد مرور سبع سنوات.
أكثر من ذلك فإن هذا التوظيف السياسي لفاجعة 11 سبتمبر انزلق بالرجل إلى لغة عنصرية ضد الإسلام والمسلمين. منذ الواقعة الشهيرة في رده الوقح على الأمير السعودي الوليد بن طلال، حينما عرض التبرع بمائة مليون دولار، لإعادة تعمير مركز التجارة العالمي، والإسهام في تعويض ضحايا التفجيرات. فلم يكتفي برفض التبرع بل زاد على ذلك اتهام الدين الإسلامي ومعتنقيه بأنهم وراء كل نكبات العالم. وربما شجع رودي جولياني، وهو أمريكي من أصل إيطالي، على التمادي في هذا الخطاب العنصري، أن مقره الانتخابي، وهو مدينة نيويورك، بها أكبر تجمع من الناخبين اليهود. وهو الذي يُقحم موضوع الإسلام والمسلمين في الحملة الانتخابية الحالية لعام 2008. وحينما يطرح أحد المرشحين موضوعاً بإلحاح، فإن المرشحين الآخرين من حزبه والحزب المنافس يضطرون للإدلاء بدلوهم فيه. فحتى إذا لم يرغبوا في ذلك، فإن الصحفيين يلاحقونهم بأسئلة عن الموضوع، أو رأيهم فيما قاله هذا المرشح، أو ذاك عن الإسلام والمسلمين.
من ذلك ما حدث مؤخراً في أحد المناظرات بين المرشحين، وأوردته صحيفة الهيراليد تريبيون (22/1/2008)، حيث وجهة المذيع برايان وليامز، سؤال لباراك أوباما، عما يشاع، عنه أنه "مسلم" وكانت لهجة توجيه السؤال "اتهامية". وكذلك أجاب أوباما بلهجة قاطعة، كما لو كان يقول أنا برئ من هذا الاتهام، في كلمتين هما "أنا مسيحي". ويعلق أحد كتّاب هذه الصحيفة العريقة بأن غوغائية وعنصرية بعض المرشحين تكاد تسمم المناخ السياسي الأمريكي كله، وتنتكس به إلى تعصب ديني، كان الغرب عموماً وأمريكا خصوصاً قد تجاوزته منذ ثلاثة قرون على الأقل. ويستشهد نفس هذا الكاتب، وهو جيمس كارول، بملاحظة لأكاديمي مسلم هو رضا أصلان، فحواها "أن أسامة بن لادن حينما دبّر تفجيرات 11 سبتمبر لم يكن يهدف إلى غزو ديار "عدو بعيد"، بقدر ما كان يهدف إلى إشعال حرب تطهير في دار الإسلام". ويقول رضا أصلان، أن بن لادن قد نجح إلى حد بعيد. حيث أن ما فعله في 11 سبتمبر قد فجّر بالفعل مخزوناً عميقاً من معتقدات ومشاعر كان قد عفى عليها الزمن.
ويتساءل الكاتب الأمريكي جيمس كارول، كيف ينساق مرشحوا الرئاسة الأمريكية إلى هذا الفخ العنصري، أي الترويج لما يسمى "بالإسلام فوبيا" أو "الفاشية الإسلاموية"، في الوقت الذي لا بد لأمريكا فيه أن تتعامل مع مليار وربع مليار مسلم في العالم، فضلاً عن مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب وشرق آسيا؟. وهو يقر بأن تحالفاً "صهيونياًـ إنجيلياً"، بدا ينمو بسرعة مخيفة في أعقاب تفجيرات بن لادن في نيويورك.
فكأن تحالف بن لادن ـ الظواهري في أواخر التسعينيات والذي هدد بالحرب على "اليهود والصليبيين"، قد أصبح مثل "النبوءة التي تحقق ذاتها" (ٍself-fulling Pnophicy )، حيث أصبح هناك بالفعل تحالف إنجيلي ـ صهيوني في أمريكا، ركبه المحافظون الجدد في انتخابات 2004، ويحاول رودي جولياني الجمهوري، وهيلاري كلينتون الديمقراطية، أن يركباه في انتخابات 2008. فعلى العرب والمسلمين أن ينتبهوا، وأن يتابعوا المشهد الأمريكي باهتمام وحصافة.
واللهم قد أبلغنا واللهم فاشهد.

 
 

 
 
   
مركز إبن خلدون للدراسات الإنماشية